كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الدراما التلفزيونية الصائبة.. "الدوغري" مثالاً

تمّام علي بركات - خاص فينكس:

جودة العمل الدرامي التلفزيوني، تكمن أولا في الورق – السيناريو- الحكاية، لذا فإن الكثير من الأعمال الدرامية العربية والمحلية، استندت على أعمال أدبية رفيعة، سواء في الفكرة والطرح، أو في تحويل العديد من هذه الأعمال الأدبية إلى أعمال درامية، وكان من حسن حظ الجمهور، خصوصا الشرائح التي لا علاقة مباشرة لها بالقراءة، أن تم تحويل بعض هذه الأعمال الأدبية الرفيعة، إلى أعمال درامية، فحققت نجاحا باهرا، ولاتزال تحقق في كل مرة تُعرض فيها. وفي تحويلها إلى أعمال مرئية، تيسر لمن لم يقرأ العمل الأدبي، أن يشاهده على التلفاز، الوسيلة الأكثر انتشارا بين الناس قبل ظهور وسائل السوشيال ميديا.

 من هذه الأعمال الأدبية الفذة، رواية "زوبك" أو "الفهلوي" للكاتب "عزيز نيسن" (1915 – 1995) التي تم تحويلها محليا إلى دراما تلفزيونية حملت اسم "الدوغري"غلاف رواية زوبك

 تدور أحداث العمل، في قرية صغيرة تدعى (كوم الحجر)، ولهذه القرية مجلس بلدي مكون من (إبراهيم بك الدغري – دريد لحام) و(جاسم عباس – عبد الفتاح المزين) رئيس الدرك، و(الحاج بدر الفهمان – حسن دكاك) شيخ القرية و(البارودي – أحمد عداس) صاحب فندق صغير “قصر النعيم”، ورئيس البلدية (حمزة – عمر حجو)، ويضم المجلس أيضاً عضو المعارضة الاشتراكي (قدري أفندي حقي – يوسف حنا)، وكذلك تضم القرية مستوصفاً طبياً تعمل به (الدكتورة مها عبد الحميد – جيانا عيد)، ومدرسة يعمل بها (أحمد هلال).

 يستغل الـ”دوغري” سذاجة أهل البلدة والمجلس البلدي ويقوم بمجموعة من الخدع والاحتيالات ليسرق أموالهم، ويساعده بذلك مساعده (جلال – أيمن زيدان)، كما يقوم بخداع الجميع بعلاقاته مع الحكومة والمسؤولين، ويستخدم الدوغري نفوذه ليصل إلى شخصيات مهمه مثل: القائم مقام والمحافظ، لكن ذلك لن يمنعه من الذهاب في المنحى العاطفي الذي يتعاطى به وفق المنطق نفسه -الخداع والمكر والكذب- لذا يسعى للحصول على قلب الدكتورة “مها” بأساليب مختلفة، ويكتشف أن أستاذ المدرسة "أحمد" على علاقه معها، فيدبر له المكائد ليبعده عنا وينجح بذلك؛ في النهاية يترشح للنيابة، ويفوز كنائب وينتقل للعيش مع زوجته الدكتورة مها في العاصمة، تبدأ الدكتورة باكتشاف خداعه للبلدة والمجلس البلدي وتقرر هجره والرجوع للقرية. يكتشف الدوغري في النهاية أن مساعده (جلال) قد تعلم منه أساليبه، وبدأ يعمل المكائد وقد بدأ بالدوغري نفسه.من الدغري

المسلسل السوري الذي تعرضه واحدة من القنوات العربية هذه الأيام، والذي قام بتحويله إلى عمل درامي تلفزيوني، السيناريست والناقد الراحل “رفيق الصبان” (1931 – 2013)، وأخرجه هيثم حقي، بُنيّ على أساس متين، وهو جودة الحكاية، لذا فمن الطبيعي أن يلقى أعلى نسب المتابعة حين تم عرضه عام 1988، كما يحظى بها الآن، وهذا من معرفة آراء عينة عشوائية من المشاهدين، فالحكاية ملائمة لكل زمان، وكل مجتمع فيه بالتأكيد هذه النماذج، الشخصيات بما ترمز إليه، وعلائقها القائمة على المصالح الشخصية أولا، دون أن يكون لحضور الناس في تفكيرها كما يتم تقديمها، أي نصيب، إنهم مشغولون بالدسائس بين بعضهم البعض، وإذا حدث واتفقوا مرة، فلأجل مشروع وهمي، يتم فيه الضحك على الناس وسرقة أموالهم، والمجلس البلدي إما مشترك عن جهل بذلك، أو هو من المبتلين “النصبة” نفسها، والتي وراءها “الدوغري” نفسه، مجهول النسب في تلك المنطقة، حتى لأهلها، الذين لا يعرفون إن كان منها أو لا أساسا.

عدا عن كون أن الكوميديا السوداء، حاضرة ببراعة في هذه المأساة الاجتماعية، إذ هي تشتغل بدراية في لعبها وتبادلها منطق السرد البصري والحواري بين الرمزي والمباشر، في اسقاطات ذكية، لماحة، سهلة الوصول للمتلقي، وهذه من الخيوط التي عرف “الصبان” أن يكون فيها وفيا للقصة الأساس، أو لمعظم ما جاء في القصة الأساس، أيضا جمال القصة وما فيها من حبكات درامية متقنة، وحسن التعامل معها، إن كان في الحوار البارع، أو الصورة الموظفة لخدمة الحكاية، المونتاج البصري السلس والمزاج اللوني العام المناسب للحكاية.من مسلسل الدغري

 والأهم من بين العناصر الفنية للعمل وفق رأي شخصي، هو انتقاء الممثل المناسب للدور المناسب، توليفة منسجمة من الفنانين السوريين الذين حملوا أعمدة ذلك العمل، ليقوموا بتأدية أدوار كاملة في الشكل الفني المطلوب، كل شخصية يؤديها ممثل يبرع فيها، هو تماما هي.

وللتأكيد نفول: المعادلة الذهبية في كل زمان ومكان لأي عمل درامي بأنواعه "مسرحي، سينمائي، تلفزيوني، تكمن في العنصر الأهم، القصة الجيدة وبالتالي السيناريو المحكم، فعندما تكون القصة جيدة، سيكون الحوار جيداً، وبالتالي سيكون أداء الممثل أفضل، فجودة الحوار تؤثر على جودة الأداء، والعكس صحيح، وما يؤكد ما ذهبنا إليه هو أنه ما من عمل درامي حظي ببذخ إنتاجي هائل، بقادر على النجاح مهما تم حقنه بـ: "المفخمات" الدرامية، -بيوت فخمة، سيارات فخمة، أزياء عالمية، اكسسوارات وديكورات مبهرة، تقنيات تصوير ومونتاج وتصحيح ألوان من أحدث ما تم التوصل إليه، سيقان وصدور عارية، وغيرها مما تكون "الفخامة من مواصفاته-، إن كانت القصة ضعيفة، ما سيعدي الحوار بالركاكة ليصبح ثرثرة مجانية بلا قيمة، والأداء بالارتباك، وهذا رأيناه في أعمال لا تُصدق كمية البذخ الإنتاجي عليها، لكنها بقصة ضعيفة ففشلت، واليوم هذا ما لا يتم الاعتناء به، في العديد من أعمالنا الدرامية، جودة القصة لا تؤخذ بالحسبان، ومن هذه النقطة بالتحديد بدأت الدراما المحلية بالانهيار، ليس منذ عام أو عشرة، بل قبل ذلك.

قيام العديد من المحطات التلفزيونية، يإعادة عرض بعض الأعمال الدرامية الجيدة اليوم كالدوغري، يعيد للذهن تلك الفترة التي كانت فيها الدراما السورية، تراعي جمهورها وتحترم عقله، وتخاطبه بلغة فنية عالية المستوى والاسقاطات الواضحة الدلالة والترميز، باختلاف مزاجه الفني وخلفيته الثقافية.

 

 

 

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني