كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حديقة الأدباء وهشاشة "قشدة المجتمع"

 علي الرّاعي - خاص فينكس:

خمسون عاماً - أكثر أو أقلّ -  و"النحبة" هي هي، الروائيون هم أنفسهم، الشعراء هم ذاتهم.. التشكيليون هم بعينهم، وكذلك نجوم الدراما، والسينما والمسرح، وحتى القصة، وغير ذلك من وجوه قدمت نفسها، أو ثمة من قدمها على أنها "النخبة"، وكان على الجميع أن يقتنع بهذه النخبة على مدى العقود حيث قُدمت لها المنابر والتي هي من الندرة بمكانٍ أيضاً، وكان على المتلقي الأب، وربما الجد، ومن ثم الابن وصولاً إلى الأحفاد.. أجيال وهي لا تعرف في المشهد الإبداعي غير هؤلاء الذين تكرسوا بفعل أكثر من سببٍ ودافع؛ منها: أنهم جاؤوا على ساحة يبدو أنها كانت خاوية، ثم تلقفتهم إيديولوجيات بعينها حزبية ودينية وقومية، وبعد ذلك جرى نفخهم حتى مرحلة الانفجار، وهو ما كشفه إفلاسهم في العقود الأخيرة عندما بقوا يراوحون عند "بيضة الديك" والنجومية البائدة.

إلى أن كان عصر الفيسبوك؛ الذي كشف كل تلك الهشاشة، أو على الأقل أنها لم تكن الوحيدة التي كانت على الساحة، وأمثالها كثيرون جداً تمّ غمرهم وإهمالهم في الظل، وقد احتكرت المنابر؛ لكن مع "ديمقراطية النشر الإلكتروني" انكشف الجميع، وما تمّ التعتيم عليه خلال النصف قرن أو أكثر؛ انكشف خلال عقد من سنوات الفيسبوك والميديا الجديدة، وهو عمر الحرب على سوريّا..!!

 لقد عرّت مواقع التواصل الاجتماعي "الأصنام" الثقافية والسياسية بشكلٍ كامل وكسرت "قداسة النخب" أو ما يطلق عليه الفرنسيون مثلا "لاكريم دو لاسوسيتي" أي  "قشدة المجتمع".. تلك الأصنام التي صنعها الإعلام التقليدي الذي كان ومايزال متحكماً.. وغالباً كأدوات تُدين بالولاء للسلطة السياسية أو لبعض الأحزاب المعارضة من خلال جرائدها ومنابرها، ومن ثمّ لم يكن النقاش حول الأعمال والمؤلفات يمر بشفافية بحيث أن طرق مناقشة تلك الأعمال كانت تأتي عبر الجرائد على شاكلة مقالات للمدح وإعطاء صورة جميلة وقوية وعاصفية عنها، أو من خلال محاضرات "يتقيأ" فيها أحدهم على الجمهور دون أن يفسح المجال للنقاش وبأعذارٍ واهية وأهمها ضيق الوقت..

فتحت مواقع التواصل الاجتماعي باب الحرية على أوسع نطاقه؛ لدرجة أن السرعة والحق في المعلومة والنقاش والتعليق أعطيا مصداقية للمؤلفات ولقراءات مختلفة ومن عدة زوايا.. وبما أن هامش حرية التعبير في العالم العربي كانت ومازالت ضيقة، ذهب بعض رواد مواقع التواصل في إحداث أسماء مستعارة حتى يتمكنوا من ممارسة حريتهم ونقدهم اللاذع وأحياناً الجارح والمتطرف بكل حرية.. هل يعني أن لا نخبة في العالم العربي؟.. على العكس الأدب العربي؛ يزخر بالأدباء الاستثنائيين ومن يصلح إطلاق عليهم "النخبة الثقافية" هم من قدّموا إنتاجاً إبداعياً مُلفتاً، وهم كثيرون.. لكن محنة جيل مواقع التواصل الاجتماعي مثلاً يعرفون الجزائرية أحلام مستغانمي رغم تواضعها أدبياً أكثر من واسيني الأعرج الجزائري الآخر على سبيل المثال، لان إنتاجها – على ما يرى الكثير من النقاد - يتسم بغياب المخيلة والتواضع في جمالية أبجديات النص كما هو محدد في مدارس النقد الحديثة.. لكن هناك افتتان بنتاجها الروائي بالنسبة للجيل العربي الشاب على مواقع التواصل الاجتماعي، فثلاثيتها الأشهر (ذاكرة الجسد، فوضى الحواس، عابر سرير) هي أكثر الروايات معرفة بالنسبة للشباب؛ هنا ثمة تتبع لسياسة التنميق والبهرجة في الكلمات والألفاظ وبعض من السجع والصور والتناص.

مستغانمي محترفة في اللغة؛ إلا أنها تفتقر للحبكة والمخيلة والقصة، وقارئ الثلاثية لن يجد مساراً قصصياً واضحاً وتصاعد للحبكة العامة.. كما لن يجد حبكات فرعية مكمّلة، بل سيقرئ مجموعة من الكلمات المصفوفة بعناية منمّقة ومشدودة دون داعي أو مسوغ أو سبب. كما سيلاحظ أن الروايات الثلاثة متطابقة فكرياً وقصصياً (على تواضعها القصصي)، ولا تحوي أي طروحات إنسانية أو حياتية أو اجتماعية باستثناء حب ضائع وعلاقات غرامية على طريقة الدراما التركية. الشهرة الكبيرة التي تتمتع بها مستغانمي دعائية في المقام الأول، ولا ترتبط بقدرات روائية أو أدبية، بل ترتبط بطبيعة النِتاج المقدّم ومع ذلك يصنفونها داخل خانة "النخبة الثقافية".

هل نعوّل على مواقع التواصل الاجتماعي لتصويب ما التبس؟ ربما أضحت مواقع التواصل الآن مشتلاً وحديقة لأدباء حقيقيين يمتلكون الحس الأدبي، ولهذا نجد أن دور النشر والصحافة بدأت تلتفت إليهم، وإلى كتاباتهم، وتشجعهم.. بل تتواصل معهم وتعرض عليهم "احتضانهم" رغم الشروط المجحفة والقوانين الغامضة والفضفاضة، فهؤلاء الكتّاب الجدد يقتنصون الفرصة أملاً في إيجاد شروط أفضل، وهناك أسماء كثيرة جداً تستحق الالتفاتة إليها. كما وجب تغيير قوانين النشر في وسائل الإعلام مع خلق آليات جديدة  لنظام الجوائز تكون مرنة وتحت إشراف مختصين أكاديميين بعيداً عن الولاءات.

 

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني