كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

نداء القبيلة.. ماريو فارغاس يوسا

كامل العامري- خاص فينكس:

في الجزء الأول من سيرته الذاتية (السمكة في الماء) الذي صدر بالفرنسية 1995 عن دار غاليمار، تناول ماريو فارغاس يوسا فترتين حاسمتين من حياته: فترة طفولته ومراهقته وشبابه؛ ومن ثم، السنوات الثلاث التي قضاها في السفر حول بيرو بين عامي 1987 و1990 كمرشح رئاسي. هذا الكتاب (نداء القبيلة) الذي صدر في شباط 2021، يتناول هذه القصة بطريقة أخرى، فهو يقدم جزءاً آخر من سيرته الذاتية. ولكن، على عكس كتابه السابق، الذي كان قائمًا على سرد وقائعي، يقدم صورة ذاتية فكرية، تهدف إلى فهم أفضل لتطور فكره السياسي. ملقيا الضوء على الكتاب السبعة الذين ميزوا انتقاله من الماركسية الأكثر تشدداً إلى الليبرالية، من خلال تحليل أعمالهم. وهم آدم سميث، وخوسيه أورتيجا إي جاسيت، وفريدريك أوغست فون هايك، والسير كارل بوبر، وريموند آرون، والسير أشعيا برلين، وجان فرانسوا ريفيل. كاشفا عن جوانب جديدة لفكر هؤلاء الفلاسفة، بالإضافة إلى المسار الحيوي والفكري للروائي نفسه.نداء القبيلة كتاب

لم يكتب هذا الكتاب أبداً لو لم أيقرأ كتاب "محطة فنلندا" لإدموند ويلسون، منذ أكثر من عشرين عاماً. تروي هذه الدراسة الرائعة تطور الفكرة الاشتراكية منذ اللحظة التي بدأ فيها المؤرخ الفرنسي جول ميتشليت، الذي أثار الاقتباس اهتمامه، وبدء يتعلم اللغة الإيطالية لقراءة جيامباتيستا فيكو، حتى وصول لينين، في 3 أبريل 1917، إلى محطة فنلندا، في سانت بطرسبرغ، الذي كان سيقود الثورة الروسية. ثم فكر بعد ذلك في كتاب عن الليبرالية يشبه ما فعله الناقد الأمريكي بشأن الاشتراكية: يقدم تقريرًا، بدءاً من ولادة آدم سميث في قرية كيركالدي الأسكتلندية عام 1723، عن تطور الأفكار الليبرالية من خلال ممثليها الرئيسيين، وكذلك الأحداث التاريخية والاجتماعية التي انتشرت في جميع أنحاء العالم. كل الأشياء التي تم أخذها في الاعتبار، هذا هو الأصل البعيد لنداء القبيلة.

على الرغم من المظاهر، هذا كتاب عن سيرته الذاتية يتتبع تاريخه الفكري والسياسي، الرحلة التي قادته من الماركسية ووجودية سارترفي شبابه إلى الليبرالية، عبر إعادة تقييم الديمقراطية التي يدين بها لقراءته لكتّاب. مثل ألبير كامو وجورج أورويل وآرثر كويستلر. ثم دفعته بعد ذلك تجارب سياسية معينة نحو الليبرالية، وقبل كل شيء، أفكار المؤلفين السبعة الذين خصص لهم هذه الصفحات:

اكتشف السياسة في بيرو في سن الثانية عشرة، في أكتوبر 1948، أثناء الانقلاب العسكري للجنرال مانويل أبوليناريو أودريا، وخلال الثماني سنوات من نظام أودريا، ولدت في نفسه كراهية الطغاة، فالتحق عام 1953 في سان ماركوس، الجامعة العامة، الشعبية والمقاومة للديكتاتورية العسكرية، وفيها أنظم للحزب الشيوعي وبعد أن سجن وقمع أو نفي قادته؛ حاول الحزب إعادة بناء نفسه مع مجموعة "كاويد"، وكان فيها نشطًا لمدة عام.وهنا تلقى دروسه الأولى في الماركسية، في مجموعات سرية حيث قرأ وناقش الواقعية الاشتراكية واليسارية، و"مرض الطفولة الشيوعية". كان، إيمانه بالمادية التاريخية وبالصراع الطبقي من دون التمسك بالمادية الديالكتيكية،

لكنه ينأى بنفسه عن مجموعة Cahuide في نهاية عام 1954 و يبقي اشتراكياً، على الأقل في قراءاته ، في تلك السنوات، لجورج لوكاش وأنطونيو غرامشي ولوسيان جولدمان وفرانتز فانون وريجيس دوبريه وتشي جيفارا وحتى لوي ألتوسير الأرثوذكسي المتطرف، في تشرين الثاني (نوفمبر) 1962، عندما اندلعت أزمة الصواريخ الكوبية. اضطر لتغطية الأخبار، فوصل إلى هافانا على متن الطائرة الكوبية الأخيرة التي أقلعت من مكسيكو سيتي قبل الحصار. كانت هناك تعبئة عامة في كوبا خوفاً من إنزال وشيك للقوات الأمريكية، هناك شيء يذكره بعاطفة وحماس شعب حر متفائل كما وصفه أورويل في كتابه "تحية لكاتالونيا" عندما وصل إلى برشلونة كمتطوع في بداية الحرب الأهلية الإسبانية. وهكذا انتقل إلى صميم ما بدا له أنه تجسيد للاشتراكية في الحرية، ووجد نفسه وسط العديد من الكتاب الكوبيين.

لكن رحلته إلى الاتحاد السوفياتي في عام 1968، عندما دعي لإحياء ذكرى بوشكين، تركت طعماً سيئاً في فمه لأنه اكتشف: " لو كنت روسياً، لكنت منشقاً "بمعنى آخر منبوذاً" أو سأتفسخ في سجون الغولاغ. لم يكن أقل من صدمة بالنسبة لي. أقنعني سارتر وسيمون دي بوفوار وميرلو بونتي ومجلة الأزمنة الحديثة أنه على الرغم من كل ما هو خطأ في الاتحاد السوفيتي، فإن هذا البلد يمثل التقدم والمستقبل، والوطن كما قال بول إيلوار في قصيدة حفظتها عن ظهر قلب، "لا عاهرات ولا لصوص ولا كهنة" كان هناك فقر وسكارى ملقون في الشارع ولامبالاة. في كل مكان، كان هناك رهاب جماعي من الأماكن المغلقة بسبب نقص المعلومات.. كان يكفي أن ننظر حولنا لنعلم أنه على الرغم من اختفاء الفروق الطبقية، كانت التفاوتات هائلة.. سألت روسياً، "من هم الأكثر امتيازاً هنا؟ قال: الكتاب تحت الطلب. لديهم بيوتاً ريفية لقضاء إجازاتهم ويمكنهم السفر إلى الخارج. هذه المكانة وضعتهم أعلى بكثير من الرجال والنساء العاديين. ما الذي يمكن أن تطلبه أكثر من ذلك! "هل يمكنني الدفاع عن هذا النموذج من المجتمع، كما فعلت سابقاً، وأنا أعلم الآن أنه سيكون غير قابل للعيش بالنسبة لي؟" لكن كتابات سارتر بالذات أصابته بخيبة أمل كبيرة عندما قال في مقابلة في لوموند، إنه فهم أن الكتاب الأفارقة يتخلون عن الكتابة من أجل القيام بالثورة أولاً وإنشاء بلد يكون فيه الأدب ممكنًا". كيف يمكنه أن يقول ذلك " الرجل الذي جعلنا نعتقد أن الكتابة هي شكل من أشكال العمل، وأن الكلمات كانت فعلاً، وأن الكتابة أثرت في التاريخ؟" في ذلك الوقت، أعاد قراءة كامو واتفق معه، مدركً أن خلافه الشهير مع سارتر حول معسكرات الاعتقال في الاتحاد السوفياتي، كان فيه على حق.

 كانت قطيعته مع كوبا، وإلى حد ما، مع الاشتراكية تعود إلى قضية باديلا الشهيرة (والتي كادت أن تُنسى الآن). بدأ الشاعر هيبرتو باديلا، الذي شارك في الثورة الكوبية- وأصبح وزيراً للتجارة الخارجية بتوجيه بعض الانتقادات لسياسة النظام الثقافية في عام 1970. فهاجمته الصحافة الرسمية أولاً، ثم سُجن بتهمة مجنونة كونه عميلاً لوكالة المخابرات المركزية. "فكتبنا بغضب نحن خمسة أصدقاء عرفوه - خوان ولويس جويتيسولو، وهانس ماغنوس إنزينسبرغر وأنا - رسالة احتجاج، ووقعها كتاب من أنحاء العالم، مثل سارتر وسيمون. دي بوفوار وسوزان سونتاج وألبرتو مورافيا وكارلوس فوينتيس على هذه الإهانة. رد فيدل كاسترو شخصيًا، متهمًا إيانا بخدمة الإمبريالية وقال إننا لن تطأ أقدامنا كوبا مرة أخرى "لفترة غير محددة" (بمعنى آخر، الى الأبد)".

وعلى الرغم من الحملة التي تعرض لها بسبب هذا البيان، فقد أراحته من عبء ثقيل: "ومع ذلك، فقد استغرق الأمر مني بضع سنوات للانفصال عن الاشتراكية وإعادة تقييم الديمقراطية. لقد كانت فترة عدم يقين ومراجعة أدركت فيها تدريجياً أن "الحريات الشكلية" لما يسمى بالديمقراطية البرجوازية لم تكن مجرد مظهر يخفي وراءه استغلال الأغنياء للفقراء، بل الحد الفاصل بين حقوق الإنسان. وحرية التعبير والتنوع السياسي، ونظام سلطوي وقمعي.. وعلى الرغم من كل عيوبها، والتي كانت كثيرة، فقد استبدلت الديمقراطية على الأقل التعسف بالقانون وسمحت بانتخابات حرة ووجود أحزاب ونقابات عمالية مستقلة عن الحكومة."

قبل كل شيء، كان اختيار الليبرالية يمثل عملية فكرية لعدة سنوات، أسهمت فيه حقيقة الإقامة في إنجلترا، منذ نهاية الستينيات، كمدرس في جامعة لندن، حيث عاش عن قرب مع حكومة مارغريت تاتشر أحد عشر عاماً: "التي كانت تشبه إلى حد كبير رونالد ريغان. عندما وصلت إلى السلطة في عام 1979، شرعت بإصلاحات رافقها دفاع عن الثقافة الديمقراطية، والتأكيد على التفوق الأخلاقي والمادي للديمقراطية الليبرالية على الاشتراكية الاستبدادية والفاسدة " تزامنت هذه السياسة مع السياسة التي كان الرئيس ريغان ينتهجها في الولايات المتحدة " ففي الوقت الذي كان فيه ريغان مُبشِّراً استثنائياً للنظريات الليبرالية، التي ربما كان يعرفها بطريقة عامة إلى حد ما، كانت السيدة تاتشر أكثر دقة. لم تكن لديها أي مخاوف بشأن قولها إنها استشارت فريدريش فون هايك وقرأت كارل بوبر، الذي اعتبره أعظم فيلسوف معاصر للحرية. لقد قرأتهما في تلك السنوات، ومنذ ذلك الحين أصبح "الطريق إلى العبودية".

و"المجتمع المفتوح " كتبي بجانب سريري.. كل ذلك ساعداني على أن أصبح ليبراليًا.. لكن لم يكن فيهما شيء من القائد الكاريزمي، شخص، مثل هتلر أو موسوليني أو بيرون أو فيدل كاسترو، يدعو في خطاباته قبل كل شيء "روح القبيلة".."هذا ما يسميه كارل بوبر لاعقلانية الإنسان البدائي التي تعشعش في أعماق كل الشعوب المتحضرة، أولئك الذين لم يتغلبوا أبداً على الحنين إلى هذا العالم التقليدي- القبيلة- عندما كان الإنسان لا يزال جزءاً لا يتجزأ من الجماعة، خاضع للساحر أو لزعيم القبيلة القوي، الذي كان يتخذ جميع القرارات نيابة عنه، وخاضع، على قدم المساواة مثل الحيوان في القطيع، للعشيرة، أو لعصابة أو قبيلة المؤيدين، يؤثر فيه أولئك الذين يتحدثون نفس اللغة، ويعبدون الآلهة نفسها، ويمارسون ذات العادات، بينما يكرهون الآخر، المختلف، الذي يمكن إلقاء اللوم عليه في جميع النكبات التي أصابت القبيلة.. كانت "الروح القبلية" وهي مصدر القومية، إلى جانب التعصب الديني، سبباً لأعظم المذابح في تاريخ البشرية.. لكن في بعض البلدان، وليس فقط في العالم الثالث، عاد "نداء القبلية" للظهور هذه التي حررتنا منه الثقافة الديمقراطية والليبرالية.. "هذا هو أساس القومية التي كرهتها منذ الصغر، على اعتقاد مني أنها كانت تتضمن انكارا للثقافة والديمقراطية والعقلانية. لهذا كنت منتمياً إلى اليسار وشيوعياً في شبابي. ولكن الآن لا شيء يمثل العودة إلى "القبيلة" والشيوعية، من خلال إنكار الفرد ككائن ذي سيادة ومسؤول، والذي كان جزءاً من كتلة خاضعة لأوامر القائد، بوصفه رجلاً دينياً عظيماً له الكلمة المقدسة، التي لا يمكن دحضها كبديهية، والتي كانت تعيد إحياء أسوأ أشكال الديماغوجية والشوفينية."

في تلك السنوات، قرأ وأعاد قراءة مكثفة للمفكرين الذين خصص لهم صفحات هذا الكتاب. وذهب أيضاً إلى إدنبرة لزيارة قبر آدم سميث، وإلى كيركالدي لرؤية المنزل الذي كتب فيه ثروة الأمم، حيث اكتشفت أن كل ما تبقى منه كان جداراً متهالكاً ولوحة.."نحن الليبراليون لسنا أناركيين[فوضويون] ولا نريد إلغاء الدولة. ولا نريد مجتمعاً تحكمه حكومة استبدادية "تساوي" اقتصاديًاً جميع المواطنين عن طريق نظام قمعي من خلال القضاء على القدرات الفردية المختلفة: الخيال، والإبداع، والتركيز، والحماسة، والطموح، وروح العمل، والقيادة. وهذا يعادل اختفاء الفرد وانغماسه في القبيلة.

*يقع الكتاب" نداء القبيلة   L'appel de la tribu de Mario Vargas Llosa" في 276 صفحة بمقدمة تحليلية 16 صفحة.

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني