كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

"الوشاية" موهبة و فن و صنعة

يحيى زيدو- خاص فينكس:

"وشاية" نُسبت إلى أحد سكان بلدة الناصرة الفلسطينية، و تسببت بإعادة القبض على أسيرين فلسطينيين فرِّا من سجن "جلبوع" الإسرائيلي شديد التحصين، حيث استطاع ستة أسرى فلسطينيين بعملية بطولية نوعية أن يحفروا نفقاً بالملعقة ليعانقوا الحرية.عمل فني عن الأسرى الفارين

ربما تذكرنا هذه الحادثة بحكاية البطل الشعبي "أبو علي شاهين" الذي تمرد على الإقطاع و سلطات الاحتلال الفرنسي، و تم القبض عليه بوشاية من أحد أقاربه عندما طلب منه الطعام.

الوشاية بالأبطال الفلسطينيين لاقت استياءً و استنكاراً شعبياً ليس فقط لضررها السياسي، بل و أيضاً لأسباب أخلاقية ترفضها المجتمعات في العموم.

و على الرغم من الاستنكار و الإدانة لفعل الوشاية فإن معظم الشعوب تعرفها، بل و تمارسها في حياتها اليومية لكنها تجد تبريرات مختلفة لجعلها مقبولة أو مفهومة في إطار المصلحة العامة أو الخاصة.

غالباً ما نسمع تعبير "قالت لي العصفورة" كناية عن وشاية أو نميمة نقلها مصدر أراد أن يبقى مجهولاً. بعض الوشايات تتجاوز مسألة نقل الخبر إلى الأذى، و هو ما يعبر عنه بمصطلح دارج "طق البراغي".

و الوشاية قديمة قدم الجنس البشري، و يذكر التاريخ "يهوذا الأسخريوطي" كواحدٍ من أبرز الوشاة، فهو أحد تلاميذ المسيح الإثني عشر الذي وشى بالمسيح لدى أعضاء المجلس الأعلى لليهود وتم الإبلاغ عن مكان تواجد المسيح مقابل ثلاثين قطعة من الفضة، وبعد ذلك ندم على فعلته وأعاد القطع الفضية اليهم مره آخرى وقتل نفسه بعد ذلك.

و تذكر الكتب السماوية مسألة الوشاية باعتبارها فعلاً مرذولاً و مداناً. جاء في العهد القديم: "رجل الأكاذيب يطلق الخصومة والنمام يفرق الأصدقاء- الإصحاح 28"، و "الساعي بالوشاية يفشي السر والأمين الروح يكتم الأمر- الإصحاح 13"، أما "داوود" فقال في مزاميره في "الآية 15: "أن من منزل الرب ممنوع عن الوشاة". بينما في العهد الجديد يُلقَّب "الشيطان" بـ"إبليس"؛ وهي كلمة من أصل يوناني معناها "الواشي" أو "المشتكي" أو "المُشهِّر"، أي أن الإنجيل ساوى بين أفعال الشيطان وقرينه الواشي.

وفي القرآن، هناك الكثير من الأوصاف التي تنطبق على "طقِّيق البراغي"، ومنها ما جاء في سورة "القلم" "هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ"، وفي تفسيرها قال الرازي: "همّازاً وهو العيَّاب الطعَّان، الذي يهمز الناس، أي: يذكرهم بالمكروه، ويمشي بالنميمة بين البشر ليفسد بينهم". وأيضاً في افتتاح آية "الهمزة" هناك تحذير بالقول: "وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ"، ومعنى الهمزة الذي يعيب ويطعن في وجه المرء، بينما اللمزة الذي يغتاب ويطعن من خلفه. ومن تفسير "المراغي" لهذه الآية: "أي سخط وعذاب لكل طعّان في الناس، أكَّال للحومهم، مؤذ لهم في غيبتهم أو في حضورهم". وكذلك في سورة "المسد" وتحديداً الآية الرابعة منها "وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ"، وفي إحدى وجوه تفسيرها "أنها كانت تمشي بالنميمة"، إذ يقال للمشاء بالنمائم المفسد بين الناس: "يحلّ الحطب بينهم" أي: "يُوقد بينهم بالنار، حاملاً الشر وساعياً إلى الأذية والوقيعة". (انظر بديع صنيج- طق البراغي-رصيف 22).

إذن فالوشاية قديمة، و يحفل تراثنا العربي بأشكال الوشاية التي أودت بحباة أشخاص، (الشاعر بشار بن برد قتل بسبب وشاية ضده عند الخليفة العباسي المهدي، كما يذكر ابن المعتز في طبقات الشعراء).

و الوشاية قد تكون شفوية ينقلها شخص إلى غيره، و قد تكون كتابية، و هذا النوع غالباً ما يكون على شكل كتابة تقارير بحق شخص أو أشخاص لصالح جهات أمنية أو سياسية في الدولة. و هذا النوع من الوشايات هو ما تقتات عليه معظم الأنظمة السياسية في العالم، و إن كانت تأخذ أهمية أكبر في دول العالم الثالث، و دولنا العربية جزء منها بطبيعة الحال.

نحن نعيش اليوم عصر الوشاية في كل مفاصل حياتنا، و ثمة دول عظمى تدفع ملايين الدولارات من أجل وشاية (المكافآت التي تعلن عنها الولايات المتحدة من أجل الإبلاغ عن معلومات تتعلق بشخصيات مطلوبة مثل بن لادن و البغدادي و غيره).

الوشاية الالكترونية الآن هي سيدة الموقف لأنها أسرع و أقل كلفة و أكثر دقة (عملية اغتيال قاسم سليماني).

معظم الأنظمة السياسية الشمولية تقتات على الوشاية، بل إنها تربي مواطنيها على ممارسة الوشاية بالترغيب إذا فعل، و بالترهيب إذا لم يفعل، (الاتحاد السوفيتي نموذجاً) و كل الأنظمة السياسية العربية بلا استثناء.

هذا لا يعني أن الأنظمة السياسية الغربية لا تعتمد على الوشايات، لكن الوشاية إليها مبررة دائماً بسبب سيطرتها الاقتصادية التي تخلق قيماً تجعل الناس تعتبر الوشاية فيها أمراً مقبولاً بل و مطلوباً، و لنتذكر هنا مرحلة "المكارثية" في الولايات التي جعلت فنانين و كتاباً و شعراء مجرد كتبة تقارير لصالح المخابرات الأمريكية مدفوعين بالشيوعية فوبيا، أو الخوف من التخوين، أو الإيمان بالدفاع عن الرأسمالية كما فعل "جورج أرويل" صاحب روايتي 1984 و مزرعة الحيوانات الشهيرتين.

الوشاية لا تقتصر على الجانب الشخصي بل قد تشمل دولاً و حكومات، و لا يغرنك أن يكون الواشي ملكاً أو رئيساً أو رئيس حكومة أو زعيم حزب أو وزيراً.

الملك الأردني "حسين"، كان واشٍ من طراز رفيع، ومن أبرز ما يسجل له أنه قام بإبلاغ رئيسة الحكومة الإسرائيلية "غولدا مائير" بموعد حرب تشرين، وحين توفي ظهرت قوائم للمخابرات المركزية الأمريكية تؤكد أنه كان مخصصا براتب شهري منها، بالإضافة إلى وظيفته كواشٍ أو جاسوس للمحابرات البريطانية. "الحسن الثاني" ملك المغرب كان ينقل لإسرائيل تسجيلات القمم التي يشارك فيها، و لذلك أصبح رئيس لجنة القدس الدولية التي ضيعت القدس و جوارها، و السلسلة تطول حين نريد أن نستعرض الوشاية عند الحكام العرب.

من أشهر الوشاة في العصر الحديث "مارك ويليام فيلت" بطل فضيحة "ووترغيت" الشهيرة التي أدت إلى استفالة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون. "فيلت" قام بتسريب المعلومات الخاصة بها للصحفيين بوب وودورد، وكارل برنشتاين اللذين تابعا القضية لصحيفة "واشنطن بوست" ابتداء من يونيو/حزيران 1971، وأطلقت عليه وسائل الإعلام الأميركية لقب "الحنجرة العميقة" لسنوات طويلة، لكن شخصيته الحقيقية ظلت مجهولة حتى عام 2005 حين كشف عن هويته.

و من أبرز الواشين المعاصرين الجندي الأمريكي "أدوارد سنودن" الذي سرب وثائق البنتاغون إلى "جوليان أسانج" الذي نشرها في موقعه "ويكيليكس"، و تسببت بضرر كبير للولايات المتحدة، و يواجه أسانج اليوم عقوبة لا تقل عن السجن لمدة تزيد عن مئة عام بسبب تلك القضية.

المثقفون أيضاً ليسوا بريئين من الوشاية و النميمة، بل يمكن القول بأن مجتمع المثقفين هو مجتمع الوشاية و النميمة بامتياز، و ربما يغضب البعض من هذا الكلام، و في هذا السياق نستطيع أن نتحدث عن الكثير من الوقائع.

و في تاريخ المثقفين العرب أن "رزق الله حسون" المفكر النهضوي المعروف كان كاتب تقارير من الطراز الأول، و منها ما كتبه بحق النهضوي "سليم سركيس" كي يتم عزله من وكالة التبغ لرغبته في الحلول مكانه بسبب العوائد المادية لهذه الوظيفة.

و تذخر الصحف المصرية بالكتابات التي تتحدث عن الوشايات التي قام بها الناقد المصري المعروف "جابر عصفور"، بحق مفكرين أمثال: محمود أمين العالم و فؤاد زكريا و عبد الغفار مكاوي و عز الدين اسماعيل. و من المفارقات أن عصفور الذي يزعم التنوير سيصبح وزير ثقافة في حكومة محمد مرسي الأخوانية.

خلد الأدب شخصية الواشي في عدة أعمال من أبرزها شخصية "ياغو" في مسرحية "عطيل" الشهيرة لشكسبير. كما أن ابن المقفع خلد شخصية الواشي (دمنة) في كتابه الممتع (كليلة و دمنة).

وفي الوشاة، يقول الأعشى: "ومن يطع الواشين لا يتركوا له صديقاً وإن كان الحبيب المقرّبا".

أما أبو حيان التوحيدي فيقول عنهم في "الإمتاع و المؤانسة": "ما فيهم إلا من وَكَدَهُ الرِّجس والإفساد، والأخذ بالمُصانعة وإغراء الأولياء بما يعود بالوبال على البريء. هؤلاء سِباع ضارية، وعقارب لساعة، وأفاعٍ نهاشة".

الوشاية موجودة في كل ثقافات الشعوب، و هي و إن كانت مرذولة و مدانة غير أنها حية في المجتمعات لأسباب متعددة. و إذا وقع ضرر بسبب وشاية فاللوم يكون على الواشي و ليس على المجتمع.

و وشاية ابن الناصرة بحق الأسرى الفلسطينيين تُردُّ عليه وحده، و لا تردُّ على الفلسطينيين و لا على سكان الناصرة.

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني