كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حديقتي السرية: "إذا التقى نشّال بقدّيس فإنّ الشيء الوحيد الذي سيراه هو جيوبَه"

 أوس أحمد أسعد- خاص فينكس:

المرأة كائن الخطيئة التاريخي ومسبّبها، وهي الكائن الغاوي، المشيطَن في العرف الدنيويّ كما المقدّس والميثولوجي. لذلك فكلّ ما يصدر عنها من إشارات وسلوكيّات وأفكار هو مثار شبهة. فكيف إذا ساهمتْ هي بتثبيت التّهمة على نفسها عبر اعترافات ذاتيّة تمتاز بخصوصيّة شديدة، وتجري على لسانها؟!. متفنّنةً بسردها بأريحيّة عالية تصلُ حدّ الفضائحيّة. أقصدُ التّخيّلات الجنسيّة تحديداً، ألا تكون التهمة قد تلبّستها تماماً، على مبدأ المثل القائل: "من فمك أُدينك؟!" ألا يبدو الأمر أشبه بوجبةٍ دسمة تقدّمها النّسويّة المدانة فطريّاً، لثقافة ذكوريّة تعتاشُ على الاتهام؟! الجواب الحقيقي سنراه في الكتاب المترجم حديثاً "حديقتي السريّة ـ تخيّلات النساء الجنسيّة" بجهدٍ مشترك من "إرم ديوب، والمترجم المعروف عبد الله فاضل" إصداردار التكوين في دمشق، وقد صدر كتاب آخر، يُعتبر استكمالاً له، بنفس العام 2021م بعنوان "أزهار محرّمة" للمترجم "محمد حنانا" عن نفس الدار، للكاتبة الأمريكيّة "نانسي فرايدي" المتخصّصة بالجنسانيّة البشريّة لدى النساء والذكور، والتي عرفها قرّاء العربيّة منذ أكثر من عقدين من الزمن، بكتابها "أمّي مرآتي ـ بحث الابنة عن هويّة" تقول "إرم": (هذا الكتاب ليس لمن لا يطيق إلّا إطلاق الأحكام والتّمسّك بالثوابت، وإنّما هو الخطوة الأولى التي تنفتح عن فضاء لا محدود، خطوة لا يجتازها من الأذهان والقلوب سوى من هو أهلٌ للأسئلة المفتوحة). أمّا المترجم "عبد الله فاضل" فيكتفي بتوضيح بعض الأمور المهنيّة التي واجهتهما أثناء الترجمة قائلاً: (لم نضع صيغة واحدة للتعاون، ونلتزم بها طيلة العمل، بل كنا نغيّر ونعدّل ونناقش ما يبرز في وجهنا من احتمالات، ساعين لأن نعكس النصّ بأفضل ما يمكن).حديقتي السرية 

وثمّة رأي آخر، للكاتبة "جوان تيريزا غاريتي" مؤلّفة كتاب "المرأة الشهوانيّة" يمكننا الاستئناس به أيضاً، تقول: (سيكون على القارئ، أن يواجه الإحساس بالصدمة والاهتمام الشّهواني والنفور وهو يقرأ "حديقتي السّريّة". فهو ليس كتاباً تقرأه وأنت جالس إلى طاولتك تشرب القهوة. كما لا يجب أن يبقى مرميّاً كيفما اتفق، بحيث يمكن أن يقع بين أيدي الأطفال. إنه كتاب قد يجعلك تعيد استخدام الورق البنّيّ السّادة لتغليفه وهو بين يديك، لا لأنّه دراسة جديّة وغنيّة بالمعلومات عن أحد جوانب الجنسانيّة الإنسانيّة التي جرى تجاهلها على نحوٍ كبير فحسب، بل ولأنّه شخصيٌّ إلى حدٍّ موجع، وصريح بلا مواربة، وإيروتيكيّ دون خجل أيضاً. لم يكن هناك شيء كهذا تماماً.سواء أحببتَ الكتاب أم لا، فإنّه علامة بارزة في التّثقيف الجنسي، لأنه يستكشف إحدى آخر المناطق المجهولة في جنسانيّة النساء.).

 ولن تكتمل تصوّراتك أيّها القارئ العزيزعن فحوى الكتاب إذا لم نستعرض ما قاله الطبيب النفسي "مارتن شيبارد" الذي تولّى مسؤولية الدفاع عن كاتبته، بمقالٍ علميّ موضوعي تحت عنوان "دفاعاً عن نانسي فرايدي" يقول: (عادة حين ندين خصال الآخرين، أو ننتقدها، أو نسخر منها، أو نقلّل من شأنها، فإنّنا نرفض قبول تلك الخصال فينا. فجملة "أعتقد أنّ وقاحته مرعبة" يمكن أن تترجم "أنا لا أتقبل اللّحظات التي أكون بها وقحاً" وكذلك جملة "أعتقد أن تخيّلاتها نتاج عقل مريض" تعني "أنا لن أسمح لأفكار كهذه بأن تدخل عقلي، لأنّني إن فعلت ذلك، فسأكون إمّا مريضة أو مقرفة". ومن جهة أخرى، فإنّ أعمق رضى يحدث هو في تلك اللّحظات التي نقبل فيها أنفسنا قبولاً تاماً. ففي تلك الأوقات، نحترم أفعالنا ومشاعرنا وأجسادنا وأفكارنا. وأيّ إخفاق في قبول أيّ من هذه الجوانب في أنفسنا يُعتبر مرادفاً لاغتراب الذات. إنّ إحدى أعلى حالات الوعي التي يمكن بلوغها هي حالة "المراقب" الذي لا يطلق الأحكام. ففي تلك الحالة، يكون متحرّراً من تشوّهات الحاجات وأحكام القيمة "إذا التقى نشّال بقدّيس فإنّ الشيء الوحيد الذي سيراه هو جيوبه". لقد حاول الفيلسوف المتصوّف الروسي "غورجييف " أن يعلّم الناس تطوير ذاك "الشاهد" داخل أنفسهم. وكذلك يحاول أساتذة فلسفة "الزن واليوغا" أن يعلّموا تلاميذهم قبولاً مشابهاً لذلك.

كتاب "حديقتي السريّة" هو تجميع وتنسيق لبيانات غير خاضعة للرقابة عن أفكار النساء الجنسيّة الأكثر سريّة. وهذا شيء لم يقم به أحدٌ في زماننا. وبكوني طبيباً نفسيّاً سبق له واستمع إلى تخيّلات من هذا القبيل، أعتبره عرضاً صادقاً. وهو كذلك كتاب مفيد، لأنّه يستطيع أن يساعد النساء الأخريات على الشهادة بتخيّلاتهنّ، وتقبّل تخيّلاتهنّ وأنفسهنّ. ومع ذلك، أنا متأكّد من أنّ أشخاصاً كثيرين في مجتمعنا سوف يهاجمون هذا العمل. وسيأتي الهجوم عليه من ثلاثة اتّجاهات، الأوّل وهو الاتّهام الأكثر بدائيّة، بأنّ النساء اللّواتي أجرت السيدة فرايددي معهنّ المقابلات هن نساء تعرّضن للتعذيب أو نساء غير طبيعيّات، على نحو ما، ولا يمثّلن المرأة المتوسّطة. والهجوم الثاني وهو هجوم أكثر تمرّساً، سيكون النهج الفكري/ التحليل ـ نفسي، الذي سيسعى إلى إظهار لماذا تخيّلات معيّنة ليست "صحيّة". وأخيراً هناك الهجوم الذي ستشنّه القوى المعادية لإيروس ـ أولئك الذين ينظرون إلى نقاش جنسي صريح كهذا على أنّه إمّا تصوير إباحي أو فساد خُلقي.

كتب "بول كراسنر" ذات يوم قصّة ساخرة تتحدّث عن حالة تصوير إباحيّ عُرضت أمام المحكمة العليا تقول: إذا حصل انتصاب لدى القضاة أثناء قراءة المادة، فهذا يعني أنها إباحية. وقد أثار ذلك سؤالاً حسّاساً جدّاً. هل يمكن أن يُطلب من المحكمة بعد ذلك أن تحكم فيما إذا كان الفازلين إباحيّاً؟. لقد عبّر "برناردو برتو لوتشي، في دفاعه عن فيلمه "التانغو الأخير" عن الأمر بصيغةٍ أخرى، قائلاً: (ليست الإباحيّة في يدي الطفل الصغير الذي يستكشف عالمه الجنسي عن طريق الاستمناء، بل في يديّ البالغ الذي يصفعه).

على امتداد كتاب "فرايدي" كانت الرسالة اللّطيفة هي التّالية: بعثت لأقبل هذه التخيّلات لما هي عليه أحلام يقظة شعريّة/ إيروتيكيّة تؤمّن المتعة لمن تقوم بالتخيّل. وإذا أخدنا تلك الرسالة، بوصفها قاعدة من قواعد الصّحّة العقلية، فإن لها معنى فائقاً. وبما أنّ أسرار الحياة والموت "تسامي الذات" والمتعة الشديدة مرتبطة هذا الارتباط الوثيق بأعضائنا الجنسية، فهذا، في رأيي، ما يجعل أعضاءنا مثار فضولنا الأبديّ.

إنّ كتاب "حديقتي السريّة" يسمح لجانب مهمّ من هذا الفضول الطبيعي بالخروج من الخزانة المقفلة. لكن "السرّ" الأكبر يبقى فيها.

ناهيك عن أنّ المحلّل النفسي بحكم مهنته، لا يمكن أن يهدأ له بال  سوى بالبحث عن المرض في كلّ مكان. لذلك سيغدو عنوان مقالتنا بين يديه هو التّالي: (إذا التقى محلّل نفسي بقدّيس، فلن يرى فيه سوى "عقدة أوديب").

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني