عن بسّامٍ وعبّاس
2021.08.17
علي الرّاعي - خاص فينكس:
من خلال شغلي (كمحرر ثقافي)، وفي مختلف شؤون الصحافة الثقافية؛ كثيراً ما تساءلت: هل الكاتب الذي يُقدّم نصاً ساخراً سعيداً في حياته الشخصية؟! وهل هو كذلك فنان الكاريكاتير الذي طالما انتزع الابتسامة من فمِ الحزن؟! ومثلهما الممثل الذي عُرف بأدوراه الكوميدية سواء في الدراما التلفزيونية، أم على خشبة المسرح، أم كان ذلك في فيلمٍ سينمائي؟!
وكان الجواب الذي طالما وقفت عنده في بداية التجربة الصحفية؛ في أنني وجدت له ما يُشبه الإجابة من خلال التعرف على الكثيرين من صُنّاع الكوميديا في الكتابة، أو في المسرح، أو في فنون الكاريكاتير، وقد وجدت، أو – ربما- هو أقرب إلى التصنيف المدرسي، الأصناف التالية:
الصنف الأول: تراجيدي سواء في حياته، أم في كتابته، ونصوصه، وفي أعماله التمثيلية، وكذلك في رسوماته الكاريكاتورية، والتي جميعها تُقطّرُ طول الوقت حزناً وكآبة، و مع المزيد من القراءة قد تنتهي من النص – بصرياً كان أم سردياً - و أنت في حالة من الولولة و المناحة من تلك التي على البحر الطويل.. هذا في كتاباته، أما في حياته؛ فهو أيضاً لا يضحك حتى ل(الرغيف الساخن)..!!
الصنف الثاني: تراجيدي أيضاً؛ لكن من جهة واحدة، كأن يكون الكاتب تراجيدياً على الصعيد الشخصي، لكن كتابته بمنتهى الملهاة والكوميديا والتهكم، وربما ثمة نموذج بارز في هذا المجال، وهو الشاعر محمد الماغوط، سواء في كتاباته المسرحية، وربما هنا أكثر ما تجلت لديه الكوميديا،
وحتى – لكن بنسبة أقل – في نصوصه الشعرية..، وهو أيضاً ما تجلى عند فنان الكاريكاتير السوري عبد الله بصمه جي، الذي كثيراً ما كان يبدو لي حزيناً وجميلاً، لكن رسوماته الكايكاتورية كانت تجعل المُتلقي يقلب على قفاه من الضحك.. وقد يكون الكاتب من النوع المبُتسم الضاحك، لكن المُفارقة هنا؛ إنه يُقدّم نتاجاً ينضح بالتراجيديا والدراما..
وحتى – لكن بنسبة أقل – في نصوصه الشعرية..، وهو أيضاً ما تجلى عند فنان الكاريكاتير السوري عبد الله بصمه جي، الذي كثيراً ما كان يبدو لي حزيناً وجميلاً، لكن رسوماته الكايكاتورية كانت تجعل المُتلقي يقلب على قفاه من الضحك.. وقد يكون الكاتب من النوع المبُتسم الضاحك، لكن المُفارقة هنا؛ إنه يُقدّم نتاجاً ينضح بالتراجيديا والدراما..الصنف الثالث: وهو النقيض للأول، بمعنى هو يعيش الحياة، وحتى الإبداع كوميدياً، وهؤلاء سبق، وأن أطلقت عليهم (الفرقة الناجية) من الحزن والكآبة، والحقيقة هم في المشهد الثقافي السوري قلة قليلة يكاد عددها لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، وهنا لابأس أن نذكر بعضهم، وهم في غالبيتهم شعراء: صقر عليشي، محمد عيسى، ومحمد عُضيمة، ويمكن أن نُضيف إليهم القاص علي صقر، وكذلك الموسيقي والشاعر مروان دريباتي..
يتحفّظ الشاعر السوري والمُترجم عابد إسماعيل على مُصطلح ال"فجائعية" في النص، ويعتبرها ليست صفة نقدية بالضرورة، بل انطباعية ذاتية.. ذلك إنه لا يوجد شيء اسمه قصيدة "سعيدة" وأخرى "حزينة"، ويرى في الأمر تبسيطاً رهيباً للعاطفة الشعرية،
وبرأيه تتكئُ القصائد على العاطفة (حزناً أم فرحاً) لبناء معمار مجازي، متخيل، يتجاوز الشعور الشخصي الآني، وهذا ما دعا إليه إليوت، حين يقول إن الشعر هروب من الأنا، وليس تعبيراً عنها. فالحداثة الشعرية، كما يفهمها، تقوم على توظيف عناصر كثيرة، كالتورية والتضمين والتناص والاقتباس والسخرية، والأقنعة، والأصوات، والشطح، والمنولوغ، والحوار، والحبكة، وسوى ذلك، لإنتاج نص موشوري مركب، متعدد الدلالات..
وبرأيه تتكئُ القصائد على العاطفة (حزناً أم فرحاً) لبناء معمار مجازي، متخيل، يتجاوز الشعور الشخصي الآني، وهذا ما دعا إليه إليوت، حين يقول إن الشعر هروب من الأنا، وليس تعبيراً عنها. فالحداثة الشعرية، كما يفهمها، تقوم على توظيف عناصر كثيرة، كالتورية والتضمين والتناص والاقتباس والسخرية، والأقنعة، والأصوات، والشطح، والمنولوغ، والحوار، والحبكة، وسوى ذلك، لإنتاج نص موشوري مركب، متعدد الدلالات..صحيحٌ ليس في هذا الكون من امرئٍ لا يمر بمختلف الحالات الحياتية التي تتناوب بين الابتسامة والحزن، بمعنى أن المرء مهما كان طابعه، أو ميل طبعه صوب الحزن غالباً، أم الفرح فيكون في أقل الأحيان، مع ذلك لابدّ أن يتخلل حياته، وحتى نتاجه الإبداعي شيءٌ من الفرح، وكثيرٌ من الحزن، وأختم بهذه القصة التي تُروى عن الكاتب (ميخائيل زوشينكو)..
تقول الحكاية: إنه في سنة ١٩٢٦م؛ ذهب شخصٌ إلى طبيب نفسي مشهور، شاكياً من كآبة لا يعرف سببها.. كآبة كانت تحرمه من النوم، والحياة الصحيّة الجميلة.. وبعد فحصه، والكشف عليه وصف له الطبيب قراءة القصص الفكاهية، وأكدّ عليه قائلاً: "عليك أن تقرأ لميخائيل زوشينكو، وستجد متعة كبيرة في القراءة له "..
هنا نظر إليه المريض وتنهد قائلاً: يا سيدي أنا هو "ميخائيل زوشينكو"..!!