يلزمني بحرٌ من الكلمات لأكتبَ لكَ... يا صديقي!
2021.08.28
جواد ديوب- فينكس:
يلزمني بحر من الكلمات لأكتب لك يا صديقي، وكلما أردت الكتابة أنتهي إلى كتابةِ الّلاشيء. محضُ صور تأتيني منك ولا أعرف أيها أختار. ولكن أعرف تماماً أنّي كلما تذكرتك ألعَنُكَ في البداية وفي النهاية. ألعنك ربما من إحساس بأنك بعيدٌ لا تُطال، وأنّ بُعْدَكَ هو اختبارٌ ساخرٌ من اختبارات الحياة القاسية.
أخاف أن أكتبَ لك فأقع في مطبِّ الكتابة العاطفية ومغطس المشاعر، لكني لا أستطيع تذكرك أيضاً دون شحنةٍ مكهربة من المشاعر تجعلني أتعرق و أنضغط.
آمنتُ دوماً بقدرتي على استحضار من أحبّهم بقوة المحبة نفسها، وها أنتَ تتصل بي في اللحظة التي أكتبُ لك هذا. أضحكُ وأسخرُ من أوهامي التي تُحوِّل المصادفات إلى تجلّياتٍ لمشاعري، وأستمر في لعنك لأنك اتصلتَ ومنعتني من محادثةِ شخصك الآخر الافتراضيّ. ولكن لا بأس! لوجودك عبر الهاتف معنىً آخر هو أنني ما زلتُ قادراً على السفر نحوك من دون اختراع المعجزات بل ببساطة التقنيات أو بغبائها ربما.
أتذكر الآن ما كتبتُ مرّةً لحبيبتي المسافرة في السفر: "صوتُكِ حضورٌ يصلني بالعدم، وصورتُكِ غيابٌ يسلبُ مني خلودي الشخصي. فَرِحٌ بكِ، أُتمتم في قلبي بكلمات تفهمينها قبل أن أحكيها وحين أسبقكِ لقولها تعيديها لي أكثر نقاوة من مرآة."

وأكتب هنا: مشفوعٌ بقدرتي على الغناء أحدثكَ يا صديقي نغماً حزيناً وأضحكُ من بلاهتكَ في الغناء، وأحسدك على براعتك في الشِّعر، وحين أتذكر "تفلسفنا" القديم باجترار الحديث عن أن "هنالك شيء ٌ ما يحدث"... أكتفي بالصمت وحزنٍ عميق.
(توقفتُ عن الكتابة ذاك اليوم) والآن أعاودُ الكتابة لك بإحساس مختلف، ليس الشوق ولا هو حاجة الحديث مع صديق مقرّب، وليس أبداً بداعي الواجب، وليس لأنني حزين... إنما هي الرغبة بوجود شخص يجلس في الطرف الآخر من الكوكب ولديه تسعةٌ وتسعين اختلافاً جوهرياً عن شخصيتك، لكنه رغم ذلك هو شخصٌ جميل! لكن المشكلة في الكتابة لكَ هي أنني أبدأ بحساب التفاصيل: من طريقة وشكل الكتابة، إلى تقطيع ودوْزَنة الكلمات، إلى اختيار الذكريات بدلاً من تداعيها، والخوفِ من ارتكاب حماقة الحشو والبلاغيات والتنميقات بدلاً من العفوية، ومن ثم تجنب الحديث عن الخصوصيات خوفاً من تلك النزعة المضمرة في تحريف كل ما نقوله.
أما "المشكلة" في الكتابة عنك هي أنني لا أحسب حساباً لذلك كلّه (مرة أخرى أتوقف عن الكتابة لأني لم أعد أعرف ما الذي يمكن أن أتقاسمه معك بعد عشر سنين وحياة كاملة تعيشُها أحياناً بعزلة جارحة، وأحياناً بدهشة طفل يريدُ أن يعبّ الحياة ويمتصّها مثل إسفنجة!)
ودائماً يغريني تعذيبك بالحنين، فلا أكفّ عن حشرك في ذكريات أستحضرها بعجالة، وعندما تعانِدُكَ دموعُك، وتحاولُ أنْ تسْكَرَ بدلاً من البكاء، أُمعِنُ أنا في تشريدك أكثر على أنغام عودي، وأستغربُ من أين لي كل هذا العنف، وأعتذر لكَ في مخيلتي، ثم نتابع الغناء فرحين بأنّ ما مررتَ/مررنا به هو مجرد هلوسات عقلٍ فاضَ بألمه.
*
"بتعرف شو؟"، أنا "بفكّر فيك بالعاميّة"، وعندما أودُّ مخاطبتك أكتب لكَ بالفصحى. وهذه مشكلة، إذ سيكون عليك أن تفكَّ شيفرة المعادلة التي تقرأ، عليك أن تعرف ما الذي فكرتُ فيه، وبما أحسستُ قبل أن تقرأ ما كتبتُه، أو ربما عليكَ أنْ تُمسِكَ برهافة ذاك الخيط المتموّج بين التفكير والكتابة، بين الإحساس وكتابة ما تُحس به. عندها ستدرك كم هي متعبة كتابة رسالة إلى صديق. متعبةٌ أكثر من أنْ تُغنّي له أغنية يُحبها حتى لو لم يكن صوتك جميلاً. متعبة أكثر من أنْ تفكر بمكالمته حتى لو تضايقت من نبرة الحزن في صوته.
*
لا أكترثُ لمزاجيتك المعتادة في التواصل، لذلك أمارس عليك ديكتاتورية متشددة فألزمك بالسكوت والاكتفاء بتدخين سجائرك فلا يحق لكَ فيما أتخيّلُه أن تتفوّهَ ولو بكلمة. أعدِّلُ قليلاً في التخييل، إذ لا داعي لهذه الافتراضات عن قمع وتسلّطٍ يبدو أننا اكتسبناها بحكم العادة واليوميات في واقعٍ نعيشه، يكفيني أن أكتبكَ وأشكّلك من أحرف الأبجدية حتى أمارس عليك رؤيتي لشخصيتك.
مشكلةٌ أخرى في الكتابة عنك هي أنني سأكون مضطرّاً لحبسك في تعريفاتٍ وصفات، ومع أشخاص، وفي أماكنَ ربما ببساطة لا تحبُّ أنتَ أن تكون فيها. هنا من جديد فرقٌ بيني وبينك كنتُ دوماً أميلُ إلى اتّهامك فيه: "رغبة الروائي في الخلق"! رغبة ٌ في السيطرة على عوالم الشخصيات، تحريكها، تعريتها، تعريضها للخطر، قتلها، تخليدها، وربما تقمّصها، وبالتالي وهْمُ السيطرة على العالم من حولنا.
أتّهمك، غيرَ مبالٍ بردّة فعلك، بـ"نرجسيّة الروائي" الكامنة فيَّ أصلاً، وأضحكُ من متعةٍ خبيثة في مطاردتك حتى وأنت نائم، لأحشرَ نفسي في حلمٍ من أحلامك، فقط كي لا أنتهي نهايةً مُحزنةً كما في أحلامي هذه الأيام، فأنا لم أعد أضحك في أحلامي كما كنت دائماً، لم أعد أرى نفسي في الحلم أضحك ضحكاً هستيرياً، لم أعد أستيقظُ على صدى ضحكتي لأسترجعَ -على خدر النعاس الصباحي- حلماً أجملُ ما فيه هو وجهي المبتسم لنكتةٍ طريفةٍ أو مقلبٍ دبّرتُه في المنام لأحد الأصدقاء المَجَانين!
*
- "يا كلب يا ابن الكلاب"... كانت تصيحُ في وجه أي شخص يقابلها بابتسامة معتقداً أنها -كأيام زمان- ستردّ التحية بابتسامتها التي دوّخت شبابَ الضيعة!
- "الله يرحمك يا ليلى، بشرفي يا جماعة كانت زينة هالضيعة".
- "كلّن كذابين، أحسن واحد فيهن كان يقول عنها "شرمو..." ويتمنى إنّو يبوس رجليها" (يهمس أحدهم لصديقه الجالس بحواره).
- "يا أوادم، ليلى كانت طاهرة وعفيفة متل ستّنا..."!
- "ليك الخرا ابن الخرا، ما حلّ عنها لحتى جنّنها".
- "القصة وما فيها يا ربْع إنّو لازم...".
كان من الممكن يا صديقي أن أبدأ هكذا وأن أختارَ اسماً لبطلة حكايتي: ليلى! لكني صيّادٌ فاشلٌ؛ أقعُ دوماً فريسةَ الكلمات: الحب، الحنين، الذكريات، الموسيقا، الغربة، السفر، البحر، آخرُ الليل وأوّلُ الجسد، أوّلُ التباريح وآخر التهويمات...
ضَعْ ما شِئتَ من الكلمات فكلُّ واحدةٍ منها كِسرةُ زجاج تحتَ أظافري أو ضَعْ ما شئت من الصفات فلستُ أنا سوى صداها.
*
أو ربما أبدأ هكذا:

"آآآآآخ، آآآآآخ، كاسة شاي يبو، كاسة شاي وحبّة زيتون يا يامو. ليش تاركتيني لحالي رح موت أنا يا يبو... دخيلكن"!
هكذا تصيحُ "حبّاب" ذات المئة وعشر سنوات لابنتها "غزالة/أم خليفة/جدتي الثمانينية"، تصيحُ حتى تتعبَ وتملَّ أو حتى تُحضِرُ لها "غزالة" كأسَ الشاي المعتاد، أو حتى أحضُرَ أنا مع عودي لأعزفَ لها بركاكة مبتدئ ما اجتهدتُ ليل نهار لـ"أتحالى" به، فتتوقف عن الأنين واصطناع البكاء، وتُغنّي لي ما انحفرَ في جيناتها من مواويل: "أوووف أوووف أوووف...
والبِيض كسْروا ضَهْري/ والسِّمْر حلالي كيلو الحرير بليرة/ وكيلو القطن بـ ريالي".
"تلات ريام عالمورد يملّون/ مكاوي نار لقلبي يملّون
وكْ عَجَبْ يا ناس عن دربي يميلون/يخمّنوني غريب من الجِناب".
ثم تلوكُ بفكيّها المرتخيين حباتِ الزيتون مُحاوِلةً تركيزَ عينيها الصغيرتين -اللتان بالكاد تريان- على وجهي المندهش كأنها تتشمَّمُ ما سأقوله بفرحٍ بِدائيّ.
لم أعتقد بأن جدتي "حبّاب" ستموت يوماً. اعتقدتُها باقيةً مثل شجرة السرو قدّام البيت الترابيّ، أو أنها مثل غيم الشتوية؛ تغطُّ بعيداً في خيالاتها وسماواتها، ومن ثم ستعود بالتأكيد. لكنها ماتَتْ... ماتت وأنا بكيت. بكيتُ لأنّي، حين تركَتْ صوتَها على جدران غرفتها ورحلتْ، كنتُ في المدرسة ولم أستطع أنْ أُحضِرَ لها كأسَ الشاي الأخيرة، وما زلتُ أغصُّ بدمعي كلما أكلتُ حباتِ الزيتون مع كأس الشّاي أينما كنت!
*
ضع ما شئت من البدايات أو من النهايات يا صديقي، لكنك تعرف تماماً كم هو صعبٌ قول الحقيقة/حقيقتك/حقيقة ما عِشتَهُ يوماً... وتعلم أيضاً كم هو مؤلمٌ وجارحٌ عدم قولها أبداً.