كاستنغ- تجربة أداء نموذج حيّ للدراما المسرحية النفسية
جوان جان- فينكس:
مجموعة من المَشاهد السينمائية المعروضة على شاشة بيضاء تمتد من أقصى يمين صدر المسرح إلى أقصى يساره، وهي تنتمي إلى مراحل وأزمنة متعددة من تاريخ السينما العالمية، تستقبل مشاهدي العرض المسرحي "كاستنغ- تجربة أداء" الذي يقدمه المسرح القومي بدمشق ضمن موسمه للعام 2021 نص وإخراج سامر محمد اسماعيل وتمتد هذه المَشاهد لما يقارب الربع ساعة، واضعة المُشاهد في جوّ العمل ومحفّزة إياه على الدخول التمهيدي في عملية التواصل مع العرض وتوجيهه باتجاه ما يمكن أن يكون متعلقاً بمضمون العرض ولو بشكل غير مباشر، خاصة مع وجود أولى شخصيات العرض المتواجدة على خشبة المسرح والذي سنعرف فيما بعد أنها شخصية المخرج السينمائي الذي يقوم بإجراء اختبارات لفتيات موهوبات وراغبات بالعمل السينمائي بغية انتقاء وجه مناسب كي يسند إليه بطولة فيلمه السينمائي القادم الذي لا يستطيع الشروع بتنفيذه إلا بعد اختيار الوجه المناسب لبطولة الفيلم النسائية.
تبدأ الأحداث الفعلية للعرض مع دخول فتاة إلى حيث يقوم المخرج بعملية الاختبار بالتزامن مع انتهاء الوقت المخصص لذلك وعزم المخرج على مغادرة المكان، حيث تستطيع الفتاة -بعد جهد- أن تقنع المخرج بإجراء الاختبار لها وهي القادمة من مكان بعيد، فيستجيب المخرج لها وتبدأ عملية الاختبار القائمة على وضع الفتاة في مجموعة من الفرضيات المتعلقة بشخصية بطلة سيناريو الفيلم الذي يريد المخرج بدء العمل به.. ومن خلال تتابع أداء هذه الفرضيات من قبل الفتاة والتي يكون المخرج جزءاً من بعضها يكشف العمل عن العديد من الحالات الإنسانية التي تمر بها شخصية الفيلم بالاستفادة من الوضع الاجتماعي وعلاقتها بخطيبها السابق الذي تركها وسافر، وكل ذلك بتوجيهات المخرج الذي يبذل كل ما يستطيع لمساعدة الفتاة على تقديم أفضل ما عندها دون أن يتوقف عن إبداء تبرّمه وعدم رضاه عما تقدمه.. وبطبيعة الحال فقد تمكّن العرض في المراحل الأولى من تجسيد هذه الفرضيات من شدّ الجمهور باتجاهه، تجاوباً مع الأداء العالي الذي قدمه الممثلان عامر العلي ودلع نادر، لكن مع توالي هذه الفرضيات أصيب العرض بالترهل على الرغم من كل الجهود المبذولة في علمية التنويع على طبيعة الأداء وتصعيد الحالات الدرامية التي تمر بها شخصية بطلة الفيلم السينمائي، ويستمر هذا الترهل إلى اللحظة التي يفقد فيها المخرج السينمائي السيطرة على زمام المبادرة في توجيه الفتاة وإخبارها أنها لا تصلح لأداء الشخصية، الأمر الذي يدفعها إلى إخراج زجاجة من حقيبتها تقول أنها تحتوي مادة حارقة سترمي وجه المخرج بها وهي الدارسة للكيمياء في الجامعة، وبالفعل تنفذ وعيدها وترمي المادة على وجه المخرج الذي يصاب بحالة هيستيرية مؤكداً لها أنه كان سيعطيها فرصة أداء الشخصية في الفيلم لكنه كان يختبر ردة فعلها، ليتبين لاحقاً أن المادة الحارقة ما هي إلا قطرات من الماء استطاعت الفتاة عبر إيهام المخرج بخطورتها أن تقنعه أنها أصابت وجهه بالتشوه بغية إقناعه بقدرتها على الأداء بشكل جيد.
كل ذلك يحدث قبل أن يصل العرض إلى نقطة الكشف-المفاجأة وهي أن كل ما شاهده المتلقي منذ لحظات العرض الأولى ما هو إلا جزء من هلوسات شخصية السينمائي المصاب بمرض نفسيّ يجعله يتخيل وجود أحداث وأشخاص لا وجود لهم إلا في مخيلته المريضة .
القسم الثاني من العرض، يتم الكشف فيه عن طبيعة مرض السينمائي وعلاقته بزوجته التي تقف إلى جانبه في محنته، وهي المؤمنة بموهبته والحريصة على عودته إلى سابق عهده من التألق، من خلال تشجيعها الدائم له على العودة إلى نشاطه السينمائي الإبداعي المعتاد ومتابعتها لمصير السيناريو الذي يتم رفضه باستمرار من قبل الجهات المعنية بإنتاج الأفلام السينمائية وهي الجهات التي تؤمن بدورها بموهبته، والرافضة بنفس الوقت لمخطوط السيناريو السينمائي الذي يسعى إلى تنفيذه منذ عشر سنوات لعدم قناعتها بجدواه، وإيمانها بموهبة السينمائية في الوقت نفسه.
شخصية الزوجة، التي أدتها مجد نعيم، كانت ذات بعدين أساسيين، أولها الزوجة المتفانية في خدمة زوجها والوقوف إلى جانبه في محنته والمؤمنة بموهبته، وثانيها تبرّمها من ضغوطات الحياة والتزاماتها داخل المنزل وخارجه وهي التي أصبحت –بعد مرض زوجها- المسؤولة عن كل شيء بما في ذلك الجانب المادي لمتطلبات المعيشة، ولكونها امرأة وحيدة وسط مجتمع مستغِلّ لهكذا وضع نجد أن مأساتها مضاعفة .
ينتمي العمل إلى ما يمكن أن نطلق عليه الدراما النفسية، وهي نوع صعب من أنواع الدراما، ويتطلب دقة شديدة في رسم الشخصيات وردود أفعالها والإبحار في أعماقها، وقد ظهر العرض بمظهر المتمكن من الإيفاء بالتزامات هذا النوع من الدراما قدر الإمكان.
وبالتوازي مع ذلك قدم ممثلو العرض الثلاثة شخصياتهم بكثير من الدقة والأناة، محاولين الغوص في أعماقها، فقدم عامر العلي شخصية تمرّ في العرض بمرحلتين أساسيتين، الأولى تتميز بقوتها واستقلاليتها وسيطرتها على الموقف، والثانية تتميز بضعفها وتبعيتها بسبب مرضها، وما يُحسَب لأسلوب تقديم هذه الشخصية بتناقضاتها هو عدم الكشف في القسم الأول -حتى ولو تلميحاً- عن حقيقة الشخصية وما ستكون عليه في القسم الثاني، وهو الفخّ الذي يقع فيه هذا النوع من الشخصيات عادةً عندما يلجأ الممثل بتوجيهات من المخرج إلى القيام بأفعال أو التلفّظ بعبارات تفضح الشخصية وتضرب بعنصر المفاجأة فيما بعد عرض الحائط.. وحذت دلع نادر حذو زميلها عندما تبنّت الشخصية وسبرت أغوارها وأظهرتها بلحظات ضعفها مثلما أظهرتها بلحظات قوتها دون أن تدع مجالاً للشكّ ولو للحظة واحدة أنها ليست سوى جزء من هلوسات السينمائي المريض.. أما مجد نعيم فلم يسمح الحيز الزمني المحدود نسبياً لشخصيتها سوى بإبراز جزء من إمكانياتها.
سينوغرافيا: أدهم سفر
مادة فيلمية: طارق عدوان
ديكور وتصميم أقنعة: محمد كامل
أزياء ومكياج: سهى العلي
تأليف موسيقي: رامي الضللي
مخرج مساعد وتصميم بروشور: بسام البدر
رسم حركي: أدهم مؤمنة
مساعد مخرج: خوشناف ظاظا