سهرة مع أبو رضوان "علي النوري" ضمير مسرح القباني
تمّام علي بركات - خاص فينكس:
يروح قلبه ويجيء في صدره كمكوك حائك طائش، على وقع أصوات الناس وهم يهبطون عتبات أدراج مسرح "القباني" ليشاهدوا ما يدور من أشغال الحياة على خشبته.
يقف قبل بدء العرض المسرحي أمام المدخل الخارجي متأنقاً بابتسامته الطيبة ونظراته الرشيقة، ينتظر بلهفة بليغة الأثر، القامات والوجوه والملامح التي تبدل أصحابها مئات المرات خلال الأعوام الطويلة التي قضاها في وظيفته كحارس لمسرح القباني.
كيف لا، وهؤلاء الناس أحبابه جميعاً، إنهم ضيوفه الأعزاء الذين ينشر لهم ألواح صدره مهللاً لروائحهم الأليفة، فرحاً كطفل صغير في مرأى خيالاتهم المتهادية على الجدران المشغولة بمشاهد من عروض مسرحية، توقف الزمن في جنباتها، بعد أن ألقت عليها عدسة الكاميرا سلامها الخالد، لتؤرخ على تلك الجدران العتيقة، حيوات أشخاص صنعوا بصنارات من أمل وألم إرثاً ثقيل الوجد من تاريخ المسرح السوري.
صور فوتوغرافية تكاد تنطق للعديد من قامات المسرح السوري، فواز الساجر، سعد الله ونوس، أسعد فضة، مها الصالح يوسف حنا، نجاح العبد لله، وغيرهم.
تلك الصور المعلقة على الجدران الداخلية للمسرح، كانت في يوم مضى، تتنفس في المكان، تضحك، تغضب، تتألم، تبكي، تكذب، تقتل، تُقتل، تبدع، وعلي النوري "أبو رضوان" الشاهد الصامت على هذا كله، كان شريكا أصيلا فيه، حتى ولو لم يظهر على الخشبة.
أسماء كثيرة ترك مرورها الفني والإنساني على خشبة مسرح القباني، في خاطر حارس مسرح القباني، أثراً غاليا على قلبه، خصوصاً وأنه يعتبر وبكل صدق وأمانة أن مكان عمله في ضميره، هو ابنه وبيته وحياته الشخصية الحقيقية، هكذا فعلاً يتعامل هذا الرجل البسيط والودود، مع هذا المكان، مع هذا الفضاء الذي أصبحت مفرداته وطقوسه جزءاً من حديثه اليومي أينما ذهب.
العنوان الوحيد والدائم والمستمر لأبي رضوان، هو ذلك المكان الذي يحيا فيه ولا يغادره إلا للضرورة القصوى، رغم أنه رب أسرة ولديه أربعة أبناء، إنه يحيا فيه، يسكنه ويسكن في داخله، يفترش خشبته للنوم. وفي إحدى زوايا ذاك المكان، أنزل "أبو رضوان" مرساة حياته اليومية، أشياء شخصية قليلة للاستخدام اليومي، ثلاجة صغيرة، موقد، بضع كراسي، والكثير الكثير من الألفة.
في تلك الزاوية التقيته، منذ أكثر من 20 عاما، نشأت بيننا صداقة ودودة، بحكم مواظبتي على حضور العروض المسرحية التي تقدم على خشبة القباني، أجلس معه قبل بدء العرض، يقدم لي كأس شاي، ومع دوران البخار المتصاعد من "شايه" الدافئ، كانت تدور بيننا أحاديث مختلفة، لم تغلبها الشكوى يوما، لا هموم الحياة، ولا مشاكل الأبناء، ولا أخبار التقدم في العمر، حتى النميمة الصحفية غابت عن تلك الأحاديث، لقد كان يتكلم بحماس بالغ عن العرض المسرحي القائم، لقد حضر البروفات، كان لوحده الجمهور الغائب كله، ساهم في تركيب الديكور والإضاءة، تناقش هو والمخرج عدة مرات حول أمر يتعلق بشأن من شؤون العرض، وما أن يبدأ الجمهور بالتوافد، حتى يبدأ قلق قديم يفترس ملامح وجهه، ثم لن يلبث حتى يتلاشى رويدا رويدا، إن امتلأت الصالة بالناس، أو سيبالغ ذلك القلق الأصفر، في التهام ما تبقى من ملامحه وهو يردد: "المسرح بلا ناس ما بينداس"
أبو رضوان من مواليد مسرح القباني، كما يُعرّف عن نفسه، يعمل فيه منذ صباه، عندما، كان يجيء مع والده بشكل مستمر إلى المسرح، حيث كان يعمل أبوه منذ عام 1957، يذكر "علي" المكان قبل أن يصبح مسرحاً، كان قبواً، قامت وزارة الثقافة بتحويله إلى مسرح، وسمي على أسم رائد المسرح العربي "أبو خليل القباني" وكان أول عمل مسرحي شاهده الصبي على تلك الخشبة الطازجة هو "الأشباح" ثم توالت الأيام والعروض، كبر الصبي وصار شابا، لم يعد المكان بالنسبة له، ملعبه الأجمل من بين ملاعب الطفولة، بل صار أيضا خشبة مسرح حياته الخاص، فكل الأحداث المهمة التي وقعت في حياته، مرتبطة في المكان، من تلك العامة حتى تلك الأكثر خصوصية، هنا قام بتأدية أهم الشخصيات التي يكونها الرجل خلال مراحل عمره، عاشقا، زوجا وأبا، ولقد برع في ذلك ونجح في قطف ثماره؛ تصفيقا طويلا وحارا من كل الجمهور الذي شاهده.
تعرف هناك على الكثير من الفنانين السوريين الكبار، خلال فترة عمله هناك، المستمرة منذ ما يقرب ال 30 عاما، ثم جاءت لحظة غيرت حياة الشاب، بعد أن تعرف على المسرحي الراحل "فواز الساجر" عام 1979، الذي كان يشتغل على عرضه "رحلة حنظلة" مع الفنان الكبير الراحل "يوسف حنا" أحب الشاب المفعم بالرضا ما شاهده يجري على الخشبة، ودأب على حضور البروفات الطويلة التي كان الساجر يجريها، ثم وجد نفسه وبشكل تلقائي، يردد الحوار مع الممثلين، حفظ الحوار كله، وتقمص شخصيات الممثلين، أجرى بروفات لنفسه، قام بعملية الإخراج كما يجب، ولفت انتباه المخرج المشغول بـ "حنظلة" عندما قدم له "بروفا جنرال" لوحده، فصفق الساجر طويلا، لقد كان فواز الساجر، في لحظة تاريخية لا تتكرر، هو جمهور علي النوري"
لم يتحقق حلم علي النوري بأن يصبح فناناً مسرحياً، رغم العروض التي جاءته، ولديه فلسفته الرواقية في هذا الأمر، الرجل لم يتسنَ له أن يدرس التمثيل، فلم ينازع الأمر أهله.
منذ سنوات قريبة، ودّع الرجل صوته، مرضت حنجرته، وخذله حصان كلامه، إلا أن الألفة التي يشيعها وجوده في المكان، زاد ألقها، كؤوس شاي أبو رضوان، مفروشة على الطاولة الصغيرة قرب غرفة "البوفيه" حيث يتحلق حولها العديد من الأصدقاء، وستعلو ضحكاتهم في المكان، وهذا يرضي علي النوري كثيرا، فحارس مسرح القباني، يرتدي هذه الأيام، قناع الضحك.