ما بين انهيارين...
ليندا ابراهيم- فينكس:
وأنا أتابعُ أحداثَ "كابُل" الأخيرة، ما كانَت لتغيبَ عن ذهني تلك البوادرُ التي أطلقها "خالد حُسيني" في روايته الأهمِّ والأشهرِ، ربما، "عدّادُ الطَّائرةِ الوَرَقيَّة"، حيثُ لم يَعُدْ ثمَّةَ مكانٌ للأيديولوجيا، ولا حاضنةٌ لـ"الإنتيليجينسيا"، ولا رأي للمثقفين والعارفين، يُسْمَعُ أو يُعتَدُّ به، على دَوِيِّ وحشِ القرون وأفيونِ الشُّعوب، الآتي بقوةٍ من أعمقِ خلايانا وعقولنا وتَرِكاتنا الرديئة الثقيلة، وتراثاتنا العاجزة، حيثُ التَّديُّنُ الإرهابيَّ، أو الجناح الإرهابي العسكري للطائفية والإثنية والمذهبية، القادمة على بساط ريحِ الثورة التكنولوجية، وعلى متن عابرة القارات الفوقيَّةِ المعرفةِ والعِلمِ والديمقراطيات المشبوهة، وعلى أجنحة المؤسسات المتعددة الأهداف والجنسيات والأساليب في سحق هُويَّاتِ الشُّعوبِ والسَّيطرةِ على ثرواتها...
أتذكَّرُ ذلك "الهازاريَّ" النَّقيَّ الطيبَ مع "أخيه" الذي أصبح كاتباً مرموقاً، والذي لم يكن يعرفه بينما يعمل لديه كخادم، إلى هرب العائلة لاحقاً عشية الغزو "السوفياتي" لأفغانستان، وتحت وطأة الغزو الخارجي، والإرهاب الداخلي تمت الهجرة إلى منبت الحريات، وموئل الديمقراطيات، صانعة الإنسانية، والتي تنظِّر وتخطِّطُ للشُّعوب مستقبَلَها، وتنفذُ بالعينِ المستعمِرَةِ الاستعلائيَّة ما تراهُ "كفراً وخبثاً" أفضلَ لهذا الشعبِ أو ذاك...
ذلكَ المهاجرُ الفارُّ الذي احتضنَ كمشة ترابٍ من أرضِ "كابُل" قبيل المُغادرة ليتنشَّقَها قبيل وفاته لاحقاً في "ميتشيغان" بعد سنوات من الغربة والمذلَّة وفقر الحال، بينما ترك ابنَهُ الآخرَ الخادمَ، تحت رحمة الظَّلاميين الطَّالبان، وليقضي شهيد الدفاع عن بيته عِرضِه ووطنهِ الذي استأمنه عليه صاحبه قبيل الهجرة، شهيد الموقف والواجب وضريبة البقاء والصمود، الطالبان العائدين للتو الآن وإلى "كابُل" نفسِها كَرَّةً أخرى، ليُهينوا الأخضر واليابس الحجر والمدر بعد الإنسان وحرمته وكرامته أينما وطئوا...
ذكَّرَني هذا بهروبِ أصحابِ المالِ وهجرتِهم في جنح الظلام، لدى أول عدوان أو حرب، تاركين بلدانهم تحت رحمة ليل لا نهاية له...
ذكَّرَني بأحدِ أهمِّ المَلامِحِ الثقافية والاجتماعية قبيل انهيار جدارِ بِرلين تسعينات القرن الماضي، وبالتالي انهيار الشُّيُوعية لاحقاً، حيث وصلت هذه النظرية - الأيدولوجيا إلى مراحلها الأخيرة العقيمة حيثُ لا إصلاحَ ولا تغييرَ ما لم يترافق بانقلاب جذري إل فوضى حتمية لا ضوء نهائياً لنفقها...
تذكَّرْتُ كيف كانت طبقةُ الإنتيليجينسيا تطبعُ سِراً أو تُهاجِرُ من إحدى الألمانيتين إلى الأخرى طلباً فقط لحرية القول والرأي والثقافة...
تذكَّرتُ هذا تماماً، ونحنُ نعيشُ نهايةَ العشريَّةِ الحربيَّة الظَّالمة على سوريا، حيث لا صوتَ لمثقفٍ حقيقيَّاً يخترقُ هذا الظَّلام، علماً أنَّ منهم من الأنقياءِ، من لو وُضِعَ في مكانِهِ اللائق لأعادَ الثِّقة ورمَّمَها، بالثقافة والفعلِ الثقافي القادرَيْنِ على اجتراحِ المعجزات...
ذكَّرني هذا كلَّه بصديقي الذي رفعَ القلمَ، بعدما جفَّفَ صحفَ عقلِهِ وحِبْرَ قلبه، ليُعلِنَ قيامة روحِهِ هو، هو الذي طالما اجترحَ نظرية "الخلاصِ الفرديِّ الإيجابيِّ"، بعدما عَدِمَ وسيلةَ الخلاصِ الجَمَاعيِّ مع كوكبة من المُثقَّفين العارفين المضَيَّعين.
تُرَى... هل نَضُبَ صوتُنا أيضاً لدرجةِ العجزِ فالصَّمْتِ بعدَ الحيادِ والمُداوَرَة والنَّأيِ والسُّكُوت، فلم تنتفضْ فينا ذرَّةُ روحٍ لخَيَارِهِ المُدَوِّي للرُّوحِ هذا...
لمثلِكَ تُرفَعُ القُبَّعاتُ صديقي...
ولمثلِ خلاصِكَ نَتُوقَ ولو فردياً فهذا أضعفُ الإيمان...