"حرائق خضراء" للشاعرة لجينة نبهان.. الشعّر نهرٌ ملتهب!
جواد ديوب- خاص فينكس:
ندخل في ظلال المفارقات منذ العنوان كعتبة أولى إذ تجعلنا كلمة "حرائق" في المجموعة الشاعرة لـ"لجينة نبهان" (الصادر عن دار سويد للنشر والطباعة والتوزيع/2021) نتأسّى على أنفسنا ونتوجّعُ ونستعيدُ آلام حرائقَ طوّقتنا من جهات الأرض كلها؛ لكن كلمة "خضراء" تجعلُ أرواحَنا بلمسةِ الشِّعر الشافية تورقُ بأملٍ نَضِرٍ يُحيي ما تبقّى من أنفاس، ويُسْري فينا نسغاً جديداً عذباً، فالشاعرة "النبهان" تعلم بحدس الشاعرة وغوامضِ أفلاكها ومداراتها
أنّ ما مِنْ نارٍ إلا وتحمِلُ في لهبها قبساً من نورٍ يضيءُ عتمة الليل والأروح معاً. لذلك تقول في خضّم مجموعتها الشعرية ما يمكن أن يُضيء المعنى الكامن في العنوان:
"كنتُ فراشةً مرّةً
ومرّةً كنتُ ناراً
واحترقتُ في التّجلّيين
في كل فراشةٍ قبسٌ يبحثُ عن نارِه
وما من نارٍ
إلّا وفيها أثرٌ من فراشة!"
والزمنُ بأثقاله يدخل علينا مباشرةً في مقدمة الديوان محمولاً أو منعكِساً على سطح مرآة في إشارة واضحة إلى مرور العمْر. تقول:
"يهبط بي مصعدُ العمرِ
إلى العقدِ الخامس!
(...)
نعم هي الحقيقة..
الحقيقة الّتي تؤكّدُها المِرآةُ،
الّتي انتبهتُ إليها فجأةً
ولن أعاتبها على تسكعها الطويل
دون أن تحرسَ ملامحي!"
لكن عبورَ الزمن، وصمتَ العزلة أو الكائنُ المنعزل...لا تدخل الرعبَ إلى جوف الشاعرة بل هي تلجأ إليها بعيداً عن ثرثرة البشر وفوضاهم، كمن تحتضنُ أكوانها الخاصة بقدرة موسيقيٍّ يعزفُ ألحانه "المينماليّة" التي تُضخّم صمتَ الروح المتفرّدة فتجعله مديداً مثل نوتة تكّرر نفسها مع تنويعاتٍ طفيفةٍ كما لو أنها ترغب –رغم عزلتها- أن تنتشر على الكون بأكمله. تقول:
"بعكسِ اتجاه هواجسِي؛
لم تعدْ تشغلنِي الألسنة الممدودة!
لا رغبة لي بالركضِ؛ أيضاً.
تأسرنُي اليوَم الأشياءُ الكامنة في السكون
كموسيقى (المينيمالية):
صوتٌ واحدٌ
يمتد في اللّحظة
ليصل أقاصي الروح
ينجبُ من صلبه وحدَه
كونشيرتو
أرقصُ عليه بكلّيتي... ويغيبُ الكون".
بهذه البساطة تلفتُ الشاعرة نظرنا إلى طاقة كونية غير مرئية -إنما محسوسة بشكلٍ غرائبي- تصِلُ بين الشعراء (ذكوراً وإناثاً بطبيعة الحال) والمرايا. هل أقول بين الشعراء و"المرآة" باعتبارها سطح البحيرة التي تمرأى بها "نرسيسُ" الأسطورة (أوّلُ الشعراء النرجسيين) فغرِقَ -من خُيَلائه- في نفسِه؟!.
"يدُ القدرِ تمطنّي هي الأخرى
في اتجاهين متعاكسين!
فتستطيلُ روحي؛ لتعودَ
وتستطيل!
أعصرُ قلبي كما لو كان خِرقة ظننتُها بُليتْ
لولا زعقَتْ روحي... وأوقفَتْني!"
هكذا فإنّ "ثيمة" المِرآة تُعاودُ الظهورَ بتنويعاتها اللانهائية بين طيّات المجموعة الشعرية الممتدة مثل الصدى أو "المتصادية" من أوّل شهقات الخيال حتى آخر ارتعاشات الغواية:
"- جسدُكِ لا يُجيدُكِ. يقولُ الحبُّ.
-تقولُ مرآةُ البيت: لم أرَ تلك الشّامة يوماً
كما لو أنها عاشقةٌ تحاول التّخفّي
في ثوب راهبةٍ انتهى بها المطاف... بين الهضاب!
يرتعشُ الجسد من مجرد الكلام...
فتهمّ يداهُ بستْر حجلين كادا يقفزان... من فرط الاشتهاء".
وهكذا أيضاً بجموحِ الشاعرةِ المتمرّسة في خوض "الكِباش" مع عقلها ذاته بما يُحيل إليه من "تعقّل" وكبْحٍ وصحوٍ لا تريده روحها الصاخبة الراغبة بالانعتاق... تخاطبُه فتقول:
"يا أيها العقل انسَني
في مرايا الغافلين عن المدارات
وسافر في تلافيف انتمائك وحدَك
لي خطوةٌ أو خطوتان
على طريق جنوني المخبوء في اللاوعي... اخبَرَني الصدى
لي ضحكةٌ أو غمرتان... لحنٌ يُراقص مهرتي...أو رقصتان".
ثم تلفت نظرنَا من دون تمهيد جملةٌ باللهجة العامية كما لو أنها "نوتة" موسيقية "نافرة" من سياق "كونشيرتو" الشاعرة، لكنها جملةٌ مهمة لفهم مناخات الشاعرة رغم هفهفة "الغِنائيّةِ" التي طبعتْ معظم المجموعة الشعرية.
هكذا تقول الشاعرة بعد أن كانت سابحةً على غيماتِ الرومانسية وهي تُخاطب حبيباً/ذكراً/عاشقاً مفترضاً ما... تقول كما لو أنها تُلمِّحُ إلى واقعٍ مؤدلجّ أو إلى "شعبوية "ديماغوجيّة" ومن دون أي توطئة:
"كلّما همّتِ الفكرةُ
بالصّوتِ...
علا الهتاف..."إنتْ لا تفكّرْ...نحنا منفكّر عنّك"
وعلى الإيقاعِ تميدُ القضبان اللامرئية طرباً
النهرُ المحتَضِرُ
ينعي النبعَ وذاتَه!"
ثم بجرأةٍ روحها المتمرّدة -وهي صاحبة ديوان "لستُ سوى بعضي"- تهجو مَن يدّعون حراسة الأخلاق والشرف فيما هم أوّلُ المنافقين والمنتهكين والمتعامين عن كواليس واقعٍ مُرٍّ يعرفونه تماماً لكنهم أقل جرأةً من أن يُجاهروا به:
"مُذ ألبسوني عقلَهم
صِرتُ نصفَ حيّةٍ
أعرجُ بالحياة
وحين قالوا: ناقصةَ عقلٍ ودين.
هجوتهم بعقلٍ ودينٍ
رميتُ الناقصَ من نقصي في زعمهم
ومضيتُ أبحثُ عن إلهٍ
لا ينفيني"!
(...)
حينَ صنعوا بكارةً كبديلِ شرفٍ مهدور
ظننتُ أنّ على الرؤوسِ إعادةَ النظرِ ببعضِ ترَّهاتها!
لكنّ أجساداً ما زالَتْ تمشي حتّى اليوم
منتعلةً رؤوسِها شامخة القدمين!
بينما أخرى تحتشدُ على الأبوابِ الخلفيّةِ
لعياداتِ الشّرفِ
تبتهلُ طهارتها
بنكوصٍ فذّ"!
وبين التماعة عاطفةٍ وصخبِ التمرّد، بين صِدقِ الحبّ ومجازات الشّعر تحملنا الشاعرةُ فوق أمواج مجموعتها هذه التي بلا عناوين فرعية أو قصائدَ منفصلة بل تبدو كما لو أنها دفقٌ شِعريٌّ يشبه نهراً وقد تحوّل إلى شلال. تقول:
"في سياقٍ قد يبدو غير متّصل؛
أكره كلَّ الأيديولوجيّاتِ
وحمّالاتِ الصدر
ومشدّاتِ البطن
وعقود النكاح
كُرهيَ لكلّ السجون...
*
في سياقٍ متّصلٍ
أحلُّ الشريطةَ السوداءَ عن أعلى الصورة
لا كي يعودَ الراحلون من غيابهم
كل ما في الأمر أنني أحاول تحريرَ أيديهم...
أحتاجُ عناقَهم كاملاً".
وأيضاً ترقصُ الشاعرةُ "النبهان" على إيقاعاتِ قلبها ومشاكسات عقلها، فتارةً تهدينا ورود الاستعارات الشعرية المشغولة بنكهة الحب العبِقة، وتارةً تهزّ اليقينيّات بأسئلةٍ أو ومضاتٍ نستشفّ عِبرها كم هي شاعرةٌ اختبرت نار الحرب والحب معاً، وكم هي مشغولةٌ بهاجس الراهن/الآن، وقلق المستقبل/الوطنِ الغائم كسؤالٍ بلا جواب.... سوى أنْ يكونَ الحبُّ هو جوابنا النهائيّ على كل شيء.
"خذني إليكَ لأرتديكَ
خذني إليَّ
لتحتويني
لا عرشَ إلا ساعديك
حين همستَ في جسدي أن: زمّليني
فوهبتُ مرساتي
لكلِّ ذي شكٍّ...ويخشى
ومشيتُ نحوي... حيث أنتَ
واخترتُ أن أبني يقيني"...
وهكذا إلى آخر المجموعةِ/النهر.