كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

كيف نقرأ "لاكان" : الفلسفة حين تقرأ التحليل النفسي

يحيى زيدو- خاص فينكس:

يجادل الفيلسوف وعالم الاجتماع السلوفيني "سلافوي جيجك" في كتابه (كيف تقرأ لاكان*)، أن الإنسان الحديث عرف ثلاث إهانات متعاقبة هي ما تسمى (الأمراض النرجسية الثلاثة)، أولها، برهنة "كوبرنيكوس" أن الأرض تدور حول الشمس، وبذلك حُرِمت البشرية من مكانتها في مركز الكون. و ثانيها، برهنة "داروين" أن الإنسان انبجس من تطورٍ أعمى، وبذلك نُزعت مكانته الرفيعة بين الكائنات الحية. و ثالثها، اكتشاف "فرويد" لدور اللاوعي المهيمن في السيرورات النفسية، فأدركنا أن (الأنا) ليس قادراً حتى على ترتيب بيته الداخلي. لكن هناك انبثاق لإهانة أكبر تتمثل في أن دماغنا نفسه ليس سوى مجرد حاسوب يقوم بتسجيل البيانات و معالجتها، و ما الشعور بالحرية و الإستقلالية سوى وهم من أوهام هذا الجهاز.

يرفض "جيجك" تأبين مدرسة التحليل النفسي بعد مئة عام على تأسيسها، على الرغم من تقدم العلوم، فهو يعتقد بأن "التحليل النفسي قد بدأ للتو"، معتمداً في ذلك على قراءة "جاك لاكان"، الطبيب النفسي و مؤسس مدرسة التحليل النفسي الفرنسية، الذي قرأ "فرويد" قراءة لسانية و فلسفية. يرى لاكان أن" الوعي مُنبنٍ كاللغة"، والقول بأن اللاوعي يتعارض مع الوعي إنما هي فكرة من بقايا العصر الرومانيكي و لا تمت إلى فرويد بصلة.

لم ينظر "لاكان" إلى التحليل النفسي باعتباره أسلوباً لعلاج اضطرابات نفسية عيادية، بل نظر إليه باعتباره ممارسة تضع الأفراد في مواجهة أكثر الأبعاد جذرية للوجود الإنساني، ليس من أجل التكيّف مع الواقع بل لمعرفة كيف نشأ الواقع.

ولكي يقدم "لاكان" تصوره في العمق عن التحليل النفسي، فقد كان لا بد له من تجاوز مؤسس مدرسة التحليل النفسي، أي "فرويد" نفسه، بأدوات مفاهيمية جديدة لم يعرفها فرويد، مثل ثلاثية : "المتخيَّل و الرمزي و الواقعي"، و "الآخر الكبير" الذي يشدد عليه لاكان باعتباره أحد أهم المفاتيح الأساسية لقراءة التحليل النفسي، بالإضافة إلى اللغة، فالتحليل النفسي هو علاج بالكلام لحالات مرضية، لكن فرويد نفسه لم يكن يدرك أهمية فكرة الخطاب - الكلام المنضوية تحت نظريته و ممارسته.

بهذا المعنى يصبح "لاكان" قارئاً و ومؤولاً لفرويد، فقد رأى في التحليل النفسي منهجاً لقراءة النصوص بعيداً عن الانشغال بالمشكلات النفسية العيادية. ولأن "لاكان" يؤمن بأن (كل حقيقة متحيّزة بالضرورة)، فهو لم يقرأ فرويد محايداً، بل متحيّزاً له أشد التحيّز.

تستغرق الفصول الأولى من الكتاب شرح و توضيح المفاهيم المؤسسة التي ينبني عليها تحليل لاكان، من المتخيل والرمزي والواقعي، إلى الآخر الكبير واللغة.

فاللغة ربما كانت هدية ملغومة للإنسان تشبه هدية حصان طروادة بالنسبة للأثينيين، فهي تقدم لنا مجاناً، وتبدو حيادية في مضمونها حتى نقبل بها كهدية، لكن ما أن نقبلها حتى تستحوذ علينا، فنصبح أسرى لها و للرمزية المتضمنة فيها، مع ملاحظة أن اللغة ليست مجرد كلمات و رموز بل إن كل فعل تواصلي هو لغة بحد ذاته.

فالعلاقة مع اللغة تسلب حرية الاختيار، فنحن- في الشكل- نختار، الدفاع عن اسمنا و والدينا و وطننا و ديننا، لكننا في الحقيقة لم نختر أي منها ،بل هي قضايا فُرضت علينا منذ الولادة، فأين الحرية في الدفاع عن أشياء مفروضة؟!

وهكذا اللغة، فهي في الوقت الذي تبدو فيه كهدية أو خيار فإنها توجهنا برمزيتها إلى نوع محدد من التواصل؟ تواصل مع مَن؟ هل التواصل بين ذوات متشابهة؟ أو حرة؟ أو أنه تواصل مع ذوات تعيش ضمن منظومة لها قوانينها الخاصة؟

في الحقيقة، إننا لا نتواصل بإرادتنا بل بما نرغب، أليس ثمة ما يدفعنا إلى اتهام أحدهم بأنه أصولي ديني أو عرقي هو الحاجة إلى شخص يعتقد بذلك؟

فالرغبة تنشأ عندما نختبر الآخر بوصفه راغباً، و السؤال هنا لا يكون ماذا أرغب، بل ماذا يرغب الآخرون، وماذا أمثل لهم.

هنا نصل إلى إشكالية "الآخر الكبير" الذي نرغب كما يريد لا كما نريد. فـ"الآخر الكبير" عند لاكان قد يكون الله، وقد يكون التاريخ، أو المعتقد، أو الإيديولوجيا. لكن ثمة نوع من الإنكار الفيتشي للمعتقد يقدمه لنا "نيلز بور" الذي رد على قول آينشتاين:"إن الله لا يلعب النرد"، بالقول :" لا تُملِ على الله ما يجب أن يفعله". فالإنكار الفيتشي لمعتقدٍ ما يعني في النهاية تكريس الوجه الآخر له. فقد نجد مثقفاً يضع حدوة حصان على مدخل بيته لجلب الحظ، أو آخر يمارس طقوساً دينية كجزء مما يعتبره "أسلوب حياة"، وبذلك تصبح الثقافة إسماً لجميع ما نمارسه دون أن نعتقد بجدية تامة أنه موجود، ما يعني أننا نكرس الجانب الخفي من معتقداتنا بدلاً من تكريس الجانب الحقيقي الذي نؤمن به.

ولعل ترجمة ذلك نجده في المجتمعات الغربية اليوم التي تشدد على قيمة "حقوق الإنسان" المأخوذة من الوصايا العشر، لكنها في الحقيقة لا تفعل سوى انتهاك الوصايا العشر؛ حق "الخصوصية" صار يعني حق الزنا بسرية دون أن يراني أو يتدخل بي أحد، و حق "السعادة و الملكية الخاصة" صارت تعني حق السرقة و استغلال الآخرين، و"حرية الصحافة" تعني حق الكذب، أما حرية المعتقد فلم تعد تعني سوى عبادة آلهة مزيفة.

من أجل تجاوز هذه الإزدواجية، يقترح لاكان "نظرة إنسانوية عملية" في مقابل نظرية "ألتوسير" في "إنسانوية نظرية مناهضة". وهذا يعني أن ننظر إلى الآخرين و نتصرف معهم على أنهم أحرار وعلى قدرٍ تام من الكرامة مبدعين لعوالمهم الخاصة، لكن الواقع يُظهر أننا لا نتعامل مع الآخرين كذوات مستقلة، بل كعناصر في بنية لها نوعيتها الخاصة. و في ذلك إقرار يتجاوز إنسان "نيتشه" الكلي الإنسانية، إلى الإقرار بأن جوهر النظرة الإنسانية إنما هي الوحشية و القمع.

ولعل أمتع فصول الكتاب- باعتقادي- هو الفصل الذي يحمل عنوان "مات الله لكنه لا يعلم ذلك، لاكان يلعب مع بوبوك"،بالإضافة إلى الفصلين الأخيرين الذين يليانه.

يرى لاكان :(إن الصيغة الحقة للإلحاد ليس أن "الله قد مات" بل إن "الله لا وعي" - ففرويد ،حتى بتأسيسه أصل وظيفة الأب على مقتله، إنما يحمي الأب).

فالملحد حين يعلن موت الله لا يعلم أنه يواصل الإيمان في اللاوعي، فنحن اليوم لسنا أمام الشخصية التقليدية للمؤمن في عصر الحداثة، بل نحن أمام شخصية تقدم نفسها على أنها متسامحة، تكرس نفسها للبحث و السعادة، في أن لاوعيها مليء بالمحظورات و الرغبات و اللذات.

لهذا يبدو القول : (إن لم يكن الله موجوداً فإن لا شيء مباح البتة)، يعني أنك كلما نظرت لنفسك كملحدٍ أكثر ازدادت لديك سيطرة المحظورات، وفسدت عليك إمكانية الاستمتاع. أما المتديِّن فإنه يرى الله موجوداً، و هو أداة بيد الله، وبالتالي فهو يفعل كل شيء باستمتاع معتبراً ذلك جزءاً من مشيئة إلهية، ولذلك فإن القول الصحيح يجب أن يكون:( إن كان الله موجوداً فإن كل شيء مباح)، بهذه الذهنية يقرأ "لاكان" خطاب الأصولي المغربي "محمد البويري" الذي قتل المخرج الهولندي "ثيو فان كوخ" بسبب تهجمه على الإسلام.

يتابع "لاكان" تحليله من فيتشية المعتقد إلى فيتشية السلع، فالسلعة ليست محايدة بل هي كيان أسطوري غامض ممتلئ بالتفصيلات و الحذلقات اللاهوتية التي على التحليل النقدي اكتشافها.

ولعل السلع التي يخلقها العالم الافتراضي تصبح أكثر غموضاً باعتبارها تصنيعاً لنوع من "الغنوصية" المقنَّعة التي تنزع الروابط مع العالم الواقعي، و تعيدنا إلى "مونادات" ليبنتز ، وكل "موناد" مستقل بذاته عن غيره كليا أو جزئياً.

فحالة الجنس الافتراضي في العالم الافتراضي، على سبيل المثال، تلقى قبولاً و انتشاراً واسعاً لأنها تحفظ الخصوصية، وتمنع تدخل الآخرين، كما تسمح بالتعبير عن المكبوت الجنسي بدون قيود، و هذا يتشابه مع حالة الاتصال الجنسي مع الجثث، فيكون شركاء الجنس الافتراضي أشبه بأحياء-أموات، لا يعترض الشريك على ما يمكن أن يمارس عليه من وحشية من الشريك المقابل.

-كتاب (كيف نقرأ لاكان) ممتع، ليس فقط لأنه بمثابة "سيمينار"،يشحذ الذاكرة ويسمح بإحالات إلى عدد كبير من الفلاسفة القدماء و المعاصرين، بالإضافة إلى مَناطِقَةٍ و علماء لغة، بل و أيضاً لأنه يحيلنا إلى كتابات أدبية و أفلام سينمائية علينا أن نشاهدها مرة أخرى، لأن قراءة لاكان لها تكشف أبعاداً جديدة لتلك الأفلام التي صارت من كلاسيكيات الفن السابع، لكننا غفلنا عن كثير من دلالاتها قبل لاكان.

وعلى الرغم من الجهد الكبير الذي قدمه "جيجك" في قراءته للتحليل النفسي عند لاكان، فإن تجنب "جيجك" الإشارة إلى "كارل يونغ" مؤسس علم النفس التحليلي، و زميل فرويد؛ إضافة إلى عدم إشارته لواحد من ممثلي مدرسة فرانكفورت النقدية ، أقصد "هربرت ماركوزه" الذي زاوج بين الفلسفة الماركسية و التحليل النفسي، يطرح السؤال عما إذا كان "جيجك" يدافع عن "لاكان" في وجه أولئك الذبن استبعدوه من "الجمعية الدولية للتحليل النفسي"، أم أنه يشرح و يحلل أفكار "لاكان" الفلسفية كما يفهمها.

*الكتاب: كيف تقرأ لاكان، للفيلسوف سلافوي جيجك ،ترجمة جلال بدلة، صادر عن دار فواصل، اللاذقية ،2021.

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني