تأنيثُ الثقافة
كتبت ليندا ابراهيم- فينكس:
ليس من باب "كل ما لا يؤنَّثُ لا يعوَّلُ عليه"، فحسب، وليس من قبيل أن "شامات" قد أغوت إنكيدو، فنجحت بتلقينه دروس التمدن والخطايا والمعرفة، كما تقول الأسطورة الملحمة... بل وليست الحكمة التي ارتبطت بالمرأة الأولى "حواء"، فصارت الربة والإلهة والقائدة والفارسة والإمبراطورة التي تقود وتسيطر وتحكم وتملأ الأرض وطبقات الفضاء بالجمال والحيوية والعطاء، إضافة لتماهيها بيولوجياً وفيزيولوجيا وميثيولوجيا بمعطيات ومزايا الولادة وتجدد الحياة والخصب، حتى نقول بأنها الأصل...
فقد اجتمعت لها من الصفات ما جعلها قادرة على فهم الحياة واستيعابها.
ولعل ما جعلني أبادر للكتابة والتوسع في هذه الفكرة، ملاحظتي محلياً وسورياً وعربياً لملامح تشكل الكتابة الجديرة والمكانة الراقية التي باتت تتبوؤها المرأة الأديبة المثقفة، إضافة لتزايد عدد من يشغلن مراكز ثقافية ومسؤوليات أدبية من أماكن مختلفة وكثيرة...
أذكر حين شاركت في أنشطة "توأمة" ثقافية قبل أكثر من عشر سنوات، وتحديداً في إدلب، عام 2008، قبيل اندلاع الأزمة السورية، أنني كنت ضمن وفد ثقافي من منطقتي الشيخ بدر، ومحافظتي طرطوس لسنتين متتاليتين، وحينما كان يقام النشاط لا أكاد ألحظ أنثى بين الحضور، ناهيك عن عدم حضور واهتمام رئيسة المركز آنذاك، والتي ما إن لاحت بوادر الأزمة حتى غادرت سوريا وثقافتها ومركزها إلى مقلب آخر واتجاه مغاير بسرعة البرق وكأن الأمر كان مزمعاً محضراً مرتباً له من قبل...
أذكر كيف حاول أحد الأصدقاء الأدباء من شخصيات إدلب نفسها أن يؤكد حضور رئيسة المركز معنا لجلسة أدبية بعيد النشاط لكنها رفضت، في اليوم التالي في كفر تخاريم لم تحضر ولا امرأة بين الحضور، فعلاً كان مؤشرا خطيراً، لكن لم يتم استيعابه والتنبؤ به من قبل الكثيرين الذين يجب أن يتحسسوا أموراً جوهرية وطنية كهذا الأمر...
ما دعاني قبيل اختراق هذه الذكرى من عقلي الباطن وأنا أخط هذه السطور، ما لحظته من كثرة عدد السيدات في العمل الثقافي وتحديداً في رئاسة المراكز الثقافية، وللحقيقة فهذا أمر يثلج الصدر، ويرطب الفكر، ولكنه يكتمل أكثر حين أدرك أن هذه السيدة من الجديرات بهذا المكان، واللائقات لشغل مهمات كهذه..
أكثر ما كنا نعانيه حتى وقت قريب، لدى تعيين أو تسمية الأشخاص لهذه المراكز، هو عدم الركون إلى روائز حقيقية ثقافية لشغل مهمة رئيس مركز ثقافي، حيث تتداخل وتتنافر أو تتخالف دوافع وهواجس وأسس الجهات التي ترشح وتزكي وتقرر، وبين عدم الإلمام والفهم الكامل من قبل المرشَّح نفسه للعملية الثقافية وللدور المنوط به قريباً من جوهر عمله في إتقان المهمة الإدارية والثقافية معاً، إضافة إلى تراجع الشغف لدى البعض في حال علمه أن ليس ثمة مزايا لشاغل هذا المكان مزايا مادية وتعويضية إلخ
أهم ما يميز العمل الثقافي هو الامتلاء والقدرة والاندفاع والشغف والتخفف من أي أمر آخر ما عدا هذا، ليكون خليقاً بالعمل الثقافي، والتعامل من شريحة هامة من الأدباء والمثقفين والمحاضرين والمبادرين بل وشريحة تقابلها من المتلقين لهذه العملية وهذا الأهم...
تجب دراسة الواقع المحيط، الواقع الاجتماعي والفكري والثقافي للمجتمع المحيط بالمركز والاهتمام بجميع الشرائح المتلقية وابتداع الأفكار وخلق الفرص والأفكار والمبادرات لأجل إحياء الوسط الثقافي وإعادة الجمهور إلى هذه المنابر العريقة التي كانت ذروتها أواسط الثمانيات والتسعينات من الأماكن الأكثر ارتياداُ والأكثر جذباً لجميع فئات المجتمع...
صحيح ثمة تحديات ولكن مقابل هذه التحديات لا بد من مضاعفة الجهد وعملية الخلق الثقافية لأجل هذه المهمة السامية
وعود على بدء...
فأكاد أجزم بأن عدد الشاغلين لمهمة رئيس مركز ثقافي على اختلاف درجات هذه المراكز بتن من الإناث، ولكن سيكون فرحنا مضاعفاً حينما نكتشف ونتأكد من أن هذه السيدة جديرة بهذا المكان وهذه المهمة وذلك من خلال شغلها على ثقافتها وعلى العملية الثقافية ككل...
كل مالا يؤنث لا يعول عليه... وكل ثقافة لا تؤنث لا يعول عليها
"أتحفظ لجهة التعميم... ولا أقصده مطلقاً لجهة المصداقية التامة"