كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

"حفرة الأعمى" خارطة طريق لخليل صويلح في كتابة الرواية

أمينة عباس- فينكس

الاحتفاء بما يصدره الكاتب خليل صويلح ما هو الا احتفاء يليق بما يقدمه من كتابات مختلفة تغرد دوماً خارج سرب ما اعتاد على كتابته نظراؤه، وها هو في كتابه "حفرة الأعمى" الصادر حديثاً عن دار ألف نون تضيق به أمكنة النظريات النقدية الأكاديمية وقواعدها المدرسية التي لا تناسب روحه الحرّة التي تشبه اتساع صحراء مسقط رأسه وهو البدوي القادم من تخوم الصحراء، لذلك أكد في كلامه معنا أنه لا يطرح نفسه ناقداً وأن ما يقدمه في كتابه "حفرة الأعمى" ما هو إلا سرد روائي سمّاه الناشر "مقامات" لأن نصوصه هذه كانت عصيّة على التجنيس، حيث يتآلف فيها السردُ مع النقد عبر مجموعة من الملاحظات والوصايا والإشارات والإرشادات التي يوردها في الكتاب دون أن يستثني نفسه منها والتي يجب أن يأخذها بعين الاهتمام كلّ من يريد أن يقتحم عالم الكتابة الروائية لتكون خارطة طريق لمن ضلَّ الطريق الصحيح في كتابتها، وهو كذلك نوع من أنواع السيرة الذاتية التي يكتبها الكاتب بينه وبين نفسه حين يدخل إلى المطبخ الكتابي مفشياً فيه بعض الأسرار الكتابية ليكون الكاتب حقيقياً فيما يكتبه من خلال الاعتراف والبوح والشطب والحذف، فالمطبات التي تعترض كتابة الرواية -كما جاء في الكتاب- كثيرة، ولذلك كان لا بدّ من وضع بعض الإشارات لتجنّب حفرة الأعمى التي يقع بها كثيرون.

الاختزال ضرورة بلاغية وجماليةخليل صويلح

وكما سبق لخليل صويلح في كتابه "ضد المكتبة" أن تساءل عن جدوى الاحتفاظ بمجلدات ضخمة في رفوف مكتباتنا بعد أن باتت متوفرة في مواقع ألكترونية متخصصة وأهمية وضرورة التخلص من الأعشاب الضارة فيها يتابع في "حفرة الأعمى" عملية التنظيف، ولكن هذه المرة في ما يشوب كتابة الرواية، مبيناً صويلح في كتابه أننا اليوم نعيش موجةَ الروايات البدينة والضخمة المليئة بالثرثرة، فمعظم الروائيين يقعون في فخ الحشو والوصف الفائض عن الحاجة والاستطرادات المجانية من خلال الذهاب عمداً إلى كتابتها، حاثّاً على التخلص من الثرثرة والفائض اللغوي وتقطير الجملة وضرورة المحو، فالكاتب الجيد برأيه هو الذي يمحو أكثر مما يكتب لأن الاختزال ضرورة بلاغية وجمالية، ويؤسفه أن "حفرة الأعمى" هي حفرة واسعة جداً في عالم الأدب اليوم، وأن كتابة الرواية أصبحت نوعاً من أنواع الموضة عند البعض: "مثلما هناك هجرة لا شرعية خارج حدود البلاد توجد هجرة لا شرعية إلى الرواية بقوارب مطاطية مثقوبة" وبالتالي أصبح ما يُكتَب برأيه خالياً من الدهشة، وبعض الروائيين يغرقون في إهدار عشرات الصفحات حول تفصيل ما إلى أن ننسى الفكرة التي سبقته وضرورة الفكرة التي تليه، ما يضطرنا إلى إعادة القصة ثانية، ولا يخفي صويلح -وهو الذي سبق وأن تحدث في كتابه "ضد المكتبة" عن ضرورة لفظ بعض الأشياء في كتابة الرواية والاحتفاظ ببعضها- أن ما كتبه في الكتابين هو نوع من الدعوة إلى التمرد على كل ما هو دون فائدة: "حيث ينبغي أن تكون سكين الروائي مشحوذة جيداً للعمل على بتر أعضاء الجمل الإنشائية الفائضة دون بنج، وتحديد المتن كي لا يفيض نحو هوامش الصفحات ويسيل الحبر خارجاً" فالروائي برأي خليل صويلح وكما جاء في الكتاب طاهي كلمات أولاً وآخراً: "اختزل شخصيات رواياتك ثم أحطها بسور منيع لا يقل متانة عن الأسلاك الشائكة التي تحيط باسطبلات الخيول، واطرد البغال بعيداً".. وبخصوص ضرورة الاختزال يذكّرنا صويلح بما روته حنان الشيخ عن روايتها "مسك الغزال" وكيف أنها خضعت في نسختها الفرنسية إلى حذف إحدى شخصياتها الثانوية تماماً من دون أن تتأثر الرواية بالنقصان، وإنما على العكس تماماً فقد صارت أكثر رشاقة وحيوية، فيما قام محرّر النسخة الألمانية لرواية عبد الرحمن منيف "مدن الملح" باختزال هذه الخماسية الضخمة إلى كتاب واحد فقط .

روايات عرجاء

ولا يتوقف صويلح في كتابه فقط عند الوهن السردي الذي يجتاح حمّى الكتابة الروائية اليوم، بل يشير إلى أن المشكلة اليوم باتت تكمن في الخفّة التي لا تُحتمل ونقص الكلس في المفاصل، حيث تصادفنا روايات منذ صفحاتها الأولى بمشية عرجاء وبعكاكيز غير مرئية تستند إليها اللغة وتفضحها الأخطاء النحوية باكراً، فلا بريق مدهش في عمارة الجملة، وإنشاء آفل في الوصف الذي لا لزوم له أصلاً، مع وجود حكاية لم تخضع لأدوات السرد بالإمكان أن يكتبها سائق شاحنة أو حلاق، في حين أن الكتابة –برأيه- تحتاج إلى قدرة طائر البوم الذي يستطيع الالتفات بـ 270 درجة لاصطياد طرائد اللغة والأفكار الصغيرة التي تختبئ في الظل، وإلى رواية بعقارب سردية لتوقظ حواس القارئ، ودون ذلك لا يعوّل عليها، محذراً كذلك وحسب مصطلحه من ديناصورات الكتابة وهي تستحضر لغة محنطة وكأن الكوكب لم تلتهمه الحروب والثورات والأوبئة وفوتوغرافيا السيلفي ومنصات السوشال ميديا والخرائط الجديدة وأنواع الإذلال، مع تأكيده على أننا نحتاج إلى قوانين إسبارطة الصارمة في ترتيب عجلات السرد تقنياً، وإلى عاطفة إيثاكا لعناق خرائط مختلف الأجناس الإبداعية في ظل الموجة الكاسحة في كتابة الرواية التي أتت من خطأ فادح في تفسير معنى السرد وخطورته، فالمسألة بالنسبة لصويلح "لا تتعلق بامتلاك حكاية ما بقدر ما تعني إعادة تركيب حيوات أشخاص وأمكنة ووقائع على نحوٍ مغاير.. إخلاصك للحكاية كما حدثت تماماً بحذافيرها أولى علامات الاحتضار السردي وعطب المخيّلة" مع إشارته إلى أن الموجة الروائية تُذكّر بانتشار موجة مطاعم الشاورما: "بقايا لحوم ودهون وتوابل لإخفاء الرائحة الأصلية.. دسم كاذب ومضرّ لجهة ارتفاع منسوب الكولسترول في الدم" مفضلاً صويلح في الكتاب مصطلح "المطبخ الروائي" على سواه في تفسير عمليات طهي المسوّدة لجهة الإضافة والحذف، التقطيع والفرم، الغربلة والتقطير، وتعيين مقادير الملح والتوابل اللاذعة في تدبير أحوال الجملة ومعرفة نوع الزيت لتسيير عجلة السرد حين تتعطل في منتصف المسافة".

طرائق جديدة في السرد

يستحضر صويلح كذلك في "حفرة الأعمى" خبرات روائيين عالميين مثل خوسيه ساراماغو وغابرييل غارسيا ماركيز وأمبرتو إيكو وأورهان باموق وفرانز كافكا ونجيب محفوظ في ابتكار طرائق جديدة في السرد تنهض على الهدم والبناء وفقاً لأقواس السرد المفتوحة على حقولٍ وأجناس أخرى، منبهاً فيه إلى أن معظم الروائيين العرب لم ينتبهوا إلى قوة السرد الجبارة، ولم يأبهوا بصنعته، فكتب أغلبُهم أعمالاً مترهلة ومفككة غلب عليها الإنشاء السطحي والوصف الساكن والحكايات الرتيبة والشخصيات النمطية والعواطف السيّالة والنهايات المفتعلة نظراً لغياب الوظيفية التمثيلية للسرد وأعراف الصنعة الروائية: "لكي تكحّل عينيك بجملة مفيدة دع المرود على قياس فتحة المكحلة كي لا يسيل الكحل/الحبر خارجاً".. ونظراً لثراء المدوّنة الروائية بالأعمال التي أسّست لمنعطف في الذائقة يذكرنا صويلح بروايات راهنت على الحجم الصغير لا البدانة، وباتت مرجعية سردية ملهمة مثل "البطء" لميلان كونديرا و"الحمامة" لباتريك زوسكند و"ليس لدى العقيد من يُكاتبه" لغابرييل غارسيا ماركيز و"بيت الحسناوات النائمات" لياسوناري كاوباتا و"ساعي بريد نيرودا" لأنطونيو سكارميتا و"حرير" لأيساندرو باريكو و"رجال في الشمس" لغسان كنفاني" و"صيّادون في شارع ضيق" لجبرا إبراهيم جبرا و"تلك الرائحة" لصنع الله إبراهيم و"الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" لأميل حبيبي، ويؤكد خليل صويلح في الكتاب أن قراءة الروايات الجيّدة وحدها ليست هي مَنْ تعمل على تطوير ذائقة المتلقي سواء كان قارئاً أو مؤلّفاً إنما الروايات السيئة أيضاً: "الروايات التي وقعت بين أيدينا باكراً فأغرقتنا بحساء الفضيلة وفائض الوصف والإنشاء، الروايات المسطحة التي تنهض على تصدير اللغة الاستعمالية وحسب، وحتّى حين تستدعي هذه الروايات ما يتهيّأ لمؤلفيها بأنها بلاغة دامعة وخطبة لاذعة وذاك بدلق دلو من الميلودراما هنا، ودلو من الاستطرادات المجّانية هناك فإن الأمر لا يتجاوز الإنشاء النافل، روايات سوف تعلّمنا لاحقاً دروساً مجانية بقيمة الحذف والمحو والإلغاء".

مخاض الكتابة

يشير خليل صويلح في كتابه أن الكاتب حين يعيش مخاض الكتابة فهو مرتهن للشغف والاكتئاب والوحدة والإرهاق والحيرة دفعة واحدة، ويستدرج شخصيات روايته إلى مكائد سردية محكمة، أو هكذا يظن، مثلما تستدرجه هذه الشخصيات إلى مخابئها السرية، وكأنه يعيش مخاضَ الفرس بانتظار ولادة مهرة أصيلة تخرج بطمأنينة من غشاء المشيمة لا مخاض السلحفاة التي تدفن بيوضها في الرمل، وتغادرها بلا ندم أو شكوك بمصيرها المقبل: "لا تجعل مسودّة روايتك بيضة سلحفاة فوق شاطئ مهجور، فهناك مسافة شاقة بين الولادة وتفقيس البيض".

استقالة الناقد

يكتب خليل صويلح في النقد نصاً موازياً للنص الذي يقرأه بعيداً عن تلك المصطلحات الدارجة التي تنتشر في كتابات بعض النقّاد، وكما المطبات موجودة في كتابة الرواية يعاني النقد كذلك من وجودها، مبيناً في "حفرة الأعمى" أن المعضلة النقدية اليوم تكمن في جانب منها في قصور أدوات الناقد أمام مقترحات الكتابة الجديدة، إذ يركن معظم النقاد برأيه إلى نظريات نقدية قديمة طويت في بلد المنشأ، أو أنها وصلت متأخرة إلى لغة الضاد، فيما يختزل الآخرون تجربة ما في وصفة جاهزة يمكن تعميمها على أي رواية أو ديوان شعر أو مجموعة قصصية باستيراد مصطلحات من طراز "التبئير" و"العتبات النصية" أو "أزمة الذات" موضحاً في الوقت ذاته أنه وفي ظل ثورة الاتصالات لا مرشد حقيقي اليوم لاستبصار ما هو نوعي في الكتابة أمام طوفان النشر من جهة وعشائرية النقد من جهة ثانية، بالإضافة إلى رسوخ النقد الزبائني في المدونة النقدية العربية، وأنه وفي ظل غياب المجلات الثقافية المقروءة والمنابر الرصينة وغياب النزاهة والشجاعة النقدية -إلا فيما ندر- لن يجد الروائي أيضاً من يصف كتابه بما يستحق، مع وجود نقّاد يكتفون بتقليب الكتاب على عجل، مسترشدين بالصفحات الأولى منه أو بالنبذة التي تزين الغلاف الأخير وما تيسَّر من مراجعات سابقة أو وجود نقد يذهب بعيداً عمّا هو في النص إلى درجة لا يتوقعها الكاتب نفسه، مع استقالة الناقد من مقعده أو انزلاقه نحو المداهنة والمدائح الشخصية والنخوة العشائرية التي جعلت منه رافع أثقال مراوغاً، ناقلاً النص من وزن الذبابة إلى مرتبة أعلى بحركة بهلوانية واحدة .

خليل صويلح

صدر له:

في الرواية: وراق الحب، بريد عاجل، دع عنك لومي، زهور وسارة وناريمان، سيأتيك الغزال، جنة البرابرة، اختبار الندم، عزلة الحلزون.

وفي النقد والسيرة الروائية: قانون حراسة الشهوة، ضد المكتبة، نزهة الغراب.

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني