جوهرُ الوعي... ووعيُ الجوهر...
كتبت ليندا ابراهيم- فينكس:
"الثقافة قمرٌ لا يغيب... آنَ استوى التَّاريخُ على قمَّة الشُّهُب"..... د نجاح العطَّار
"الثقافة ذات الكرامة.. لها إشعاعُها الخاصُّ، تلمحُهُ في بريق العيون ووَضَاءة الجبهَة وجَلالِ العقلِ ونصاعَةِ الموقفِ، إشعاعٌ يكشف الزيف ويصارع التلفيق ويضرب المخاتلة................. "يوسف إدريس"
الأمة هويَّةٌ، والهويَّة ثقافة، والثقافة دينٌ ولسانٌ ووجدان"............... أحمد بن نعمان
الثقافة...
أولُ جواب يتبادر لذهني عندما واجهني هذا السؤال، ولأول مرة: ماذا تعني الثقافة، ومن هو المثقف.. استمهلتُ كعادتي، فهذا هو السؤال السهل الممتنع، إلى أن أدلى الآخرون بآرائهم، وجُلُّها كانت أوجهاً أو بعضَ أوجهٍ من الجواب حتى قلتُ: من الممكن أن نجمع المعارف والعلوم والشهادات التعليمية والأكاديمية من أدناها لأقصاها، ومن المفيد أن نضرب في طول الحياة والأرض وعرضهما فنَخبَرَ ونعيشَ ونكتشفَ الكثيرَ الكثير.. لكنَّ مجموعةَ هذه العلومِ والمعارفِ والمهاراتِ والخبراتِ التي تتكوَّنُ لدينا في النهاية، وعندما تنعكسُ في الشخصيَّة والفكر والعملِ والنتاجِ سلوكاً حضارياً راقياً بمجملِ قِيَمِهِ الإيجابية، عند ذاك نقولُ بأنَّ فلاناً "مثقف".. وهذا ما تعنيه الثقافة... كنتُ وقتذاك في مراحل دراستي الأولى.. والإنسانُ ابن بيئته وتنشئته وتربيته الكُبرَى والصُّغرى وما يثقفُ نفسَهُ بهِ مع الأيَّام ومنذ اشتداد عوده...
وكان البدء بالكتاب.. القراءة.. المطالعة... وكانت جميع فنون المعرفة وضروب الثقافة: من سينما ومسرح وشعر وأدب ورواية وقصة الخ... وكان العلم والتعلُّم.. فإذا به يفيض على لسان القلم حبراً صادقاً.. ويسيل من عين الدواة دمعاً لثقافة تبكي من يضيعها.. ومع الزمن.. كانت المعركة الأشرس والأكبر.. معركة وجود أو نفي.. إثبات أم تهميش.. إحقاق حقٍّ أم سكوت على باطل.. وكان الميزان: "الثقافة"، والكلمة الفصل لها... فبينَ أن تعرف وتعلن معرفتك وتثبته موقفاً، وأن تعرف ولا تعلن، وأن تعرف وتعلن ولكن لا تثبت موقفاً معرفياً، كانت الرَّحى تدور لتفرز الصُّلب من الحَبِّ، والقذى من العين..
الساحة الثقافية مفتوحة للمشاهد كافة، ولكنَّ للزمن اصطفائيةً عجيبة الدقة.. "فالبقاء لِمَن هو أصلحُ وأبقى"، ومن أهم المفارقات التي نعيشها هي الهوة بين ما يقال ويعلن من أقوال وأفكار وما يترك من آثار وإنتاجات فكرية أو إبداعية، وبين ما يتم سلوكهُ في الحقيقة.. كثيراً ما سألت هذا السؤال لأصدقاءَ وشركاءَ حقيقيين في الهمِّ الوطني والثقافي، وكان السُّؤال الملازم له: "ترى هل كان الأقدمون من المثقفين يعيشون ما نعيش ولم تصلنا من أخبارهم سوى آثارهم فقبلناها كما هي بغضِّ النظر عن سلوكهم أو مدى انعكاس ثقافتهم في مواقفهم أيام حياتهم"؟ وسرعان ما كان يأتي الجواب فيما تناهى إلينا من أخبارهم وسِيَرِهِم فنتبين الغثَّ من الثَّمين... والسؤال الذي يطرح نفسه أكثر هو: هل يكون مثقفاً وفي عداد المثقفين من يقول ما لا يفعل ويفعل عكس ما يقول، هذا السؤال ندعه إلى حين، فلسنا في وارد فرزٍ، وكما قلتُ للزمن اصطفائيَّتُه الطبيعيَّة العادلة..
إن أخطر الخطر عدم المكاشفة ومراجعة الذات.. وإن أخطر الخطر ألَّا نعيَ نقصَنا فنحاولَ إتمَامَهُ بالثقافة والمعرفة..
الثقافة ملحُ الرُّوح، وكفايَة الوجدان، عبق الضَّمير، وسلافة الكرامة، ارتقاء الفكر، وتعويذة الشموخ، روح الحياة.. وعيُ الجوهر.. وجوهرُ الوعي..
فلنكُن على قدر مسؤولياتنا الصغرى والكبرى.. لتكون بلدنا سوريا بلد الإنسان والحضارة بلداً لا تغيب عنها الثقافة...