عن النساء المترفات!!
علي الراعي - خاص فينكس:
ذات حينٍ كريهٍ من أيام التتريك العثماني البغيضة، قدم الرحالةُ الغربيون إلى بلاد العرب، و من هناك؛ ثمة من فتح لهم أبوابَ قصور الحريم للسلاطين العثمانيين، حيث النساء العرايا والمترفات بالحرير، واللواتي كانت مهماتهن الوحيدة هي الترفيه عن "السلطان المُبّجل".. تلك هي الصورة التي احتفظت بها ذواكر هؤلاء الغربيين، فبالغوا في تلوين تلك الفضاءات الحالمة لهؤلاء الناعسات اللواتي تقطّر منهن الإثارة، صورة لم تكتفِ بحريم السلطان و.. حسب، بل صبغت نساء الشرق كلهن لاسيما فيما قدموه من لوحاتٍ فنية.!
هؤلاء النسوة المنتظرات لهو السلطان، لم يكتفِ الرحالة بتجسيدهن فيما أطلق عليه باللوحات الاستشراقية، بل ثمة كتب أصدرت تُسجّل تلك القصص من هذه الحالات الإيروسية، الأمر الذي يؤكد ارتكاساً عدوانياً لنساء الشرق، فقد أشارَ الكثيرُ من الأدب الغربي إلى (الحريم) كما لو أنه كان موجوداً في كل مكان من الشرق الأوسط على النحو الذي صورته عليه اللوحات الاستشراقية والمرويات عن (السراي) العثماني، وتمّ التعامل مع هذا التصوير للحريم كما لو أنه مُكافئ لتلك المسرحيات التي تصوّر الحياة اليومية في قصر باكنغهام في بريطانيا، واللوحات النصفية لسيدات العصر الفكتوري.
و.. كان السياحُ الأوربيون يعرفون حتى قبل أن يغادروا أوطانهم، أنّ (الحريمَ) عالمٌ فاسق، و أكثر ما يصدم المرء لدى قراءته لما كتبه، أو صوّره الرحالة في وصف النساء الشرقيات، هو ذلك المستوى الرفيع من النفاق فيما يخص وضع المرأة في الغرب، والسؤال الحقيقي كان هو: ما مدى الفوارق في حياة النساء في كلتا الضفتين من المتوسط؟! ربما هنا كان علينا قبل قراءة ما خطّه الكتّاب والمصورن، أن نلقي نظرة على وضع النساء في أوروبا، وما حمله الرحالة معهم من أفكارٍ تتعلق بطبعية المرأة.. فقد كان بيعُ الزوجات يجري في انكلترا القرن التاسع عشر، و.. في أسواق المواشي غالباً، حيث كانت تقتضي العادة الشعبية في كثيرٍ من الأحيان أن تُساق المرأة إلى هناك بالرسن؛ على حد ما يوصف كتاب صموئيل بيات مينيفي بين عامي 1800 و 1900.
بعد تلك الحالة من التصوير سواء في الكتابة، أم في اللوحة لنساء الشرق، كانت حالة من إطلاق العنان لخيالاتهم الجامحة؛ أما عن العذراوات عند النبع، مستذكرين (رفقة) التي يطلبها إبراهيم لابنه اسحق، أو مريم العذراء، أو أن يصرفوا النظر عن هؤلاء النساء بوصفهن جاهلاتٍ ومنحطات، وبذلك تتواصل ضروب التعتيم عن النساء الحبيسات..
أقول سيمرُّ وقتٌ طويلٌ ليتم نسخ تلك الصور الاستشراقية مرة أخرى، وهذه المرة ليس على يد الرحالة والمستشرقين الغربيين، و.. إنما على بأيدي رسامين من ذات الشرق نفسه، قبل أن يتصدى لتصوير جسد المرأة فنانون مبدعون، على اعتبار هذا الجسد حمّال أوجه للجمال والبحث الفكري، وللكثير من الحالات الإنسانية الأخرى المُحملة بالكثير من الحالات التعبيرية، بدأت بالتجسيد الصارخ لكل جماليات الجسد الأنثوي، خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي، ومن ثم لتقمع تلك الحالة بالفكر التكفيري، ولتُدخل جسد المرأة بحالةٍ من التواشيح والتماهي والتجريد، و... المواربة، بحيث تهبُّ النخوة التكفيرية، وتثستفز من تصوير جسد الربة عشتار على جذعٍ يابس لشجرةٍ في حديقةٍ دمشقية!!