لن أخون وطني...
كتبت ليندا ابراهيم- فينكس- خاص:
بالرغم من الغيوم الداكنة، والمحن الماطرة التي رافقت، وترافقُ، حياة السوريين منذ بدء الأزمة، وتحديداً في سنواتها الأولى الخمس، إلا أن ثمة شعوراً غامضاً لدى عامة الشعب السوري، بأنها كانت أياماً أجمل من الأيام التي نعيشها الآن، وتحديداً السنتين الأخيرتين اللتين تشهدهما عموم الساحة السورية، ويعيشها غالبية السوريين ممن حسبوا أن الأزمة قد انتهت أو على وشك، وهي كذلك بالفعل، لكن لم هذا الشعور العكسي بأن تلك الأيام الأكثر قسوة وشراسة وإيلاماً وصدمة ودموية، هي أفضل لهم، أو قل "أجمل" من الأيام التي تلتها، بالرغم من كثرة تدفق الشهداء والمصابين والمفقودين والمهجرين والأعمال الإرهابية المؤلمة التي أفقدتنا الكثير الكثير من جمالياتنا التي ترسخت فينا كجيل لم يشهد حروب النكبة، ولم يعِ أحداث وهول النكسة بل وحتى حرب التحرير التشرينية، بل فقط شهدنا حرب تموز الأخيرة لكنَّ انعكاساتها وساحتها كانت خارج رقعة الأراضي السورية؟
ترى أيُّ شعور عجيب غامض، و سببٍ بل عدة أسباب خفية تقف وراء هذا الشعور بأن تلك الأيام على ألمها و دراميتها في مشاهد و حركية الأحداث كانت أجمل وقعاً وذاكرة لدى السوريين!..
سؤال تداولته وتبادلته مع معظم من حولي و لكن السؤال كان يبدو غامض الإجابة و مدلهمَّها و غائمَها إذا ما قارنا معطيات العيش من حيث الأسباب و النتائج مع معطيات ما نعيش مؤخراً، بل حتى التي كادت تطغى لتنسينا حتى طعم بداية انتصار ناجز قد يعلن بين وقت و آخر، و لو بصيغة غير مكتملة، لكنني أعترف بفشلي في تحديد الإجابة الدقيقة حتى الآن...
و يساهم في عدم تحديد هذه الأسباب وربما فشلنا في ترميم شعورنا هذا هو ما نراه من تفاقم لأسباب و نتائج و مسببات الفساد و تبعات الحروب من انتهازيين و صغار نفوس و أثرياء حرب، لا يظهرون بشكلهم الفاقع المؤلم اللافت إلا أثناء الحروب، هذه الأيام التي تكاد أحداثها و وقائعها تطغى على شعور النصر، لدرجة بات أبطال الحرب يسوقون و يسوق لهم، وهم من الفاسدين، و لم يبق ليعلن رايات النصر سواهم... هم الذين بقوا حيث يبدو من قضى لأجلهم و أجل أبنائهم، و من بقوا ظلالَ وأشلاء بشر و أشباه نفسيات شوهتها الحرب الأعتى و الأقبح في تاريخ البشرية حتى ليكاد أهم الأدمغة عاجزاً عن التحليل و الإحاطة بالتعليل لما نعيشه من رمادية وضبابية النصر حتى اقتربنا نفقد اليقين بل و الأمل بأننا قد انتصرنا حقاً أو أن إعلان نصر نهائي واضح هو يقين وحقيقة و أننا مقتربون من نهاية نفق واضح النور
ثمة حروب تفقد الإنسان جوهره وإنسانيته وهويته
وثمة كوارث تنسيه إحساسه بألمه لأنها تعدت عتبات الألم بكثير
و ثمة أحداث تضاهي بشدتها و وقعها ونتائجها الحروب و وقائعها و كوارثها لدرجة نحنُّ إلى أيام أكثر درامية وفقداً و وقعاً و إيلاماً. لتكون أجمل لكنها تشعرنا ربما بالكرامة أكثر!؟..
هنا يقف بي القلم لألوذ بالحنين إلى أيام عشتها مع ملايين السوريين بل و العرب عبر العالم، مليئة بمواقف كانت في حد ذاتها معارك بكل معنى الكلمة، أثبتنا فيها كشعب ملاحم انتصارات حفرت عميقا في النفوس لدرجة أنها سجلت و للأبد في ذاكرة الجيل جيل الحرب من مختلف الأعمار على أنها ساهمت في العمق في إنتاج نسيج علم النصر القادم الأكيد...
فمن ملاحم العزة والفخار التي سطرها شعبنا وجيشنا في درعا، إلى السويداء، إلى معارك المطارات والسجون "كويرس، منغ، سجن حلب المركزي..."، إلى معارك تدمر الأولى والثانية، إلى تحطيم أساطير غرف العمليات العميلة المعادية في إدلب و بانياس و سواهما، و التي استقدمها و أدارها الخونة من الداخل على أيدي الخارج، إلى أعوان وعملاء الرجعية و الفكر الظلامي و مخدري عزيمة الأمة، إلى موقظي هذه العزائم بالوعي والفكر و تحرير العقول و تنبيه الرأي العام و قيادته إلى حيث مواطن الصواب من مواطن الخلل لدرجة توضيح الدرب و تنوير العقول إلى حاملي مشاعل النجاح والحضارة في شتى ميادين النصر الرياضي و الثقافي ومحافل العزة التي أثبتت وجه سوريا الحضاري بالرغم من اشتداد السواد...
أقول بالرغم من كل ما نمر به الآن من انسداد الآفاق و إحباطات متتالية في شتى الميادين، نريدها ولا نزال مواكبةً لمساتِ عطرٍ للدماء و رائحة عرق للجهود التي بذلت ليبقى وجه الوطن مرفوعاً وعلمه خفاقاً...
أقول لكل من يوهن عزائمنا و يحاول سرقة جهدنا و إنجازاتنا التي قدمناها على مذبح هذا الوطن، أقول لكل من يشك أن لن نعيش زمناً قادماً يقوده الأبطال و أبناؤهم و ذووهم... أقول لكل من يضعف و يسرق وقتنا و نصرنا و ثمرة نضالنا الطهور و راية العزة التي حكناها من أغاني عشقنا لوطننا:
أقول لن أخون وطني لأجلكم أيها المراؤون المنافقون الفاسدون
ملامح الصباح الأكيدة تتوضح و بوادر الفجر تترامح وسط نشيج الحلكة و لم يبق سوى صبر ساعة...
حتى و لو حرقت نار الصبر فؤادي... و حرقة الجوى مهجتي، و نار الندم و الخيبة روحي... لو جعت، وعريت، و أهنت، و كُبِّلتُ و هُمِّشتُ...
لن أخونك مثقال ذرة من شعور... يا وطني