كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

شهادة في مديح الاستواء (1)

الصحراء أقوى حجّة في مديح الاستواء، والعداء لكلّ ما متّ بصلة للكيان، بما في ذلك للكينونة برمّتها، وما تبنّيها للتسطّح إلّا شهادة صريحة على افتتانها بالمستوى الأفقي، في هندسة الطبيعة الأمّ.

وهو ما يدفعنا لأن نشكّك في هوية المبدأ العمودي في خارطة حضيضنا السفلي، بوصفه تجديفاً في حقّ المشيئة الإلهيّة التي لفّقت طينة الكون. وعلّ أول درس في المسألة يلقّنه لنا دهاة البستنة الذين يعلّموننا، عند تقليم الأشجار، الحرص على قطع كل عرف أو فرع شذّ عن القاعدة، فارتفع كي يبلغ الجبال طولاً. والواقع أن الطبيعة نفسها سوف تهرع لنجدتنا بالبرهان عندما ترينا كيف تطيح الأعاصير أو الصواعق أو الزلازل بكل جرمٍ استكبر وتعالى وانتوى أن يتنكّر لسجيّته الأرضيّة، ليحلّ في محافل النجوم ضيفاً. فالتوق للحلول في سماء المحال شطحة حميميّة تكاد تتحوّل طبيعة ثانية، إن لم تكن أولى، في كل جرمٍ صار له حضيض الأسافل وطناً. الجبال المكابرة نفسها موسومة ببصمة الحنين لارتياد سماء المجهول، كأنّ ما بلغته من الارتفاع ليس منحةً ربوبية نالتها من دون كل الكائنات، فإذا بها تتطلّع لانتزاع المزيد لإشباع استكبارها، وإلّا لما نزلت في حقّها الشهادة القرآنية الرادعة: «لو أنزلنا هذا القرآن على جبلٍ لرأيته خاشعاً متصدّعاً من خشية الله». (الآية ٢١ـ الحشر). فكلّ ما نال سلطاناً على الواقع السفلي، مجبول بالخشوع أرضاً، مدعوّ للسجود أرضاً، لا التطلّع إلى أعلى، والجبال المصطفاة لاحتلال منزلة سموّ، مجبرة على الركوع لممارسة طقس صلاة. ذلك أن التوق العميق لامتطاء معراج الوجد (أو فلنقل المجد)، هو، في مفهوم الربوبية، تطاول. تطاول على المشيئة الألوهية التي خلقت الأرض سكناً، ونصّبت السماء للمثال وطناً. وهو ما يعني أن محاولة التنصّل لطبيعتنا السفلية، واستبدالها بوطن الرؤى السماوية، تجديفٌ. تجديف صريح في حقّ ناموس الكون، وفي حقّ العرف الذي سنّته الطبيعة ليكون في وجودنا دليلاً.

وسيرة برج بابل هي الدليل الصريح الذي تهبه لنا المتون المقدسة كحجّة على حقيقة الكيان كتجديف سافر في حقّ الربوبية. فاعتناق النموذج العمودي في أي تكوين أرضيّ هو، في شرع الاستواء الصحراوي، إيمانٌ بالوثن، تسويقٌ للنشاط السفليّ للصنم. فالبريّة عراء حميم. عراء سمح. عراء فتّان، وسحره في التحرر من كل ما يحجب الرؤية. ولذا فهو إغواء مفتوح على اللا محدود. ولا يستدرجنا، لننقلب في قبضة رهائن، إلّا بفتنة الأبعاد القصوى. إنه في نظرنا فردوس. فردوس اعتدنا أن نعتقده مفقوداً، ولكن طغيانه في الحضور يدعونا لأن نؤمن به قيمةً قابلة للاسترجاع. هذا الإيمان بالقدرة على استعادة الغنيمة القدسية الضائعة حافزنا في أن نستنزل في حقّه ماهيّة معبود. فالمدى، فالاستواء المحموم، فالعريّ المسكون بروح البعد الضائع، بروح الحلم الضائع، يغدو الوطن الجدير حقا بحضور آي المعبود. وكل نصب، أو كيان، أو جرم، يعتلي هامة هذه الخشعة الآسرة، هذا البساط المستبسط، المجبول بآية المبدأ الذي كانت البساطة له طينةً، طبيعةً، معدناً، سوف يعني تطاولاً، تشويهاً، تشويشاً، تزييفاً، تجديفاً في حقّ ما كان له التنزيه تنزيلاً؛ لأن التنزيل العزيز في الآية ينبّئنا بأن تنزيل الفرقان على الجبل وحده الضمان لإعادة الجبل إلى رشده، بتجريده من استكباره، كي يتطهّر من إثمه. فالاستواء بُعْدٌ أفقي. وهو لا يتجلّى، كما يليق به أن يتجلّى، إلّا في البسيطة، التي لن تكون جديرة بهذا اللقب الجليل، ما لم تستعر واقع الفسحة الصحراوية، التي تأبَى أن يخدش حياء الأفق في رحابها أيّ شيء، لسببٍ بسيط وهو أنها: حرم!

الصحراء حرم لأن الأفق فيها مطبوع بحريّة أبعادٍ ثلاثة، لا روح لوجود بغيابها، وهي: الشعر، والجمال، والحبّ!

وحضور الربوبية في مكان بهذه الخصال رهين حضور هذه القيم الثلاث. لهذا السبب ترفض الصحراء قيام كيان في ساحتها، يمكن أن يذكّر بحرمة مقام، لأنها تأبى أن تشرك في حضرتها معبوداً غير المعبود الذي صارت له بالسليقة حضناً، صارت له بالسجيّة، مقاماً.

ذلك أن الصحراء في حقيقتها ترجمة لطبيعة علوّ، لطبيعة سموّ، والبرهان تتحفنا به لغات العالم القديم، المستعارة من لغة التكوين الأتلانتيّة في حداثة عهدها بالوجود.

ففي حين اعتمدت لغات كالمصرية والليبية واليونانية والعربية كلمة on، للتدليل على التعالي، أو السموّ، أو الاستواء، قامت لغات أخرى كالسومرية، والمنبثقة عنها، باعتماد تلك الدلالات في كلمة: ur.

ولمّا كان الـ o هو تحوير لفظي خفيف من الـ u، والـ n ما هي إلّا تحوير طفيف من الـ r، فإن ألسنة الأمم القديمة سوف تُجمع على وحدة الكلمتين، سيّما إذا آمنّا بمعالجة علّامة لسانيات مرجعي في مقام "ابن منظور"، الذي يؤكّد حقيقة سواكن ثلاثة هي الراء والنون واللام (L,n,r) ممّا يجيز معاملتها كحرف ساكن واحد يستطيع أن يتعاقب دون أن يفقد المدلول.

فالدلالة التي يجود بها علينا هذان المصطلحان هو مسيرة تبقى منكرة في عرف الألوهة وهي: الصعود. الصعود في مفهوم التطاول، المنصوص عنه ككبيرة كبائر في أسفار العهد القديم من خلال نموذج البرج البابلي؛ لأنها محاولة لانتزاع لا عرش الربوبية وحسب، ولكن انتزاع صلاحيات الربوبية أيضاً. ولكن هذا الصعود، المترجم في الـon، أو ur، لا يلبث أن يستعير هوية أخرى ما أن يستقيم في استواء: الاستواء في بعده الصحراوي، الواقع في مقام يرتفع على مستوى سطح البحر بما لا يقلّ عن الألف متر، كما الحال مع الصحاري؛ ممّا يهبها الحقّ الطبيعي لتكون جديرة بالبعد الأيغوري الذي يبيح لها التمتّع بالاصطفاء كمنزلة منزّلة مسكونة بروح الألوهة، لأن أي وطن أحقّ بأن يكون مقام الله إن لم يكن الوطن الوحيد الذي صارت له الحرية قدراً، كما الحال مع الصحراء؟

فهل يخطئ الفريق الذي ينعت الصحراء بالعدم؟

لن يخطئ بالطبع ما دامت الحرية، في بُعدها الأقصى، ليست سوى عدمٍ. أوَ ليس رهان الحرية، في هذا البعد الأقصى، على الموت؟

وماذا يضير إذا كان الحضور في الحقيقة، رهين الحضور في الموت؟

لهذا السبب لا وجود، في عرف الصحراء، لكيان في ساحتها ما لم يكن دار عبادة، ما لم يكن حرم صلاة. وأحسب أن إنساناً مسكوناً بروح الصحراء كالإنسان المصري القديم، لم يخطئ عندما شيّد، على سطح اليابسة، أعظم نماذج العمران، في صيغة معابد منذورة للألوهة، في حين لم يجرؤ حتّي الفرعون على تشييد قبره الأبدي على سطح اليابسة، ولكن في باطن الأرض، ليقينه بأن جلاميد الأعمدة، المنصوبة نحو الأعالي، لتخترق الفضاء في رحلتها نحو السماء، بذاك الوضع العمودي المكابر، هي من نصيب الألوهة وحدها. أمّا الأسافل، عميقاً في بطن التراب، فذاك بيت الفانين حتّى لو تغنّوا في حياتهم بالانتماء إلى ملل الآلهة!

المثوى يبقى، في الفخامة، ودقّة التقنية، قصراً ملكيّاً في الجوف، لا يقلّ عظمةً عن معابد الأعالي، كما سيتفاجأ كل مَن أتيحت له الفرصة فحلّ ضيفاً على مقابر "وادي الملوك".

نلاحظ في الآية السالفة أن الخشية لم تشفع للجبل خطيئة الاستعلاء، لأن الفضاء المستنزل أبَى إلّا أن يضيف قصاصاً مترجماً في حرف التصدّع. وهو ما يعني أن التوبة لا تعفي من تصفية حساب حتّى لو كانت الخطيئة من صنع الطبيعة نفسها، فكيف إذا كان الذنب المقترف من صنع المخلوق؟ وهي النزعة التي لا حقت كل المنشآت العمودية، التي أُريد لها أن تكون أنصاباً تتمرّد على الوضعيّة الأفقيّة لوجودٍ شيمته الخضوع، لتتسوّل إعجاباً هو، في عرف القدر، تحدٍّ لا يُغتفر، فتندثر أعمدة أطلانطيدا، وتنهار الأعاجيب السبع بدايةً بحدائق بابل المعلّقة، ونهايةً بمنارة الاسكندرية، مروراً بنصب جزيرة رودس، تماماً كما انهار برج بابل، وكلّ ما أُهلّ به لغير الله تعالى، الذي لم يصر له «التعالي» صفةً، إلّا ليعي ذوو الألباب أنها الصفة التي اكتسبت حرمةً، لتستقيم بالطبيعة اسماً، هو، بالمشيئة، حكر، التجديف في حقّه إثم. ومازال دهاة التقوى في بلاد السند ينظرون إلى قمّة «إفرست» بوجلٍ غيبيّ، منتظرين قيامة تلك الشظية الخرافية الطائشة، في انطلاقتها الحمقاء عبر الفضاء، ليقين ورثوه في الصحف الفيديّة عن اللعنة الرديفة لما ننعته في لغتنا بالتطاول، فنستهين به، ولا ندري أن قبول السلطة، أي سلطة، على الأسافل، هو تطاول، وبالتالي، تجديف لا يُغتفر في حقّ الغيوب، لأن قدر الأسافل اعتناق دين الاستواء، الذي لن يعني في رطانتنا سوى التسليم؛ هذا الاستواء، هذا التسليم، الذي كانت له الصحراء وحدها رائداً، ولم تكن لتستحقّ لقب «وطن الله» إلّا لهذه البطولة.

لهذا السبب كانت السلطة، في كل الثقافات، شركاً، رجساً، لا يُشترى إلّا بالموت. فما لا يجب أن يغيب عنّا هو حقيقة الطبيعة كحرمٍ بتول، لا يكفي أن نتشبّث بتلابيبه، كما يوصي اسبينوزا، ولكن علينا أن نتعلّم تلاوة الصلوات في محرابه. وكل نصب نشيّده في مساحة استواء، نسمّيها في واقعنا صحراءً، هو استباحة. هو انتهاك. هو انتصار لمكيدة الوثن، وبالتالي، تجديف في حقّ براءة، ما لم يكن سلطان الأعمدة إتقان لمسلّة معبد!

وحكمة الطبيعة هي التي قضت بكسر شوكة الشرّ في سلطة العمود، المفتون دوماً بالصعود، لا في أنصاب الصلد وحدها، ولكن في عالم النبوت أيضاً، مستخدمةً الصواعق والأعاصير والزلازل في ردع فئة المردة، الظامئة لخلود ليس من طينتها؛ والخلاص لا يتحقق إلّا في المحو: محو الحدود. محو الأبعاد. محو التعالي، وارتضاء التسليم ديناً، حيث يتماهى العمودي بالأفقي، بفضل التسوية الملفّقة من طينة البيداء، لتتصالح الأعالي بالأسافل، السماء بالأرض، الروح بالجسد، لتهيمن الحرية في المدى المفتوح، لتستعيد الأجنّة فردوسها الضائع بحرف العهد، لنكون شهوداً على ميلاد معجزة اسمها: الحبّ!

ابراهيم الكوني

سكاي نيوز

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني