بعد فوز ها بجائزة "NOVELFLEX ".. عرابة المانغا السورية: "ديبة" مستمرة بالصدور وستصبح تراثاً
رزان عمران- طرطوس- فينكس:
لا يساعد الحديث مع الفنانة السورية (مادلين عيسى) على الاقتراب من فن المانغا الياباني فحسب، بل يضيء مئات الصور والحوارات التي تحتفظبركن خاص من ذاكرة جيل كانت مسلسلات "الإنيميشن" ذروة مباهجه اليومية، ومتعة لاحقة، ظل يسرقها عبر يوتيوب كلما فاض به الحنين إلى سنوات البراءة الأولى.
مادلين، التي ولدت عام ١٩٧٩، فعلت ما هو اكثر من متابعة مغامرات سندباد وساندي بل وجزيرة الكنز، فسكنتها الصور والحكايات على نحو دفعها لتقليد الرسم ثم إنتاج رسومها وشخصياتها الخاصة، فصنعت أولى قصصها المصورة بشكل بدائي، في الصف السابع، لتبدأ قصتها مع المانغا، فن كتابة ورسم القصة المصورة المتسلسلة، بجهود ذاتية دون الالتحاق بدورات. كان الشغف معلّمها الأساسي في رحلة اوصلتها إلى الفوز بجائزة عالمية من منصة "Novelfex" هذا العام.
تقول مادلين في حوار مع "فينكس": "تعلقت بالمانغا في وقت لم يكن الإنترنت موجودا في حياتنا، فدربت نفسي على تقليد الرسومات التي كنت، كطفلة، أراها واقعية تماماً، وأتخيلها في كل ما حولي. حاول والدي الذي كان يهوى الرسم توجيهي إلى الرسم الواقعي عبثاً، وعند اختياري دراسة الفنون الجميلة وجدت الجميع يخبرني أنها مهنة بلا مستقبل في بلادنا، فدرست هندسة الميكانيك، والتصقت بهوايتي أكثر، إلى أن استثمرتها مهنيا مع شركة "سبيس تون" في إنيمي "دمتم سالمين"، وتوالت مساهماتي مع الشركة ولدى العديد من مجلات الأطفال السورية والعربية، والمجلات الصادرة للأطفال العرب في الخارج.
في ظل تجارب المانغا الخجولة عربياً، عرضت مادلين على الناشرة و كاتبة قصص الأطفال "لينا الزيبق" إنتاج مانغا بقصة سورية بحتة، ونمط ياباني أصيل في الالتزام بقواعد هذا الفن، وفعلا بدأت جهود مشتركة من مادلين ولينا والكاتبة آمال يوسف والباحث تيسير حسن والمترجمة مجدولين عيسى عبر دار الزيبق للنشر، فتم إنتاج سبع حلقات من مانغا "الفتاة الذئبة"، وأرسلت خمس منها للمشاركة في مسابقة منصة "نوفل فلكس" الإلكترونية العالمية لأفضل مانغا، وفازت بالمرتبة الثالثة عند إعلان النتائج قبل خمسة أشهر. وبذلك، شقت الفتاة الذئبة أو "ديبة"، وفقا الاختصار القروي، طريقها إلى العالمية، بما تحمله من طابع بنات الريف السوري في خمسينيات القرن الماضي. وبالنظر إلى عراقة قصص المانغا اليابانية وما عكسته من ثقافة بلد، تتجه "الفتاة الذئبة"، بملامحها الشخصية الواقعية، من عفوية وميل إلى الصمت والتزام بالعمل والتوق إلى الحرية وكسر التقاليد التي تكبلها، لتتحول إلى تراث سوري بمعنى الكلمة، وفقا لمادلين، التي تحلم بتحويلها إلى مسلسل إنمي مشابه للمسلسلات التي عشقتها.
توضح مادلين: "لدى شبابنا ويافعينا تعلق كبير بالمانغا الأجنبية، التي يقومون بتحميلها عبر الإنترنت بصيغة pdf. لذا كان مهماً أن ننتج مانغا سورية كخطوة أولى نحو المزيد. لا نستسهل الأمر أبداً، فقد بذلنا جهوداً مضنية لتوثيق ملامح الحياة في تلك المرحلة الزمنية ورسم الشخصيات بملامح داخلية وخارجية جذابة ومؤثرة، ليكون كل شيء صادقا وواقعيا. "ديبة" ستستمر بالصدور بمعدل حلقة شهرياً، ونعمل في الوقت ذاته على مانغا بعنوان "الشيفرة المخفية" التي نعدها للمشاركة في مسابقة دولية أهم هي "شونن جامب" في اليابان نفسها.
حرصت مادلين على نقل تجربتها خلال ندوة حول فن المانغا في سوريا، أقيمت مساء أمس في مسرح طرطوس القومي، بمشاركة أعضاء فريق العمل الآخرين، حيث قدمت تعريفا بهذا الفن القائم على مربعات قوامها الرسوم الحبرية والحوارات المثيرة التي لا تترك مجالاً لملل، مشيرة إلى ان كثيراً ممن لا يحبون القراءة تستهويهم المانغا لأن الرسومات تختصر عليهم توصيف ما يحدث.
يعتبر التنوع الهائل للمانغا سبباً أساسياً في انتشارها بين جميع الفئات العمرية، بحسب مادلين، فـمانغا "الكودومو" تتوجه للأطفال دون العشرسنوات،ويكونالبطل طفلاً، والسيناريو متركزاً على فكرة تربوية تعالَج بأسلوب استنتاجي غير مكرور.
أما "الشونن" فيتوجه لليافعين وتدور قصته حول بطل من الفئة العمرية ذاتها، بحبكة أكثر تعقيداً وذكاء ووسط أجواء من الحركة والغموض، فيما يختص "الشوجو" بقصص الفتيات الاستثنائيات، والحكايا ذات المسار الرومنسي، وهو النوع الذي تنتمي له قصة "ديبة"، وصولاً إلى "السينن" الموجه للبالغين بطابعه البوليسي أو السياسي الدموي أحياناً، و "الجوسي" الذي يتناول قصص المرأة والمشكلات الزوجية والمهنية بأسلوب درامي.
أعطت مادلين فكرة عن كل من فنون الكوميكس والإنيمي والكرتون، للتمييز بينها وبين المانغا التي تنطوي على خصائص متفردة، فهي بالدرجة الأولى فن استخدام الحبر وتوظيفه درامياً، كونها تعتمد أساساً على الأبيض والأسود، فتكثيف الحبر الأسود يخدم التراجيديا أو الجو المشحون نفسيا، بينما تغلب الخطوط الرفيعة والمساحة البيضاء على المشاهد الرومنسية أو المريحة عموما، إضافة إلى تداخل المشاهد معاً دون التزام بمربعات حوارية متساوية، فضلا عن ضرورة تسلسل السيناريو والتوجه لجميع الفئات العمرية، كما أنها تُكتب دوماً للقراءة من اليمين إلى اليسار حتى وإن كانت بالانكليزية، وتقوم شركات الإنتاج الكبرى بتحويل المانغا الأكثر رواجاً إلى مسلسلات "إنيمي" لاستثمار نجاحها وتحقيق أرباح خرافية.
واشارت مادلين إلى ما اثبته اليابانيون من خيال إبداعي وقدرة على اختراع سيناريوهات ذكية وشيقة جاذبة، مع التزام دقيق بمحاكاة تفاصيل الأماكن والأزياء وغيرها من العناصر، فانعكست هذه الصناعة على اقتصادهم بإيرادات أسبوعية تعادل أحياناً ما تحققه مجلات الكوميكس الأميركية خلال عام كامل، كما هو الحال بالنسبة لمانغا "ون بيس" الذي تعدت مبيعات منشوراته حول العالم الـ٦ ملايين نسخة عام ٢٠١٧، فضلاً عن أرباح الألعاب الإلكترونية المستقاة من قصص المانغا، ومتاحف المانغا التي يقصد السياح اليابان من أجلها خصيصاً، والتي تضم النسخ الأولى من كل قصة، إلى جانب المقاهي التي تستضيف القراء النهمين ليل نهار متيحة لهم فرصة المبيت ليعاودوا القراءة فور استيقاظهم، وصولاً إلى المدن التي تحاكي مسلسلات المانغا، كمدينة "كونان" و"ون بيس" و"هجوم العمالقة" والتي باتت بدورها قبلة للسياح، وظاهرة دور الأزياء "الكوسبلاي" المخصصة لبيع ألبسة شخصيات المانغا تلبية لهوس ارتدائها والظهور بها في وسائل التواصل الاجتماعي، جميعها أمور تؤكد جدوى هذا الفن في الارتقاء بالاقتصاد على أكثر من مستوى، فيما لو تم دعمه ودفعه نحو الأمام.
قام بمهمة التوثيق في مانغا "ديبة" الباحث تيسير حسن الذي تحدث عن جولاته المتكررة في الريف الجبلي الساحلي لتصوير الأشجار والازهار والجروف والأنهار والكهوف والطرقات من عدة زوايا لتنعكس في المانغا على نحو صحيح، فضلا عن مجالسة كبار السن والتعرف منهم على مختلف ملامح الحياة اليومية وأجزاء الدار الريفية ومحتوياتها، والأعمال التي كان يقوم بها الأهالي، والحكايات التي كانوا يروونها وارتباطها بالاساطير، وصولاً إلى السعي لإيجاد كلب هاسكي مناسب للقصة، ومنزل ريفي لا يزال يحتفظ بطابع تلك المرحلة.
و تحدثت الكاتبة أمل يوسف عن أدب الأطفال، و عن قصة"الفتاة ديبة" التي فازت بالجائزة، مؤكدة ضرورة إيصال قيم الصدق و الجمال و احترام الآخر .للطفل من خلال احترام عقله
كما تحدثت مترجمة القصة للانكليزية مجدولين عيسى عن سعيها لاختيار العبارات الأشد وقعاً على القارئ بما يناسب روح القصة التي قرأتها عدة مرات، مؤكدة الدور الذي يلعبه التخيل في ذهن المترجم ليتوصل إلى الصيغة المناسبة وإحداث التأثير المطلوب.
و كانت الندوة مناسبة لتوجيه الدعوة إلى وزارة الثقافة و مديرية ثقافة الطفل من أجل مقاربة قضايا الطفولة برؤية أخرى ذات آفاق أكثر استشرافاً لما يجب أن يكون عليه مستقبل أطفالنا.