كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

نجاة قصاب حسن كما تراه جمانة طه

كتبت جمانة طه:

في العام ١٩٩٩ دعتني إدارة ندوة الشهباء بحلب إلى تقديم محاضرة عن الراحل الأستاذ نجاة قصاب حسن، ومن جمال حظي أن  من قدمني إلى جمهور الحاضرين هو الشاعر والباحث والناقد الحلبي الشهير محمد كمال ببيان ساحر هو نسيج وحده.
ولد نجاة قصاب حسن بدمشق في العام ١٩٢١ وتوفي فيها ١٩٩٧. إنه الدمشقي الذي مارس المحاماة مهنة، والإعلام رسالة، والأدب شعرًا وكتابة، والفن رسمًا وعزفًا وتأليفًا. ولم أجد توصيفًا له أجمل مما قاله فيه عاصي الرحباني: "إن الله عندما خلق نحاتًا، تبقى منقد تكون صورة لـ ‏‏‏٢‏ شخصان‏ و‏أشخاص يبتسمون‏‏ الطين الذي خلقه منه شيء قليل فتركه. ثم خلق شاعرًا فبقي من طينته كذلك شيء فتركه. وهكذا خلق موسيقيًا وأديبًا وناقدًا وسياسيًا وفي كل هؤلاء جمع ما بقي من طين فخلق به وأبدع نجاة قصاب حسن".
ينتمي نجاة إلى أسرة متوسطة الحال، والده سعد الدين كان نجارًا عربيًا، ورجلًا يعرف كيف يفصل بين الحلال والحرام وبين الجائز والممنوع. فالدين عنده كان رجولة وخدمة وسلوكًا، ويميل نجاة إلى الاعتقاد بأن مهنة التجارة منحت والده بناء معماريًا داخليًا متوازنًا، ظهر في أسلوب تنشئته لأولاده. فعلمهم ان يحترموا أنفسهم ويحترموا من يخالفهم في الرأي والعقيدة. ومع أنه كان لا يتفق مع نجاة في أفكاره الشيوعية، إلا أنه لم يضيق عليه لأنه كان يريده رجلًا والتضييق لا يخلق رجالًا. فإلى هذا الوالد، يعود الفضل في كل ما تفتح في الابن من مزايا.
كان نجاة يجد حياة نفسه في حياة وطنه وعاء شَعريًا، ومسننًا صغيرًا في الآلة الوطنية. فالمواطنة عنده ليست شعارًا، وإنما عمل وجهد.وتضحية. كما لم تكن حياته تعنيه، إلّا من حيث أنها خيط ينتظم حبات السبحة وحباتها الآخرون.
كان رجلًا مجربًا واسع الاختلاط بالناس، عرف أهل دمشق بمختلف فئاتهم، في الحياة الاجتماعية وفي العهود السياسية وفي مهنتي التعليم والمحاماة. ومن خلال عشرات الألوف من الرسائل التي وصلته إلى البرنامج الإذاعي المواطن والقانون.
في كتاب المذكرات بجزأيه: حديث دمشقي وجيل الشجاعة، قدم بظَرف عُرف به وبأسلوب سلس، نفسه وبيئته وتجربته ومراحل من حياته. ويمكن لنا أن نعد هذا النوع من الكتابة، شكلًا من السيرة الذاتية- الجماعية التي تنقل التجربة الحياتية الشخصية  إلى مستوى التجربة الإنسانية.
  من خلال تاريخ ولادته نتبين أنه أمضى مطلع شبابه في مرحلة الانتداب الفرنسي، فشارك في المظاهرات ضده وعاش الزخم الثوري الذي كان يعم سورية. ومن شدة إعجابه بالثوار الذي كتبوا قصيدة الجلاء بالبندقية وبالسياسة والحوار، ألف كتابه (صانعو الجلاء في سورية) وصدر بعد وفاته.
سُجن نجاة سبع مرات، وتشرد متواريًا عن الأنظار بين الأمكنة والبيوت والمدن مما وشّى حياته، كما يقول، بتوليفة من الثنائيات الجميلة: العلم والفن، الماركسية والإيمان، العقل والقلب. ومكّنه من أن يقيم بين هذه الثنائيات توازنًا معقولًا ومميزًا في بعض الأحيان.
عالج في برنامجه الشهير المواطن والقانون موضوعات اجتماعية لاحصر لها، منها في مسائل الحب التي استلم من الجنسين آلاف الرسائل بعضها حزين وبعضها طريف.
في محاضرة للأستاذ نجاة ألقاها في مكتبة الأسد  بعنوان: لا تقولوا لدمشق كنتِ، قولوا لها أنتِ. تطرق فيها إلى نسيجها الاجتماعي المتنوع وإلى بعض السلبيات التي تشكو منها،التي للأسف ما تزال قائمة وبصورة أشد. وختم محاضرته بقوله: لا تقولوا لدمشق كنتِ، قولوا لها أنتِ لكي يشعر الناس أن هناك ضغطًا يمارسه التاريخ لتبقى دمشق الجميلة مدينة جميلة، ولكي تُحمى أحياؤها القديمة التي هي صورة الماضي البهية والصالحة للمستقبل، لنمنع عدوان الهادمين على أجمل بنات التاريخ.
وقف مع المرأة في جميع مراحل حياته، لأنها مظلومة مرتين:مرة لأنها مواطنة تعاني كسائر المواطنين المسحوقين من التمييز الاجتماعي والطبقي، ومرة ولعلها الأقسى، من زوجها السيد الطاغي الذي هو في الأصل مسحوق في مجتمعه.
حاولت الاختصار، مع أن البحر لا يختصر في زجاجة، وذلك بسبب ضيق المساحة على الفيس بوك ولكي لا أثقل عليكم أصدقائي. فما أتيت على ذكره هو القليل القليل  مما قدمه من فكر وعمل للمجتمع الدمشقي والسوري.
أتمنى أن تدرك الأجيال الحالية والقادمة معنى الرسالة الحضارية التي دأب الأستاذ نجاة على إرسال ومضاتها عبر شاشة التلفزيون السوري وعمل على توضيح رموزها، وحلم بأن يرى حضارتنا الأصيلة ترتع في ربوعنا من جديد وتمشي بيننا على قدمين.!!
رحم الله نجاة قصاب حسن
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني