كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

لودميلا أوليتسكايا.. كان مجرد طاعون

كامل العامري- خاص فينكس: 

هذا النص يعود تاريخه إلى عام 1988، تتحدث فيه الكاتبة عما يمكن أن يحدث عندما يندلع وباء في قلب نظام شمولي. تم اكتشاف هذا النص غير المنشور في روسيا في ربيع عام 2020، وهو مليء بالفكاهة والإنسانية، ولا سيما في السياق العالمي لوباء فيروس كورونا. ترجمته الى الفرنسية صوفي بينيتش، وصدر عن غاليمار، تاريخ النشر: 29-04-2021.مجرد طاعون كتاب

 روسيا، شتاء عام 1939. المدينة مدفونة تحت الجليد، لقد اجتاحتها عاصفة ثلجية. قطع عالم الأحياء رودولف ماير أكثر من ثمانمائة كيلومتر لتقديم بحثه إلى السلطات حول سلالة شديدة الضراوة من الطاعون. فعمل بمفرده، ليلاً، على إجراء التجارب في المختبر لدراسة الطاعون ثم كان يتعين عليه الذهاب إلى موسكو لحضور مؤتمر، بعد هذا الاجتماع أدرك فجأة أنه كان مصاباً، وأن كل مَن مرَّ به يمكن أن يكون مصاباً أيضاً، وفي مستشفى سانت كاترين، تم التكتم على التشخيص الذي كان يشير إلى الطاعون الرئوي. فنظمت الأجهزة الأمنية مكافحة الوباء بالكمامات والبدلات الواقية وعزل المخالطين. إذ يأتي رجال الأمن NKVD    ليلاً إلى منازل الأشخاص الذين التقوا بماير في القطار أو في الفندق أو في المؤتمر، فيقبضون عليهم، ويودعونهم في الحجر الصحي في المستشفى.

قالت زوجة الطبيب المحلي بارتياح عندما عاد زوجها: "إنه كان مجرد طاعون. كان ذلك فقط".

من الواضح، أن هذه اللحظة الغريبة التي وصفتها بأنها الطاعون (بالمعنى الصحيح) في زمن "الطاعون" (بالمعنى المجازي: الإرهاب الستاليني). من وجهة نظرها، توفر غذاءً للفكر حول التفاعل بين قوة الطبيعة وسلطة الدولة، حتى فيما يتعلق بتعريف القوة السياسية: "السلطة- كما تقول أوليتسكايا- يمكن أن تكون أكثر أو أقل قسوة، لكنها تقوم دائماً على أساس قمع حرية الفرد من أجل مصلحة المجتمع، وهو خير ما تفهمه السلطة نفسها أحياناً بطريقة اعتباطية للغاية. " لكنها كانت تلك هي المرة الوحيدة التي تدخلت فيها أجهزة أمن الدولة في التاريخ السوفيتي، من أجل مصلحة الشعب.

إن وصف الاعتقالات التي نفذت في أقصى درجات السرية، لتجنب أي حركة ذعر، وسوء فهم يبدو شبه محاكاة ساخرة للإرهاب الكبير عام 1937. فالكاتبة تصف "الطاعون في زمن الطاعون". فقد حدث الوباء في وقت كانت فيه الاعتقالات الجماعية التي أمر بها ستالين مستمرة، وكان الخوف من الاختفاء ورعب الاعتقالات والإعدامات واضحًا في جميع أنحاء النص. المؤلفة، مثل كامو، تصف وباءً مزدوجاً، وباء الشمولية لن يُهزم قريباً.

وقد يندهش القارئ الذي يعرف منطق " عملية IPD "(العدوى الخطيرة على وجه الخصوص) أمام ردود فعل الذعر لأولئك الذين أدركوا لاحقاً، أن هذه المرة كانت مجرد حجر صحي.

إن النص ملخص للمسارات الاجتماعية والمصائر البشرية في العصر الستاليني ، والتي رسم لها المؤرخ أورلاندو فيجيس صورة مذهلة في  كتابة  ( الهامسون   Les  chuchoteurs  2009): من بين الشخصيات، كانت تلك المرأة الستالينية المتحمسة التي تؤيد عمليات التطهير حيث ينتهي بها الأمر، بعد اعتقال زوجها ، بالكشف لـ NKVD أنه أخفى طوال حياته أنه ولد في عائلة من الكولاك ؛ وهناك الطبيب الذي كتب رسالة إلى ستالين، وهو يعلم بإدانته بالمرض، يطلب منه فحص ملف شقيقه الذي اعتقل في عام 1937 من دون سبب؛ وهناك مربّي الأوز الذي يجري  التجارب ويظل مقتنعاً تماماً بأن الكون بأكمله تحكمه قوانين الماركسية اللينينية؛ وأستاذ الطب وزوجته، اللذان يلمحان خفية إلى تفوق التعليم اللذان تلقاه في أوروبا. تتضمن القصة (حوالي ثلاثين رسالة، تتصدرها رسالة لـ"شخصية عالية المستوى" بلكنة جورجية، وضع اسمه بين قوسين على أنه ( بيريا).لودميلا أوليتسكايا مجرد طاعون

 يمكننا تلخيص القصة الأقرب إلى الرواية أو الرواية القصيرة، على النحو الآتي: "إنها قصة أزمة صحية في عهد ستالين: يصبح عالم الأحياء رودولف ماير، الباحث عن لقاح ضد الطاعون، وعن طريق الخطأ المريض صفر بوباء طاعون جديد، وهو مرض ذو معدل فتك مرتفع للغاية. بفضل أجهزة الأمن التي فضلت التحدث عن "إنفلونزا" بسيطة لتجنب الذعر، ويتم الحجر الصحي على جميع حالات الاتصال والاحتفال بالانتصار على الفيروس بأغنية وطنية مليئة بالحيوية. كان الوصف موحياً للغاية: مشاهد معينة من حياة موسكو كما لو كانت مرسومة. وطوابير أمام مكتب السجن أو بعيداً حول النار، رجال يرتدون بدلات في حديقة المستشفى الثلجية. إنه الإيجاز ومبدأ الكفاءة السردية وهو نوع من السيناريو يتناسبان مع اوليتسكايا، التي ستعمل بعد بضع سنوات ككاتبة سيناريو في العديد من الأفلام.

*لودميلا أوليتسكايا ، كان مجرد طاعون ،137 صفحة ، صدر عن غاليمارد ، تاريخ النشر: 29-04-2021

*لودميلا أوليتسكايا روائية وكاتبة قصة قصيرة ومسرحية، روسية، مواليد عام 1943، حصلت على جائزة "مديسيس» الفرنسية للرواية الأجنبية عام 1996 عن روايتها (سونيتشكا) التي صدرت عن غاليمار. 1996، وجائزة «جيوزيبيه أتشربي» الأدبية في إيطاليا عام 1998.

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني