بين المتلقي والمبدع
كتبت ليندا ابراهيم- فينكس:
العلاقة بين الكاتب والمتلقي، على اختلاف درجات الكاتب والكتابة، من المبدع في الشعر والرواية والقصة والكتابة السردية، إلى المتلقي نفسه من كل هؤلاء وصولاً للمتلقي العادي، هذه العلاقة تحددها مستويات الثقافة لدى الكاتب والمتلقي، فضلاً عن الفضاء الذي يتيحه كل جنس أدبي من أجناس لكتابة، وتشابكاته وتداخلاته مع الجنس الآخر، وقد تعرضت لأسئلة عديدة من أصدقاء في المهنة الكتابية، والهم الثقافي والإبداعي، كما تعرضت لأسئلة حاذقة من متلقين مثقفين يطرحون الأسئلة الجادة الرصينة العميقة، أطرح هنا بعضها ومقاربتي للجواب...
أما السُّؤال الأول: "يقول النُّقّاد: "إنَّ الكاتب حينما يكتبُ الإبداع، لا يكون واعياً بشكل تام لعوامل الابداع التي قام بتوظيفها في النص"، ما رأيك بهذه المقولة؟!
أظنُّ أنَّ السَّائلَ حينَمَا أورَدَ السُّؤالَ، إنَّمَا كانَ يُقصَدُ بِهِ مسألة الوعيِ لعَوامِلِ الإبداعِ التي تسبِقُ وترافقُ كتابةَ النَّصِّ الإبدَاعيِّ، وكونُ أنَّ مصطلَحَ "الإبداع" قد يتوقَّفُ عندَهُ الكثيرون باعتِبَارِهِ مقولةَ السؤال والقصدَ منهُ لهذا فقد وجبَ التَّنويه.. كمَا وجَبَ أنْ أضعَ مصطلح "الإبداع" هنا في سِيَاقِهِ مِن حيثُ أنَّ القصد منهُ ليسَ الإبداعُ بمفهومِهِ العام الكامل الذي يحتاجُ بحوثاً وبحوثاً للإحاطةِ بهِ، بل سأطلِقُهُ و أعتبرُ أنَّ السَّائلَ يقصدُ بِهِ عمليَّةَ كتَابة النَّصِّ الأدبي سواء أكانَ شعراً أم نثراً أم نقداً، ليستَقيم المعنى منَ السُّؤال، ولتكونَ إجابتي في هذا الاتجاه كما يلي:
إنَّ الكاتبَ حينَما يتناولُ الكتابةَ والتَّأليفَ كعملٍ إبداعيٍّ، لا بدَّ وأن يمتلكَ أدواتِهِ الفكريَّة واللغويةَّ و الشِّعريَّة الخاصَّة بهِ، وأن يكونَ واعياً لمكنونات العمليَّة الإبداعية التي يقوم بها، واعياً لامتلاكه لها، واعياً لما سينتج من نص يحمِّلُه بوعيٍ كلَّ ما يريد، ويستطيعُ النَّصُّ نفسه تحَمُّلَهُ، هذا في العامِّ والمنطق والبديهة، لكن في التفصيل وإسقاط الحالة على صنوف الكتابة والمنتج الإبداعي يتنوَّعُ الجواب، وأسوق جوابي هنا مستشهدة بتجربتي فعندما أكتبُ أو أهُمُّ بكتابة النص الأدبي الشعري، أضع روحي وفكري ولغتي وتجربتي في الذهن بل أستحضرُ كل ذلك، أضع مقولةً ومحتوىً لما سأضمِّنه في النص، أضع ُهدفاً فكرياً شعرياً لغوياً موسيقياً لما سيأتي عليه النص الشعري... فإن واتت الروح مع ريح الشعر سارت سفنُ القصيد بما أشتهي..
ولكن يحدثُ أمرٌ آخرُ لا يكون الكاتبُ قد وضعه في الحسبان، وهو أمر القارئ وكيف يتلقَّى النص كيف يتفهمه و يؤوله، ربما يحدث هذا للنصوص العالية فكرياً الباذخة شعرياً و فنياً فتأتي قراءات القارئ لتفتح آفاقاً جديدة أعترف بأنني أحياناً لم أكن أفكِّر بها حين كتابة النص... لا أدري إن كان هذا ـــ كما يرد في السؤال ـــ عدم "وعيٍ مني" لأدواتي و مقولتي التي أريد تحميلها النص، أم لا، إنَّمَا ما يشفعُ لي في تبرير الحالة هذه هو أن النص عندما يخرج مني يصبح ملكَ القارئ، وعليه يصبح مفتوحاً لجميع احتمالات القراءة، و العقلُ لا يُحَدُّ و لا نستطيع إدراكَ ما يدور فيه عند كل قارئ.. المهم أن يصير النص كل هذا ليكون إبداعاً .
السؤال الثاني: يقول الأديب الفرنسي جيروم فيراري "كتابة الرواية اغتراب الذات عن الذات، وإلا كان نتاج الكتابة مذكرات أو يوميات" فإذا كان مقتضى العمل الروائي هو غيابُ الرِّوائيِّ عن ذاته لكي يتقمَّصَ شخصياتٍ مغايرةً لطبيعته أو لمبادئه ، فما هو مقتضى العمل الشعري بالنسبة للشاعر في إطار علاقته مع ذاته؟!"
الجواب: "الشَّاعرُ لا يغتَربُ عن ذَاتِهِ، و إلا لكانَ ما كتبَهُ إمَّا ليسَ شعراً، أو أنَّه ليسَ صادقاً على الأقل، و بالتَّالي لا ينمُّ عن تجرِبَتِهِ....
إنَّ أدواتِ الرِّوائيِّ غيرُ أدواتِ الشَّاعرِ، فالرِّوايَةُ ورشَةُ عملٍ متعدِّدةُ الشَّخوص و البيئاتِ و الدَّوالِّ، الروايَةُ تختَصِرُ عمرَ بلَدٍ أو جماعةٍ أو حقبةٍ أو "شخصٍ" حتَّى، هيَ ورشةُ عملٍ طويلةُ الأمدِ بأدواتٍ إبداعيَّة مغايرَةٍ بشكلٍ فنِّيٍّ مغايرٍ بمعطياتٍ مغايِرة و نتائجَ مختلفة ، و على الرِّوائيِّ أن يتقمَّص شخوصه و بيئاتِها إن لم يكن عليهِ أن يكون عاشهَا أو عايَشَهَا..
أما الشِّعرُ فَروحُ الحالةِ الرَّاهنَة و الذي يجبُ أن يستمرَّ معطياً ألقهُ و مقولتَهُ الرَّاسخة عبر الأجيال، الشّعِرُ مقولتُهُ حاضرةٌ قريبَةً يتلقَّفُها المتلقِّي، أمَّا الرِّوايةُ فتحتاجٌ لوقت أطولَ و أمدٍ أبعدَ..
الشِّعرُ وِجدانُ الأمَّة و الرِّوايةُ ذاكرَتُهَا.. الشِّعرُ روحُ الأمَّة و الرِّوايَةُ حياتُها..
ويأتي السؤال البسيط الكبير ما الثقافة؟
فلكل إنسان تعريفه الخاص به حسب فهمه لهذه الكلمة ومعناها ووظائفها ومحتواها وهدفها، وواثقة أن من يعمل في مجال الثقافة العامة قد كون فكرة وتعريفاً خاصا به، حسب مفهومه، للثقافة، وهنا أكتفي بجواب أكثر دقة وتخصصية بما جاء في قول لجان روستان، تاركة لأصدقاء الصفحة ورواد هذا الموقع حرية المداخلة والمشاركة في الأجوبة.
يقول جان روستان- ماهي الثقافة؟
"ليست الثقافة امتلاء الرأس بالتواريخ أو الأسماء أو الأرقام، الثقافة هي نوعية الحكم، اللزوم المنطقي، شهوة البرهان، مفهوم تعقّد الأشياء ومشاقة المشكلات. إنّها عادة الشك والتمييز الحذر وتواضع الرأي والصبر الجاهل، واليقين بأنّ الفرد لا يملك مطلقًا كل الحقيقة المشتركة؛ إنّها وجوب امتلاك عقل حازم دون أن يكون جامدًا، وأن يكون مسلحًا ضد الضبابية وضد الدقة الزائفة، رفض كلّ تعصب حتى ذاك الذي يتسلّح بالعقل؛ الثقافة هي لزوم الارتياب تجاه الدغمائيات الرسمية، لكن دون إفساح المجال للمشعوذين، فالثقافة تبجيل للعبقرية لكن دون تحويلها إلى صنم أو معبود، وتفضيل ما هو كائن على ما ينبغي أن يكون."