كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

"سوبر ماركت".. قديم أيمن زيدان جديده

جوان جان- فينكس- خاص:

في أواخر ثمانينيات ومطالع تسعينيات القرن الماضي برز اسم الفنان أيمن زيدان كمخرج مسرحيّ لنمطٍ من الأعمال لم يكن من المتعارف عليه تقديمه في المسرح القومي، وشكَّلت أعمال زيدان في ذلك الوقت نقلة في مفهوم العمل المسرحي الذي يقدمه المسرح الرسمي، رأى فيها البعض خطوة متطورة عما هو سائد في مسرح القطاع العام، بينما رأى فيها آخرون خطوة نحو الوراء.. ولكلّ أسبابه ومسوّغاته.من مسرحية سوبر ماركت

أصحاب الرأي الأول رأوا أن الأوان قد آن لأن يكسر المسرحُ الرسمي الحواجز التي تحول بينه وبين القطاع الأوسع من جمهور المسرح الذي كان مقصده الأول في تلك الفترة أعمال الفرق المسرحية التي يقدمها المسرح الخاص، وفي المقدمة منها فرقة الفنان محمود جبر الذي توقف عن تقديم الأعمال المسرحية منذ تسعينيات القرن المنصرم، وكان أصحاب هذا الرأي يرون أن شدَّ الجمهور باتجاه المسرح الرسمي لا يكون إلا من خلال أعمال تأخذ بعين الاعتبار ذائقة العامة (التي ربطت باستمرار العرض المسرحي الجيد والممتع بالمحتوى الكوميدي لهذا العرض، لذلك كان غريباً على الجمهور الواسع أن يتقبّل عملاً مسرحياً خالياً من الكوميديا) مع الحفاظ على المحتوى المبتعد عن الابتذال، سواء على صعيد الفكرة أو المعالجة.

أما الرأي الثاني فقد رأى في هذا التحول انحرافاً عن السكة التي سار عليها المسرح الرسمي منذ تأسيس المسرح القومي في العام 1960 والمتمثلة بالحرص على تقديم الأعمال الجادة، حتى الكوميدية منها التي كان الحرص شديداً على تقديمها بالفصحى باعتبار أن معظمها كان مترجَماً، وقد أخذ أصحاب هذا التوجه على أيمن زيدان استفادته من العديد من أدوات مسرح القطاع الخاص كالاعتماد على كوميديا الحركة المقتربة في نماذجها السيئة من التهريج، ونماذجها الجيدة من تطعيم العمل ببعض المنكّهات المعتمدة على حركة الممثل وليس الاعتماد عليها كلياً.

وقد تمخضت تجربة زيدان المسرحية في سنواتها الأولى عن مجموعة من الأعمال هي: "رحلة حنظلة-حكايا الحكيم-فضيحة في الميناء- سوبر ماركت" وهي في معظمها تعتمد على نصوص مترجَمة، وقد انقطعت هذه السلسلة لعدة سنوات بسبب انهماك زيدان بالعمل التلفزيوني ليعود في العام 2004 بمسرحية بعنوان "سيدي الجنرال".. والواقع أن انقطاع زيدان عن استكمال تجربته المسرحية في مرحلتها الأولى جعل الكثيرين من أصحاب الرأي الأول سابق الذكر يعززون من فرص احتمال صواب نظريتهم، لكن عودة زيدان بعد انقطاع وبالتوجه نفسه الذي حاول تكريسه أكدت على أنه ماضٍ في خياراته المسرحية إلى درجة إعادة عرض إحدى المسرحيات التي قدمها سابقاً وهي مسرحية "سوبر ماركت" للكاتب الإيطالي داريو فو للمرة الثالثة هذه الأيام بعد تقديمها في تسعينيات القرن الماضي ومن ثم قبل أربعة عشر عاماً.

تميز داريو فو عن عدد كبير من الكتّاب المسرحيين بنزوعه نحو طرح قضايا اجتماعية حساسة تخصّ شرائح واسعة من المجتمع في صراعاته ونزاعاته الطبقية، وكانت الدعوة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية هي الحجر الأساس في طروحات داريو فو، والذي بدأ اسمه يبرز ككاتب مسرحي له حضور مرموق منذ أواخر الستينيات حيث عُرِف عنه طرحه لمواضيعه في قالب كوميدي شعبيّ ساخر، معتمداً على مرجعيات سياسية واجتماعية، تراثية ومعاصرة، فمن التراث عاد إلى القرون الوسطى، ومن المعاصَرة نهل من مجتمعه ومحيطه، وفي الحالتين بقيت أعماله بمجملها تتمحور حول الإنسان.

تميزت شخصيات مسرحيات داريو فو ببساطتها وحاجتها الدائمة إلى من يعيد إليها كرامتها ويمكّنها من استرجاع حقوقها المسلوبة، الأمر الذي ينسجم وكلامه عن الجوع إلى الكرامة والعدالة بشكل موازٍ لحديثه عن الجوع إلى لقمة الخبز.

