كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

القراءة.. فنّ المضغ الذي لا تجيده إلّا البقرة

أوس أحمد أسعد- خاص فينكس:

هكذا وُلِدْنَا بأفواهٍ جائعة للطعام كما للأسئلة. أفواه، تتهجّى كتاب الوجود، مستفهمة جاهزة لامتصاص الغذاء المعرفي، ولتمثّل الأحاسيس الهضميّة، باللّذة نفسها التي تلتهم بها الثمار والأكل. حيث تتجلّى معادلة الأخذ والعطاء، بأبهى حلّة. رحلة هضميّة يقودها فعلا الاستهلاك وإعادة الإنتاج الأزليّين، تبدأ بدائرة الفمّ وتنتهي بدائرة الطّرح. وإذا حاولنا أن نشعرِنْ الكلام قليلاً، سنصل إلى ما قصده المفكّر "هشام شرابي" بقوله: "الآن عرفتُ ما الذي عناه نيتشه بأنّ القراءة هي فنّ المضغ الذي لا تُجيدُه إلّا البقرة". سواء أكان المضغ ماديَّاً، أو معنويّاً، فمساره الهضمي هو ذاته. حين تتفكّك وتتحلّل السكريّات والمعادن والماء في الجسم لتضخَّ دم الحياة في الخلايا والأعضاء بما فيها الدماغ ـ الذي يبدأ بدوره بامتصاصها وتحويلها إلى أفكار وصور حيّة، كونها تشكّل الوقود الأحفوري الضروري لإنتاج للفكرـ فإنّ جدليّة الهضم المزهرة هي التي تتكلّم، حيث يتمّ امتصاص المفيد وطرح الرّديء.

وبهذا المعنى، حتى الفعل "الجنسيّ"هو نِتاج للثقافة الهضميّة، حيث الفمّ والأعضاء التّناسليّة هما أماكن التهام اللّذّة الأساسيّة . ولدى "فرويد" نرى المرحلة الشرجيّة، وهي نهاية مسار المرحلة الهضميّة، تمثّل المرحلة الجنسية المعرفيّة التالية للمرحلة الفموية. وهنا يؤكّد الكاتب والباحث السّوري "حنّا عبود" بأنّ: الأساس هو الشّبع أوّلاً، الذي تليه مرحلة التّلذّذ لدى الطفل، أيّ المدلول الجنسي الفرويديّ. وحتى آليّة إنتاج الحلم الجميل أو الكابوس المزعج، تحكمها أحياناً، تخمة المعدة، أو فراغها من الطّعام.هذه الثقافة الهضميّة لها دور كبير في صياغة وتكوين شخصيّة الفرد، وتنويع اهتماماته وثقافته.

فإذا كانتْ حالة الشّبع، تسبق الجنس والتلذّذ ـ مع أنّ هذا الأخير يمثّل جوعاً بمعنى آخرـ فإنّ مفردات هذا الأخير قد غزتْ مجالات الأدب أكثر من سابقتها، إذ نرى أنّ الثقافة الهضمية هي من نقل المفهوم من ماديّته إلى مجازيتّه، ومن أوصل الأمور إلى حدّ العقاب والتحريم "التّابو". حيث خُلق الرّمز "الطّوطمي" يوماً ما وعُبدَ، ثمّ أُكِلَ وتمّ تمثّله فيما بعد. (صناعة إله من التّمر وأكلَه، طقس المناولة المسيحي) ولعلّ هذا ما أسّس لثقافة الأضاحي والعقاب والثواب، ومنه اشتُقّتْ مفردات وقيم ثقافة البطولة وتمجيدها، حيث كانت القبائل المتناحرة حين انتصار بعضها على الآخر تلجأ إلى التهام قلوب الشجعان، أو أكبادهم وكلّ ما يظنّون أنه يكسبهم القوّة والصحّة.

وقبل هذا الالتهام الثقافي والمادّي للّحم البشري كان ثمّة التهام للّحم الحيواني، حيث يُقتَطع قلب الأسد أو كبده أو طحاله ويلتهم. لكن هذا الشّكل الوحشي لتمثّل الثقافة الهضميّة، لن يحجب عنّا، الوجه الآخر الحضاريّ لها وقد ارتقتْ بمجازاتها، الحدّ الكافي لتغدو التهاماً ثقافيّاً جماليّاً يكثّفه القول المجازيّ الشّعبي بـ:/عيني قلبك ..كدليل على المحبّة. أو يا لقوّة قلب ذاك الرجل، ككناية عن البأس والجسارة./ وهانحن نتلمّس مفهوم "الكرم" بتجلّيه الواضح كانعكاس للثقافة الهضميّة أيضاً، من خلال توصيف حالة الاحتفاء بالضّيف، بالقول: فُرشَتْ لنا مأدبة كبيرة وأُكرِمَنَا بما لذّ وطاب من صنوف الطعام المختلفة. كما رفدت حاسّة الشّم الثقافة الهضمية بأنواع شتى من المذاقات والمعارف. إذ قدّم الأنف خدمات جلّى للحليمات الذوقيّة التي كانت لا تعرف سوى مذاق/ الحامض، الحلو، المرّ، المالح / لندرك بعدها من خلال الأنف فساد الأطعمة، دون الحاجة لتذوّقها. فلو لم يقدّم الشّم مثل هذه الهديّة للتذوّق لما ارتقى المفهوم الجمالي الأدبي الناهض على سلّم الحواس وهباتها التّذوقيّة المعرفيّة، ومن بعدها عُمّمت مفردات المفهوم في المجال الاجتماعي على شكل/ كراهية، اشمئزاز، نشوة، اشتهاء إلخ/

ولو فتّشنا في ثقافتنا وموروثنا الشعبي،الغزليّ لرأينا هذا التّوظيف والاستخدام للمفردات الهضميّة في التعبير عن الانفعال الجمالي، حسب "حنا عبود" حيث اقترن الحبّ بالأكل والجنس بالالتهام، يقول المصريّون بلهجتهم المحبّبة: / وَكلك مننين يا بطّة، شفايفك عسل وخدودك فراولة / وتقول مواويلنا الشّعبيّة: تفّاح صدرك، رمّان صدرك / أو اقتران الحبّ بالشّم، والشّمّ شريك الهضم: خدودك ورد جوري، نفحات صديرك زهر اللّيمونا /. وقد قيل لشدّة تأثير الحاسّة الشّميّة على الهضميّة أنّ الإنسان يبدأ الطعام بهداية من أنفه، حيث يرتاح الكائن لرائحة دون الأخرى، وهذا بدوره فرز ثقافي اجتماعيّ تطوّريّ، إذْ لم يكن سابقاً يفرّق بين طعم وروائح الأطعمة، ثمّ غدا ينتقي من الطعام ما يناسب ذائقته وتطوّرها، لينعكس ذلك في مفرداته الجماليّة المستخلصة من تجربته الهضمية الشّميّة ، إبداعاً وأدباً.

وهذا ما نجد صداه في مفردات الهضم التي غزتْ الأدب، والنّقد حيث يُقال: / لذة النصّ، تذوق النصّ، هضم النّصّ، عذوبةُ الكلام، طزاجته / ويقال: التذوّق الأدبيّ والفنيّ والجماليّ، أو أنّ لغة الكاتب أو الشاعر تكاد تُعصَرُ عصراً لشدّة مائها وأدبيّتها .. إلخ . ثمّ لننتبه إلى أنفسنا أثناء تلقّي نصٍّ جمالي أو محاولة تشريحه، ألا نبدو كمن يتلمّظ أو يرتشف صوره ومعانيه، لكأنّنا نقوم بالتهامه وتمثّله واجتراره ، وإعادة إنتاجه. كما أنّ ارتباط الثقافة الهضميّة بمفهوم الإثم والثواب والعقاب نرى صداه معكوساً في النصوص والأساطير القديمة والمقدّسات فـ الإله "كرونوس" خوفاً من أن ينحّيه أحد أبنائه عن العرش، كان يقوم بقتل أبنائه لإرضاء أخوته الذين ينافسونه بشأن الاستيلاء على العرش، وكانت طريقة القتل تتمّ عبر الابتلاع. ثم عاد ابنه "زيوس" ـ الذي هرّبته أمّه إلى جزيرة "كريت" وقدّمَتْ لزوجها صخرة ملفوفة بأقمطةٍ وأطمارٍ فابتلعها بدلاً عنه "ياللغباء!" ـ وقام بتحرير أخوته من جوف أبيه. وكذلك كان شأن جريمة قتل "قابيل لأخيه هابيل" التي تبدو مثالاً واضحاً على الثقافة الهضميّة والشّميّة، إذ قبِلَ الإلهُ التّوراتي "يهوَه" قربان "قابيل" ورفض قربان "هابيل" المكوّن من نبات الأرض وزرْعِها، بينما قربان الآخر كان مشكّلاً من لحم الغنم. وذلك من خلال انجذابه لرائحة الشّواء. ثمّ حدثتْ الجريمة، وتشكّلتْ منظومة من الضوابط حول الثواب والعقاب والإثم. وصدى هذه الأسطورة نجده منعكساً في ثقافة بيئتنا عبر تقديم اللّحوم للضّيف كدليل على مكانته الاجتماعيّة واحترامنا الخاص له، بدلَ تقديم الوجبة النّباتيّة. فهل نحنُ، نتبع سنّة وطقوس الإله التّوراتي يا ترى، دون أن ندري؟!.

ثمّ ماذا بشأن الشّفتين أو الرّضاب؟ كأدوات هضميّة ثقافيّة، ألم تتحوّل بدورها إلى مفردات عالية الجمال، حيث نقول: / شفتاك كرز، رضابك رحيق وعسل، مبسمها كحبّة اللوز والفستق/

ولكن هل يعني ذلك أنّ الشعر وثقافة الجمال هما منتوجان هضميّان؟ بالمطلق. لا، فقط ما نعنيه هو التأكيد على دور "الشيفرة الهضمية" في تأسيس الكثير من مرتكزاتنا نحو علم الجمال والأدب وقد تحوّلت تطوّريّاً إلى المستوى المعنوي، وارتقت مدارج الحسّيّ والتّجسيديّ إلى التجريدي المجازيّ، ومازلنا نقول حتى الآن، انطلاقاً من ثقافتنا الهضميّة: / العينُ لا تشبع، والأذن لا تمتلئ والأنف يلهث جائعاً على بوابة الروائح والطّيب/.  

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني