نون وما يسطرون!
2021.09.29
تمّام علي بركات - خاص فينكس:
يصف (لويجي بيرانديلو)1 الكتابة بقوله: “الكتابة فعل سهل جداً، هي فقط أن تبقى تحدّق إلى الورقة حتى ينزف جبينك”، برانديلو صاحب (شخصيات تبحث عن مؤلف) هذا رأيه في فعل شاق كفعل الكتابة، وفي الترتيب للمهن الأكثر مشقة في العالم تأتي الكتابة في المقام الثالث بعد كل من ريادة الفضاء والعمل في المناجم، ذاك أنها مهنة شاقة جداً – في حال اعتبرناها مهنة - وتحتاج لبذل جهد ذهني شاق جداً.
الكلام هنا عن الكتابة الحقيقية، لا خربشة الدجاج التي يتحفنا بها كتّاب “هات ايدك والحقني”، فالكتابة عدا عن مشقتها هي أيضاً فعل خطير وله أثره الحاسم في التاريخ والتكوين وحتى العدم، ويكفي أن نرى أثر الكتب المقدسة في الناس منذ آلاف السنين، وحتى الآن لنعلم كم هو فعل خطير وجسور، عندما استغنت الحضارات عن العمران الباذخ الذي كانت تتركه كشاهد على عظمتها بكتاب وقصص وحكايات بأسلوب لا يردّ، مازالت هي من يحكم العالم حتى اللحظة.
إلّا أن رغبة الإنسان في التفوق في هذا الفعل تفوق إمكانياته بأضعاف مضاعفة، ذاك أن الجميع يرى أن الكتابة فعل سهل، وما هي إلّا صف كلام، حتى يكاد يخلو العالم من شخص لم يمتلك في مراهقته دفتر مذكرات يخط عليه أشعار وخواطر يحياها تحت تأثير هرموناته المضطربة، ولكن هل هذا دليل عافية مثلاً، أم أنه واحدة من مصائبنا الجسام؟
الاستسهال الحاصل اليوم في نشر العديد والجم والغث من ضروب الكتابة كالشعر والرواية والمقال وغيره، والتي لا تغني ولا تُسمّن لا في مضمونها، ولا في أسلوبها، أصبح جائحة اجتاحت صحفنا وكتبنا وأوراقنا، ولم يعد مفهوم القيمة الفكرية والمعنوية المضافة، يعني إلّا قلة من المشتغلين في هذا الحقل، ورغم القول بأن البضاعة الجيدة تبز البضاعة البائسة والسيئة وتطردها، إلّا أن هذا ليس واقع حال اليوم لشديد الأسف.
الغريب أن ثمة من يجد في كلام بلا معنى يكتبه ويهذر به، أنه يصلح لأن يكون في متناول الناس، ولا مشكلة لديه ألا أحد سيقرأ ما “شخبط”، وهذا لا يعنيه طالما أن طج اللايكات على قد المحبة، وما النتيجة؟ مقالات مهجورة من القراء، وأسماء لا تحيا حتى في النص الذي تنتجه. كتب مرمية على قارعة الطريق لا تستحق عناء حتى تجربة إزالة الغبار عنها، ومئات العاطلين عن العمل بحجة قدرهم الإبداعي الذي لا يرحم نجواهم.
أما الأغرب، فهو الاحتفاء العبثي المجاني وغير المسؤول الذي تقدمه العديد من برامجنا المحلية بأشخاص تم التغرير بهم على أنهم كتّاب وشعراء وصحفيون.
نستطيع أن نفهم أن ساعات البث التلفزيوني تحتاج إلى ظهور ناس عليها في البرامج الحوارية لملئها، لكن هذا لا يعني أن يُحتفى بشاعرية شاب مهندس كهربائي مثلاً، قادر على الإبداع الخلاق في مجال عمله، لكنه عوضاً عن هذا، و"بكم" علاقة من العلاقات إياها التي تعرفونها ونعرفها، صار نجماً، وغير الله لا يقنعه بعد اليوم، أنه ليس كذك! هذا وغيره كثر ممن تركوا مهنهم ولقمة عيشهم ليتصعلكوا بعد أن قدّرت تلك المُعدّة أو ذاك المخرج، موهبتهم الفذة التي نفختها كلمات التطنيب، من مبدأ “نفشوا وشوف ما أحلاه!!"
الكتابة تشبه إلى حد بعيد ممارسة لعبة رياضية، إن أراد الكاتب أن يبقى حياً فيما يقوله بين الناس، فعليه التمرين اليومي والمتواصل، وأي تقاعس ولو ليوم واحد عن أداء هذا التمرين، سيكون له منعكساته السلبية على فكر الكاتب وروحه وأصابعه حتى، فقطع التمرين اليومي للكتابة يؤدي إلى قطع في السلسلة السلوكية والإدراكية والمعرفية، هذا في المبدأ الذي لم يعد إلّا قلّة من الكتّاب مهتمون بالمواظبة عليه كبرنامج حديدي وصارم لضمان حسن سير الآلية الإبداعية لديهم، حتى لو كان هذا التمرين لمجرد التمرين، كما كان يفعل ماركيز مثلاً، أما في التخصيص، فوالله وبالله وتالله الكتابة هي أنفس من هذا وذاك بكثير، كثير جداً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لويجي بيرانديلو: كاتب ومسرحي وشاعر إيطالي، حصل على جائزة نوبل للآداب عام 1934.
مؤلف التحفة المسرحية "ست شخصيات تبحث عن مؤلف" 1921
له أيضا، "ليولا- 1916" و "قبعة المجانين- 1917"، "لكل حقيقته- 1917" و"لذة الأمانة1918"، و"مثل زمان، أفضل من زمان1920".