ولا شك أن قدرة داريو فو على ملامسة نبض الشارع في كل مكان وزمان هي ما جعلت أيمن زيدان يختاره كي يكون ركناً أساسياً في مشروعه المسرحي، كما أن قدرة داريو فو على التجدد والمواكبة هي التي دفعت زيدان لإعادة تقديم مسرحية "سوبر ماركت" في العام الحالي للمسرح القومي بدمشق ضمن رؤية فنية جديدة كان من أبرز سماتها استبدال طاقم الممثلين القديم بطاقم جديد.

تدور أحداث "سوبر ماركت" في حيّ إيطالي شعبيّ، يعاني أهله مرارة الفقر الذي يدفع مجموعة من النساء لاقتحام محال بيع المواد الغذائية وسرقتها رداً على غلاء الأسعار الذي عمد إليه كبار التجار.. وبالمقابل يقف زوج إحدى السيدات اللواتي اقتحمن المَحال موقفاً معارضاً لهذا التصرف وهو المعروف بدفاعه المستميت عن الأخلاق، وباعتبار أنه لن يرضى عن هكذا تصرفات تحاول الزوجة إخفاء الأمر عنه، وتنجح بذلك على مدى معظم زمن المسرحية التي تقدم مجموعة من الأحداث المتلاحقة والسريعة التي لا تدع مجالاً لالتقاط الأنفاس.

لا يبتعد مضمون المسرحية كثيراً عن تلك الأعمال المسرحية والتلفزيونية التي استأثرت باهتمام المشاهدين على مدى عقود والتي تناولت هموم المواطن اليومية والتي كان لزيدان نصيب منها على الرغم من أن أساس الحدث في المسرحية ينطلق من فرضية غير معهودة في بلادنا (اقتحام متاجر الأغذية ونهبها) إلا أن الحالة التي أدت إلى هذه النتيجة تكاد لا تنحصر بزمان أو مكان معينين، وتكاد تشمل أماكن عديدة من عالمنا بما في ذلك بلادنا العربية التي رزحت في السنوات الأخيرة تحت وطأة أزمات اقتصادية متتالية تجلّت في زيادات متتالية في الأسعار.. ويعتقد بطل المسرحية أن الاحتجاجات لن تؤدي في النهاية إلى شيء، وأن الطريق الأسلم والأضمن لتحقيق المطالب هو الطريق المتمثل في طرح المَطالب بطرق سلمية وقانونية، وهو المنطق الذي يتخلى عنه في القسم الأخير من المسرحية.

من هذه النقطة انطلقت أسرة العمل لتقدم موضوعة مؤرقة وآنية ولتعلن وقوفها إلى جانب المواطن، لذلك كان من الطبيعي أن تكون درجة التجاوب مع هذا العمل متناسبة مع درجة تبني هذا العمل لقضايا المواطن، دون أن يعني ذلك أن العمل يتبنى وجهة نظر بعض شخصيات المسرحية في أن الحلّ الوحيد هو استخدام العنف ضد التجار، وبذلك لا يمكن الادعاء أن المسرحية وقفت موقفاً محايداً من طروحاتها المختلفة، بل كان من الواضح أنها اختارت الوقوف إلى جانب الإنسان الذي لا يريد أن ينتهي النهاية التي انتهى إليها بطل العمل وهي تغيير المواقف من النقيض إلى النقيض لا عن طيب خاطر بل بسبب الضغط غير الطبيعي الذي تعرض له في تفاصيل حياته اليومية.

اعتمد العرض في بناء شخصياته على الانطلاق من نقطة محددة وباتجاه واحد، دون الأخذ بعين الاعتبار سوى هذه النقطة وذاك الاتجاه، وانصبّ التركيز على بناء الشخصية فيما يخصّ خدمة فكرة العمل تحديداً دون الأخذ بعين الاعتبار أن الشخصيات الموجودة على الخشبة لها امتدادات واسعة وبكافة الاتجاهات، وبذلك افتقدت الشخصيات الكثير من الحميمية والمصداقية، وبنفس الوقت امتازت بانخراطها في الأهداف العليا للعمل، وهذا أمر مشروع ولا شك، خاصة وأننا أمام عمل مسرحي ينتمي لذاك النوع من الأعمال الذي يفاخر بأنه يحمل رسائل عالية القيمة وليس لذاك النوع الذي يفاخر بأنه يهتم بأدق التفاصيل.

الرهان الأكبر في هذه التجربة كان تقديم وجبة كوميدية دسمة اعتماداً على أكثر من عامل مساعد ومشجع على هذا الخيار، يأتي في مقدمتها النصّ الحافل بالعديد من المواقف المعتمدة على سوء الفهم الذي تنتج عنه مجموعة من الإرباكات التي توقع شخصيات المسرحية نفسها فيها، وهذه المواقف تُعتَبَر من الوسائل التقليدية المتبعة في الأعمال المسرحية ذات الفعالية العالية كوميدياً، وثمة أكثر من موقف زخرت به المسرحية على هذا الصعيد كانت جميعها تنتهي بالكشف عن سوء الفهم بعد أن كان يؤدي دوره في توليد المزيد من المواقف الكوميدية بين الشخصيات، كما أن المفارقة بمعناها الواسع لعبت دوراً هاماً في هذا الإطار، وخاصة فيما يتعلق بتناقض المواقف ووجهات النظر التي يتشدق بها أصحابها في الوقت الذي يحرّض فيه الحدث على نفيها وتأكيد نقيضها.. ويبقى العامل الحاسم في المحصلة وجود عدد من الفنانين الذين اجتهدوا على بناء شخصياتهم شكلاً باعتبار أن المضمون شبه منجز، وقد أدى الفنان حازم زيدان دور الزوج صاحب المبادئ والرافض لأيّ سلوك شاذ والمتبني لمجموعة من المبادئ سرعان ما ينقلب عليها عندما يصطدم بمعطيات الواقع القاسي، ومن الواضح أن زيدان قد تبنى إلى حدّ كبير وجهة نظر المخرج في طبيعة أداء الشخصية، وخاصة فيما يتعلق بالجنوح نحو الأداء ذي الطابع الكوميدي.. وقدمت الفنانة لمى بدّور شخصية الزوجة المستعدة منذ البداية للانخراط في الحملة الشعبية للاستيلاء على محتويات مخازن الطعام تحت وطأة الظرف الاقتصادي، وقد بدت شخصيتها أكثر واقعية من شخصية زوجها الذي يتعالى على الواقع ناظراً إليه من برجه العاجي بينما تبدو هي أكثر التصاقاً بتفاصيل الحياة اليومية، وقد قدمت بدور شخصيتها تأثراً ببعض الشخصيات النمطية التي عرفتها الكوميديا التلفزيونية السورية في فترة من الفترات.. أما الفنان قصي قدسية فقد أضاف في هذا العمل جديداً إلى مجموعة الشخصيات المتعددة والمتنوعة التي سبق أن قدمها في المسرح، مجسداً شخصية الجار والصديق الذي يبدو أكثر معرفة من صديقه الزوج بواقع الحياة اليومية، لذلك نراه سباقاً إلى التأثر بما يدور حوله من أحداث متسارعة، وكان من الواضح ذلك الانسجام بين قدسية وزميله حازم زيدان وهما يقدمان مشاهدهما المشتركة التي تفاعل الجمهور معها بشكل كبير.. من جهتها قدمت الفنانة سالي أحمد أداء متوازناً في تجسيدها لشخصية الجارة المنجرّة وراء أفكار جارتها، وربما المالكة لقدر أكبر من النقمة على الوضع الاقتصادي الضاغط، وامتاز أداؤها بعفويته واستقلاليته في رسم ملامح الشخصية.. وقدم الفنان حسام سلامة مجموعة من الشخصيات ذات القاسم المشترك وهو انتماؤها في معظمها لشخصيات الشرطة بمختلف تفرعاتها وأقسامها بالإضافة إلى دور الأب الذي ظهر في القسم الأخير من العرض وترك أطيب الأثر عند المشاهدين.. وبدوره أدى الفنان خوشناف ظاظا مجموعة من الشخصيات، منها شخصيات نسائية، أظهر فيها براعته المعهودة وهو الممثل الذي يعرف المخرج أيمن زيدان كيف يقدمه ويجعل من مشاهده قليلة العدد نسبياً ذات أثر واضح لا يمحى.    

وتبقى الأسئلة معلَّقة دون إجابات نظراً لتعدد الاجتهادات ووجهات النظر: هل نجح أيمن زيدان في تقديم مسرح يجمع بين استقطاب أعداد واسعة من الجمهور من جهة والمحافظة على المستوى الفني والفكري لعروض المسرح القومي من جهة أخرى؟ وهل تمكَّن من تقديم مسرح بديل لما هو جافّ وقاسٍ ولما هو مبتذل ورخيص؟ وهل كان خياره بالعودة من جديد إلى عمل سبق أن قدمه مرتين في فترات زمنية متباعدة في مكانه؟ أعتقد أن الجواب على هذه التساؤلات هو جواب يُختَصَر بكلمة واحدة، مع الاحتفاظ بحقّ الجميع بإبداء وجهات نظرهم مهما كانت.

سوبر ماركت

الديكور والأزياء والدمى: ريم الماغوط

الإضاءة: علاء الكيزاوي

موسيقا: غالب زيدان

مكياج: خولة ونوس

تصميم الإعلان: دانا الإمام

مساعد المخرج: خوشناف ظاظا

شارك في تجسيد الشخصيات: يوسف النوري-سمير أبو عساف-مازن صلوح-عماد سعيدان-سامر لوباني

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني