كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

علينا ألّا نترك الشّعراء في الحدائق

أوس أحمد أسعد- خاص فينكس:

بطريقة التّوالد الحكائي، والسّرد الرّشيق وأسلوب "السّهل الممتنع" يقدّم الكاتب البرتغالي "أفونسو كروش" آراءً مهمّة في الكتابة والقراءة الأدبيتين، مضمّناً تضاعيف نصّه السّرديّ الكثير من الشّذرات الجماليّة ساخرة المحتوى، التي تعبُرُ مجرى تنفّس الكلمات، كنسمات شفيفة، فإذ بالحروف تزدهي بالمعاني المبطّنة، وتورق متفتّحةً كشتولٍ يانعة، أمام ذائقة المتلقّي. هذا الأمر سيبدو متمنّعاً على القراءة السّطحيّة التي تعبر قشرة النصّ سريعاً، وسيسلس قياده للقراءة الجادّة التي تمتلك إمكانيّة الغوص في البنية التحتيّة للمتن. يقول: "قراءة الأشياء يمكن أن تكون من عدّة طوابق، إنّ هناك قراءات سطحيّة، وقراءات أخرى أكثر عمقاً، هي القراءات الرمزيّة. ويكفي أن نعرف أنّ كتاباً جيّداً له بالضرورة أكثر من قشرة واحدة وأنّه ولابدّ بناية من عدّة طوابق. لأنّ الطابق الأرضيّ لا يليق بالأدب. وهو مريح لمن لا يحبّ صعود الأدراج، أمّا في الأدب فلابدّ من وجود طوابق متراكمة، حروف من الأسفل وحروف من الأعلى".

أسلوب "السّهل الممتنع" ليس جديداً، فقد جرّبه الكثيرون وفشلوا، وقلّةٌ هم الذين استطاعوا تقديم وجبة أدبيّة وفكريّة حقيقيّة من خلاله. كونه يحمل في طيّاته الكثير من البريق المخادع الموحي باستسهال الكتابة. بينما هو في الجوهر هضمٌ ثقافي فنّي هادئ وكثيف لآليّات الكتابة والقراءة. إذ لابدّ لكاتبه من أن يكون متشبّعاً بموضوعه ومتمكّناً من أدواته وتجربته الفنيّة، لينجح في تضمينه وتحميله الرسالة المفترضة إلى القارئ بطريقةٍ سلسة. هكذا يبدو لشدّة مألوفيّته، مثيراً للرّيبة، بتلك البساطة المقلقة، التي يظهر بها، والمغرية بالتّقليد. ولدينا في الساحة الأدبيّة السورية على المستوى السرديّ والشعريّ أمثلة نجحتْ في استخدامه بشكلٍ مدهش: "الماغوط، رياض الصّالح الحسين، حنّا مينه، عبد الله عبد، سعيد حورانيّة، خليل صويلح إلخ.." تلك البساطة المخاتلة التي تُظهر لنا عمق الهُوّة بين روايات عصر الكلاسيك ، كتابات "ستاندال، بِلزاك، تولستوي" وروايات عصر التّجريب والحداثة. إنّه نوع من الروايات شديدة الذّكاء، كما يصفها الأديب السّوري القاصّ"ناظم مهنا" قادر على جعل الجديّة الفلسفيّة بمنزلة أضحوكة ساخرة، بسرده الهازئ بالجديّة برمّتها، وبالعالم الوضعي وزيف قواعده وادعاءاته.

ما يميّز هذا النّمط من الكتابة الجديدة، أنّه يكسر القواعد والأساليب المتعارف عليها، من خلال استنطاق الشّخصيّات المتخيّلة، للمتن السّردي ذاته ومحاكمته، أو محاورتها لأبطال روايات أخرى كتبت في زمن ومكان مختلفين، مع أنّها مجرّد كائنات لغويّة تنتمي إلى الفضاء الافتراضي وحسب. وقد نراها أحياناً تفرّ من بهوها الورقي، لتتجوّل في أزقّة الواقع ككائنات من لحم ودم، ثمّ لتعيد بنينة ذاتها وتوضّعها من جديد، ضمن النّصّ بطرق فوق واقعيّة. أو أنّها تُفسح المجال لولوج القارئ على أجنحة المخيّلة إلى ردهات النصّ بكامل فخامة المجاز مبحراً في فُلْك الدلالة نحو أقاصي المجهول. حيث تغدو متعة الكتابة أشبه بالسير في متاهة بورخيسيّة لافتة، لا يكاد يُعرف خلالها السّارد من المسرود. ولا المتخيّل من الواقعي، ضمن لعبة أدبيّة مسرحها الحياة، الحلزونيّة المسار والتّطوّر، منظوراً إليها من ثقب صغير في شال الكون.

تبدأ الرواية ذات العنوان المختلف هيّا نشتري شاعراً" لـ "أفونسو كروش" الصّادرة في تونس- ترجمة عبد الجليل العربي، بهذه العرض البسيط: (ثلاثون غراماً من السبانخ، ثمّ الجملة الأولى : "أكلتُ ثلاثين غراماً من السبانخ هذا اليوم، سعر الكيلو باثنين من اليورهات وثلاثين سنتاً) ثمّ ليتبيّن من خلال الغوص في ثنايا السرد بأنّها رواية بغاية العمق والطرافة وخفّة الدّم، يصعب للقراءة الأوليّة أن تكتشف إن كانت موجّهة للصغار أم للكبار؟! فكرتُها المحوريّة تقوم على: "أنّ صبيّة عمرها ثلاث عشرة سنة، رغبت في أن يشتري لها والداها شاعراً من الحانوت، كما اعتاد الناس شراء قط، أو خروف، أو كلب، أو أرنب، وقد وجد الأب والأم أنّ الطلب معقول، فالشاعر لا يكلّف مالاً كثيراً، ولا يترك أوساخاً في المنزل مثل الرّسامين والنّحاتين، وهكذا تمّ شراء شاعر! الرواية ببنيتها الكليّة بسيطة اللغة والمحتوى والشكل. بخاتمة لا تخلو من التّفلسف، يقول فيها الكاتب: "الخيال ليس هروباً من القبح والرعب، ومن المظالم الاجتماعيّة، وإنّما هو بالضّبط تصميم لبناء بديل. الخيال والثقافة يبنيان كلّ ما نحن عليه". شخصيات الرواية قليلة، محورها الشاعر حتى وهو في قفص. وفي خاتمتها تأتي هذه العبارة السّاخرة التي تختزن الكثير من الجدّ والهزل: " علينا ألا نترك الشعراء في الحدائق ".

أمّا روايته الأخرى التي تنحو نفس المنحى الأسلوبي السّردي البسيط، فتحمل عنواناً لا يقلّ إدهاشاً عن سلفه، هو: "الكتبُ التي التهمتْ والدي" طُبعتْ في تونس أيضاً، وترجمها "سعيد بنعبد الواحد". يقول الراوي فيها، وهو طفل في الثانية عشرة من عمره: (ما معنى التورية؟ أنا لم أعرف والدي قطّ. عندما ولدتُ لم يعد من أهل هذه الدنيا، يبدو أنّ العبارة تعتبر تورية، لكنّها ليست كذلك. إنّها الحقيقة الموضوعيّة وفق ما سترون. دون أيّ تنميق بلاغي. ذات مساء مثل عدّة مساءات أخرى، راح والدي يقرأ كتاباً وضعه تحت مطبوع خاص بالضريبة على الدّخل. ولفرط انغماسه في القراءة وقوّة تركيزه، ولج إلى داخل الكتاب، تاه في القراءة. وعندما حلّ رئيس المصلحة بمكتبه، لم يكن موجوداً فيه. كانت هناك فوق الكتب مطبوعات خاصّة بالضريبة على الدخل ونسخة من جزيرة "مورو" مفتوحة عند الصّفحات الأخيرة وقد قام "جوليو" هذا هو اسم رئيس المصلحة. بالمناداة عليه : فيفالدو، فيفالدو، لكن والدي لم يردّ بأيّ جواب، ذلك أنّ الأدب قد لبسه فصار يعيش تلك الرواية.. تقول جدّتي إنّ هذا يمكن أن يقع حين نركّز حقّاً على ما نقرأ). ويمضي السّارد الطفل منقّباً في الواقع عن شخصيّات الرواية المتخيّلة معتمداً الإشارات والرموز المبثوثة في حنايا السّرد كأسماء الأماكن والشخصيّات وغيرها. بتحفيزٍ من الجدّة ،وتطبيقاً لوصيّة والده الذي "مات على أثر أزمة احتقان موضعي" كما عُرِفَ فيما بعد. تقول الوصيّة: "اعطهِ المفتاح حين ترين أنّه أصبح قادراً على قراءة كتب عليّتي.. سلّمتني جدّتي المفاتيح بكلّ وقار لأجدَ في تلك العليّة لاحقاً كلّ كتب والدي، بما فيها كتاب جزيرة الدكتور "مورو" وهو الكتاب الذي استعمله ليلج إلى عالم الأدب".

ختاماً، أرى أنّ فنّ البساطة هو فنّ الحياة عموماً، سواء تجلّى في الكتابة أو التعامل الاجتماعي، وناصيته لا تُمتلك بسهولة، إلّا من قبل القلّة، لأنّه يحتاج إلى موهبة خاصّة وتثقيفٍ طويل وتشبّع بتجربة الحياة عموماً، قبل الخوض في غمار الكتابة وكيميائها، واكتشاف ذلك لن يكون إلّا من قبل قارئ نمتْ ذائقته الفنيّة والثّقافيّة وتطورت بشكلٍ سليم يخوّله فرز الغثّ من الثّمين.

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني