كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

خلاص الباطل أم خلاص الباطن؟

لم يبقَ لنا إلّا أن نكفّر عن خطايانا في حقّ الواقع، الذي أسأنا له باعتناق دين تلك الثورة، التي حمّلناها أوزاراً لم يكن لها أن تحتملها، بحكم مبدأ الردّة الذي أتحفتنا به اللغة، وليس لنا إلّا أن نراجع موقفنا من سيرة التثوير، التي أدمنّاها في نشاطنا أفيوناً.

وأملت الضرورة استبدالها بما أبحنا لأنفسنا أن نطلق عليه إسم: التطوير، ذلك المعراج الذي يملي عبور برازخ فلكيّة، للحلول في منازل عملية، تتيح لنا فرصة استعادة فردوسنا الضائع.

فقانون الطبيعة يقول أن كل شيء في وجودنا هو حصيلة ما تسمّيه السنسكريتية بـ«كارما» (carma)، أي النشاط، أو «الحركة»، الناجمة عن فعل، لتحفّزنا الحصيلة على ارتياد آفاق جديدة، في ارتقاء سلّم لن تكون غايته النهائية سوى التطوير، بعد المرور بعتبات تبدأ بحركة تثويرية هي التنوير، لتتواصل في منزلة أخرى هي التغيير، التي ستحقّق الخلاص يوم تستوي في التحرير؛ وهو تاج العرش في معراج التطوير.

وليس لنا إلّا أن نلاحظ أن ما يجمع منازل هذه الملحمة هو وحدة الصيغة النحوية في مفردات المصطلحات وهي: تفعيل، ممّا يُترجم النيّة المبيّتة للتأكيد على دور الفاعل، لأن حياة «التفعيل» رهينة وجود الفاعل، ومدى تحقّق المدلول في العمليّة التفعيليّة، إنّما هو رهين مواهب الفاعل، ومدى تصميمه على التضحية بالطاقة اللازمة لدفع عجلة التفعيل قُدماً، أملاً في تحصيل المفعول، في ضوء العدسة الوحيدة، القادرة على تنوير ظلمات النشاط الإنساني، في واقعٍ محكومٍ بناموس السبب والنتيجة، وهي: العقل!

ولكن العقل مارد يحتاج إلى غذاء، لكي نبعثه فينا فاعلاً، والتجربة إذا كانت أول معلّم في سلّم هذا المعراج الدموي، فإن اخضاع التجربة للمساءلة، باستكشاف الاستنتاج، في حقّ ظلمات واقعٍ هو، بهويّته كطبيعة، يبقى مجبولاً بستور المجهول، فإن المعرفة هي الضمان لتفعيل عمل هذا المارد، الذي لن يعدم الحاجة لترويض. ترويض نستطيع أن ندعوه تنويراً، ولكن نقترف خطيئة في حال شئنا أن نخلع عليه وسام التثوير! لأن التثوير ليس فعلاً، ولكنه انفعال. والواقع لا يعترف، بحكم قوانين الطبيعة، بالانفعال، لا يعترف، في عمله، بأهواء الهواة، لا يعترف بفورة الهياج، ولكنه يعتنق دين المراحل، في ارتقاء المنازل نحو القمّة، نحو التغيير، نحو التحرير، نحو التطوير الذي لا يتحقّق قفزاً، لا يتحقق فوراً، لا يتحقق فورةً، ولكنه يولد مهلاً، يولد عملاً، مستضيئاً بقنديل تنوير إسمه: المعرفة.

ما معنى معرفة؟ أليست هي تلك الأدغال، الموحشة، الشائكة، التي لا دليل لنا لعبورها بأمان، سوى ذلك الاستنفار، تلك اليقظة، التي نسمّيها: تجربةً؟ التجربة لا تولد عفوا، ولكنها حبكة تُنسج من الإحساس بالألم، وببذرة مرويّة من نزيف العرق والدم والروح، لا تتردّد في أن تغامر باعتناق موقف نقديّ من الواقع، ولا تتراجع ما لم تتحقّق هذه الحملة في موقف زهدي: موقف زهدي من الوجود هذه المرّة. فالمغامرة بأسرها هي أوديسة لا تختلف عن الأوديسة، لا تختلف عن نحت نصّ أدبيّ رفيع، لأن استجواب التجربة، بروح ما تستحقّ من إخلاص في الفحص، وعناية في عمليّة التصحيح، والجرأة في التقوية، هو الضمان لاجتياز العقبة، والعبور إلى رحاب البرزخ التالي في سلّم المعراج العصيّ.

إعادة تقييم القيم؟

بل إعادة تقييم التجربة الدنيويّة في سبيل تطويرٍ هو رهين تحرير، وتحرير رهين تغيير، وتغيير رهين تنوير. تنوير ما بالواقع الرهين لتنوير ما بالعقل. فالثروات التي نجنيها من خيبات نشاطنا منذ المهد تتحوّل رصيداً في حصيلة آلامنا. هذه الآلام التي سيرجع لها الفضل في إجبارنا على تأمّل حالنا، لدفعنا للتفكير جديّاً في تغيير ما بأنفسنا، بعد أن أعيتنا الحيلة في الإهتداء إلى طريقة لتغيير ما بواقعنا، لنكتشف، بعد نزيفٍ دمويّ، استحالة تغيير ما بأنفسنا أيضاً، ما لم نتحامل على أنفسنا، لتغيير نمط تفكيرنا، بترويض النفس، التي لم تكن توصف في التنزيل الحكيم بـ «الأمّارة بالسوء»، لولا استعصاء قبولها بمبدأ إعلان الحرب على عقليّتنا، طلباً لاقتحام مجاهلنا، التي لن تتنازل عن اضطهادنا، ما لم نعترف بوجود ذخيرة عصيّة وثريّة، أسمها الروح، تستطيع أن تهرع لنجدتنا. والتجربة هي التي برهنت، منذ أقدم الأزمنة، على عدم وجود أيّة مأثرة بطولية، سيّما إذا تعلّق الأمر بكل ما متّ بصلة لأيّة حركة تنويرية، ما لم تكن لها اليقظة الروحيّة دليلاً. وهو ما ليس قابلاً لأن يتحقّق بحسن النوايا، أو بالسعي لقلب أنظمة الحكم، بإعادة تأهيل الأسس التعليمية، أو بهيكلة القوانين الوضعيّة، طمعاً في زعزعة بُنية الواقع الحرفيّة، ولكن بالإستعداد لدفع مكوس أعظم شأناً، ليس أقلّها بأساً نزيف القرابين الروحيّة. النزيف الروحي وحده يدفع للتحلّي بالموقف النقديّ من الوجود، ثم الموقف النقدي من الواقع الحرفيّ، كحجّة هذا الوجود.

الصحوة الروحيّة لا يشرّفها أن تعتنق دين التثوير، لأنها بطبيعتها، تجديف في حقّ التثوير، واعتناق لدين نقيضه التنوير، الذي لا يهنأ بالاً ما لم يتواصل في منزلة أبعد هي: التطوير. لماذا؟

لسببٍ بسيط وهو عداء الروح الفطري لكل ما متّ بعلاقة للعنف: العنف الذي تعتنقه نزعة التثوير ديناً. موقف الروح النقدي في العلاقة مع الواقع، ومع الوجود، محكوم بثورة الباطن، مقابل إنكار ثورة الباطل، ليقينٍ بأن كل عمل تثويري هو رجسٌ من عمل إبليس؛ ولذا فهو ليس باطلاً وحسب، ولكنه حجّة في تسويق باطل الأباطيل.

الروح تعادي العنف ليس فقط لأنه جرم، ولكن لأنه إثم. فالجرم، في منطق الروح، إثم في حقّ المخلوق، ولكن الإثم في عرفها هو جرم في حق خالق المخلوق. والترياق؟

لا ترياق لباطل الأباطيل سوى التخلّي. أي ما يسمَّى في معجم التقوى: التسليم. التسليم الذي لا يستعيد سلطاناً على حرف الوجود ما لم يستقم في المبدأ الذي كان دوماً رأسمال في مسيرة التنوير، وهو: الزهد، الزهد وحده يطفيء في النفس جمرة الإنفعال، ويبطل مفعول الشهوة إلى القتال، الشهوة إلى احتراف العنف.

العنف أفيون مريدي التثوير

باعتناق الروح الزهدية يتشكّل نهج المنعطف، فيهيمن على الواقع مارد التنوير. تنوير هو التميمة السحرية في تشكيل الوعي بحقيقة التغيير، بضرورة خوض تجربة التغيير لتمهيد الطريق نحو التحرير. لأن أي تغيير يمكن أن يُعوّل عليه في غياب تحرير ما بالنفس، وأي خلاص يمكن أن يكون في المباراة فارس حلم، إذا لم تكن الحريّة لحقيقته وصيّاً؟

فالتسليم، كأب شرعي لهبة كالزهد، اشتقاقٌ من السِّلْم. والسّلْم مهندس رأس القيم الأخلاقيّة، وهو الحبّ. وتعاطي الحبّ، نقيض تعاطي الكراهة، التي يستخدمها صاحب التثوير في تقويض كل قيمة في واقع إنسانٍ تغتنمه الأهواء، ويحترف وقفة، تتقاطع فيها الآراء، ممّا يبلبل الرؤية في اختيار الموقف من وصيّة عرّاب في مقام دوستويفسكي: смирись гордый человек!

(تنازل أيها الإنسان المكابر!).

لأن الحبّ لا يستلم الزمام، في حملة التنوير، بدون وثيقة الاستسلام، الممهورة بالزهد في حطام الدنيا، في عالمٍ نَصًَبَ النفع في نشاطه معبوداً. تتبدّد سلطة الظلمات بفعل قنديل الحبّ، في الدّهليز، ليسطع النور في نهاية النفق، مبشّراً بميلاد التغيير!

التغيير كلمة السرّ لفضّ ختم بوّابة التحرير.

فأغلال العبودية لا تجود بما في عهدتها، ما هيمن على الوضع الضّلال القديم، المستنصر بالمعتقد المحنّط، النائم في قيعان باطنٍ يدعوه علم النفس بـ«اللاوعي»، يتطلّع من وراء حجاب، برغم صقيع البيات الشتوي. فإسكات صوت التحريض على العنف، يبقى تحدّياً في الواقع، ما لم تمُت في مريد التثوير جرثومة الورم، الموروثة في أدبيّاتنا الحديثة باسم الأيديولوجيا. فمصير التغيير يغدو، منذ الآن، رهين إسكات صوت التحريض على العنف، وهو ما لا يتحقّق بدون إجتثاث ورم الهذيان الأيديولوجي.

وأسوأ ما في الأمر أن الهذيان الأيديولوجي عملٌ عدوانيّ، الشغف بالعنف فيه طبيعة ثانية، لأنه ضرورة لاحتكار تلك الحقيقة، التي لا تجد حرجاً في أن تتباهى بتعويذة «كل شيء مباح». وهي روح لا تبطل بالصدام، لا تبطل باعتماد المواجهة، ولكن بارتضاء الإنسحاب من المواجهة.

بارتضاء التنازل الطوعي عن حقّ الدفاع عن النفس، باعتماد الانضباط الروحي، المترجَم في خطابنا المتداول بـ «ضبط النفس»، كحيلة لفكّ الارتباط، وإبطال الحجّة في الإشتباك. وهو عمل ليس مجرد انضباط في الواقع، ولكنه يرتقي إلى مستوى تلك التضحية، التي كانت في سجل الحرية برهاناً. حريّة الواقع الذي يسكننا، لا حرية الواقع الذي نسكنه؛ حرية القبول بالنصيب المتاح من حرية الأبعاد القصوى، لا الرهان على حريّة البُعد الضائع، المستنزفة بحرف العنف، حيث تقف الثورات موقفاً سلبيّاً من الواقع. تقف موقفاً عدميّاً من أي نظام يستعير سلطته من القانون الوضعيّ.

وهذه النزعة اللا أخلاقيّة في الموقف من العالم هي سرّ اللعنة المستنزفة بحقّ الثورات، بدليل أن الثورات لا تفلح أبداً: لا تفلح لا في تحقيق الحرية التي سفكت نزيف الدمّ بسببها، ولا تفلح في استعادة العدالة المأمولة التي نحرت القرابين في سبيلها، ولا تفلح في تشييد هرم السعادة الأرضيّة الذي وعدت به. فالآثام المقترفة في حقّ الحقيقة، هي سبب استحقاق القصاص. فروح الردّة، المترجمة في حرف الـ re ، الملحق كأداة نفي للنيّة في دفع عجلة الوجود إلى الأمام، الكامنة في اعتناق دين «التطوّر» في مصطلح: evolution هي ما أفرز الموقف العدميّ من الواقع، بحيث تغدو القيامة هي الخلاص، هي الحرية؛ والطغيان الذي تُجرجر فيه الأقوام إلى الجنّة بالسلاسل، يصير هو العدالة. ولمّا كان الإنسان بطبيعته مريد تغيير، فإن الثورة تتحوّل موضوع إغواء. إفيوناً يستهوي، إفيوناً يستدرج، لأنها تعد باستحضار فارس التغيير على طبق من ذهب. توحي بقدرتها على تحقيق حلم هذا الفردوس بالمجّان، بدون سفح عرق، أو نزف دم، أو هدر نصيب من روح. ولذا نجد الأنام يطرقون أبواب الثورات أفواجاً، طمعاً في الفوز بخلاص الهبة، الذي يغنيهم عن التغيير الحقيقي، تغيير ما بالنفس الأمّارة بالسّوء، لأن الأخير أبعد منالاً، لأن الثمن فيه نزيف الروح الأكثر استعصاءً من نزيف الدمّ. والإنسان مخلوقٌ ضعيف بطبعه. وهذا الضعف هو الذي يستخدمه هواة الثورات للإيقاع بمستضعفي السواد الأعظم، لكي يحطّموا طوعاً في ساعات، ما قاموا بتشييده في أجيال، ظنّاً منهم أن الخلاص يمكن أن يتحقّق ببسمة حظّ تتنزّل منحةً من خارجٍ، تتنزّل من باطلٍ، بدل أن تولد بآلام مخاضٍ من باطنٍ.

بالإحتكام إلى ساحة الطبيعة فقط نفهم الأحقية: ففي الوقت الذي يراهن فيه المريد التثوير على الخصام مع واقع المحيط الطبيعي، في تسويق حججه، فيعمد إلى استباحة حرمة هذا الواقع، المحكوم بمشيئة الطبيعة، محاولاً أن ينتزع من هذه الأمّ غصباً، ما أبت أن تمنحه له طوعا؛ يراهن مريد التطوير على حكمة هذه الأمّ أيضاً، ولكن قبولاً بحرف عهدٍ ينال بموجبه العطيّة طوعاً، ولكن ليس بدون ارتضاء قدر القربان!

أوَ ليست هذه الأمّ (الطبيعة)، التي تسكنه كما يسكنها، هي الشفيع الذي جعله خليفة الله في هذه الأرض؟

ابراهيم الكوني

سكاي نيوز عربية

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني