لايمكن سجن ضمير فرنسا الحر.. لا يمكن سجن فولتير
أوس أحمد أسعد- خاص فينكس:
استُدعِيَ الفيلسوف والمفكّر الفرنسي والأديب "جان بول سارتر" إلى الخدمة العسكرية عام 1940م إلى الوحدة الجويّة المتمركزة في "الألزاس" لكنّ الألمان المتقدّمون سرعان ما اجتاحوا المنطقة وأسروه هو وزملاءه. ومع ذلك لم يتأثّر نتاجه الإبداعي بالأمر، بل زاد غزارة بشكلٍ لافت، فكتب مسودّة كتابه الفلسفي الأشهر "الوجود والعدم"، الذي يُعتبر تطويراً واستكمالاً وردّاً على أفكار الفيلسوف الألماني "هايدجر" بكتابه "الكينونة والزمان". وقد أشاد كلا الفيلسوفين عمارتهما الفكريّة على مداميك فلسفة "هوسرل" الظّاهراتيّة.
لم يخفِ "سارتر" إعجابه بأفكار "هايدجر" النازيّ التّوجّه حتى وهو تحت الأسر. لكن ما إن أُطلقَ سراحه حتى عاد إلى باريس وأسّسَ مجموعة مقاومة، شكّلها من المثقفين الفرنسيين، بمن فيهم عشيقة عمره "سيمون دي بوفوار، و موريس ميرلو ـ بونتي" ثمّ بدأ بكتابة مسرحية تحريضيّة تحضّ على رفض المحتلّ الألماني، وهي مسرحيّة "الذّباب" التي عرضت في باريس 1943م تحت نظر وسمع النازيّين. كما عُرضَتْ مسرحيّته "في الكميرا" بعدها بعام وتُرجمَتْ إلى الإنكليزيّة تحت عنوان: "ليس هناك من مخرج "، ثمّ تابع إكمال الجزأين الأوّلين من ثلاثيته "دروب الحرية" وهما "سنّ الرشد، وقف التنفيذ".
ومع انتهاء الحرب أطلق صحيفته الأدبيّة "الأزمنة الحديثة" التي شكّلت نقطة تحوّلٍ في حياته وثروته أيضاً، بعد أن ترك التّدريس نهائيّاً. ساهمتْ رواياته ذات المضمون الفلسفي "الغثيان" و"الدّوامة" وكذلك ثلاثيته "دروب الحرية" بفضح الواقع المعيش عبر طروحاتها المعرفيّة الوجوديّة المليئة بالمرارة و اليأس والاغتراب. تلك الطّروحات التي طوّرها ونمّاها، من خلال تأمّلهِ الطويل لصراع الفرد مع وجوده كمحاولة لفهم الحياة بكلّ حدودها. حيث حاول استكناه علاقة الكائن الأصيلة بالعالم، وعدم اعتماد مقاربات الآخرين عنه بطريقة غير أصيلة. وهنا يبرز جهده التّطويري واضحاً لأفكار "هايدجر" حول قضيّة ارتداء الأقنعة، وتبنّي الأدوار العامة، بدلاً من التصرّف بشكلٍ أصيل. فليس هناك من خطأ أو صواب مطلقين يمكن الإلمام بهما من خلال كتاب قواعد جاهز. فقد نشعر نحن وربّما، بدافع الخوف بإغراء رفض تقبل المسؤوليّة عن تصرفاتنا وخياراتنا، فنختار تفسيرها حسب التأثيرات الخارجية. لنقبل أدواراً أعطانا إيّاها الآخرون. وهذا بالنسبة لـ "سارتر" بمثابة إيمان سيء. إنه متوازٍ مع الخيال، الذي يواجه الناس من خلاله مواقف من الغموض وعدم اليقين، ويجبرون على مواجهة أنفسهم وخياراتهم. والمثال هنا، هو مسرحيّته "الجدار". حيث يواجه شخص موقفاً يرتّب عليه إمّا الحياة أو الموت، وعليه حسم أمره، بخيانة رفيقه أو لا.
وهاهو يشرح مفهوم سوء النية: بأنّه التصرّف نتيجة لخداع ذاتي، وربّما، يعني بشكلٍ خاص، فصل الرغبات غير الواعية عن الواعية، كما لو أنّها ليست جزءاً من الذات. هكذا ينتقد إغراء الترويج لما يمكن أن نصبح عليه بدلاً مما نحن فيه. ما يسمح للخيال بالسيطرة على الواقع، حيث يبرز خطر أن نصبح ما نعتقد أنّ الآخرين يريدوننا أن نكونه. لقد شكّل كتابه "الوجود والعدم" القائم على رؤيته الفلسفيّة الوجوديّة لمعضلات حريّة الإنسان ورغبته بالأصالة، الأساس لفهم الوجودية عموماً. وكان من أسباب نجاح هذا الكتاب رغم صعوبته، بل ونجاح الوجوديّة إجمالاً في فرنسا في تلك المرحلة، قدرتها التّصويريّة لأمنيات وأفكار أولئك المجبرين في ظروف الحرب أن يعيشوا من أجل اللحظة الراهنة بكامل كثافتها المتعويّة، إذ كان الخوف من المجهول يهدّدهم باستمرار.
كما عكس هذا الكتاب المهمّ والمليء بتحليلاتٍ أنطولوجيّة رصينة. مفهوم وأفكار وسلوك "سارتر" بخصوص الجنس، ونظرته الخاصّة للمؤنّث، تحديداً. إذ يرى أنّ علاقة الحبّ ستؤدّي إمّا إلى السّادية أو المازوخيّة. فهي ليستْ علاقة توازن وكفاءة وتكامل بين شخصين متساويين. فهو يرى بالمؤنّث شيئاً: "يفتح فاغراً فاه" وعلى الذّكر الرّاغب والمشتهي أن يملأه. فالمؤنّث فلسفيّاً هو "الوجود بحدّ ذاته" والمذكر هو "الوجود من أجل ذاته". هذان المفهومان الفلسفيّان، يقابلهما لدى الفيلسوف "ديكارت" تقسيمه للواقع إلى "عقل ومادة"، وما الواقع من أجل ذاته بالمعنى السّارتري سوى عدم، ليس فيه واقع صلب مادي كما للعالم الموضوعي بحدّ ذاته. وهكذا فالنساء برأيه غير متحرّرات، ولذلك يجب أن يناضل الرجال ضدّ خطر التّعرّض للخنق، بمواجهة الوجود بحدّ ذاته، كي يحموا حريّتهم. ولنقرّب الفكرة من الفهم أكثر، سنتابع تحليله الأنطولوجي للحظة الذروة الجنسيّة، يقول: (إنه تصرّف ناعم ومستسلم، رشف رطب وأنثويّ، يعيش بشكل مبهم تحت أصابعي، وأحسّه مثل دوار، إنّه يجذبني إليه، كما يجذبني قاع الهاوية، هناك شيء يشبه الافتتان اللّمسي في اللّزج... بمعنى أنه يشبه الانقياد الأقصى للمملوك، وفاء كلب يمنح نفسه عندما تتوقّف عن الرغبة به، وبمعنى آخر يوجد تحت هذا الانقياد.. استيلاء سرّيّ للمالك من قبل المملوك). وحتى أنّه لا توجد ذروة جنسية ممتعة، بل ثمّة ذكر يخشى أن تمتصّ الأنثى الحياة منه. ويتابع توصيف الحالة بأنّها أشبه بـ "انتقام أنثويٍّ عذب". وهذا ما طرحه أيضاً في مسرحيته المسمّاة "الغرفة المغلقة" إذ يقدّم فيها ثلاث شخصيات "ذكر وامرأتان" يصلون إلى غرفة بلا نوافذ "حيث يبادر الذكر لمخاطبة الأنثى الأربعينيّة-عاكساً مفهوم "سارتر" الفلسفي لـ "الوجود بحدّ ذاته"-بقوله: "لن أسمحَ لنفسي بأن أعلق بعينيك، أنت ناعمة ولزجة. أشبه بأخطبوط، مثل مستنقع". وفي نهاية المسرحيّة عندما تصبح العلاقة بين الشّخصيّات الثلاث لا تطاق، نقرأ هذه الجملة السارتريّة الشهيرة: "ليس هناك حاجة لمحراك النار الحار.. الجحيم هو.. الآخرون". لقد جسّدتْ تلك العلاقة الغريبة بين شخصيّات المسرحيّة الثّلاث، نظرته الفلسفيّة والأدبيّة لتنوّع علاقاته النسائيّة، فقد كان يمتحنَ آراءه وأفكاره بسلوكٍ عمليٍّ من خلال علاقته بـ"سيمون دي بوفوار، وتلميذتها "أولغا" ثم مع "بيانكا لامبلان"، وغيرهنّ.
لم تنظر المؤسّسة الدينيّة "الكنيسة الكاثوليكيّة" بارتياح لأفكار "سارتر" الوجوديّة، بل اعتبرتها خطرةً ومُفسدة لجيل الشباب، وبأنّها تروّج للفوضى الأخلاقيّة، لما تضمّنته من أفكار حول حريّة الفرد وحرية الخيارات وإمكانية تشكيل المرء لمستقبله ورفض التقاليد. وهكذا حُظرتْ كتبه من الانتشار والتّداول، واتّهم بالهوس بالجنس والقذارة، كما مُنعتْ مسرحيّته "الغرفة المغلقة" من العرض في بريطانيا.
وعلى صعيدٍ آخر، جرّم واتهم بالخيانة الوطنيّة، بسبب موقفه من قضية تحرّر الجزائر، وكادت الجهات الأمنيّة أن تسجنه، لكن لم يُتخذ بحقّه أيّ إجراء،بسبب رسوخه العميق في المشهد الثّقافي الفرنسي، إذ لقّبه الرئيس "ديغول" بـ "فولتير عصره" و ضمير فرنسا الحرّ. قائلاً: "لا يمكن سجن فولتير ".