كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

شهيد الأزمنة

الإبداع ترجمانٌ لموقفٍ من وجود؟ الإبداع ليس مجرد ترجمان لموقف من وجود، ولكنه ترجمان لحقيقة وجود. والسبب؟ ببساطة لأن الإنسان أكثر أحاجي الوجود امتناعاً واستغلاقاً، وإلّا لما نصّبه محفل الحكماء مقياساً لكل الأشياء؛ وهي المنزلة التي دفعت «كانط» لأن يزكّيه كغاية وجود، من دون كل أشياء هذا الوجود.

وأن يكون الإنسان قياس وجودٍ، ثم غاية وجود، فهذا سيعني أنه، كأحجية وجود، هو المعني بأن يهب الوجود معنى، والأحقّ بأن يستكشف حقيقة هذا الوجود. هذا هو المحور الذي طافت في مداراته الأسئلة التي حاول هذا اللغز أن يستنطقها بمغامرة الإبداع. مغامرة ما لبثت أن حدّدت، في نشاطه، القيمة: القيمة التي لا تعود رهينة ما يعلم، ولكن ما سيتعلّم، بل لا تعود رهينة ما يعمل، ولكن ما سيفهَم، أي أن قيمة الإنسان تغدو في ما يسأل، لا في ما يأمل، أو ما يعمل، أو ما يعلم. وما ظلّ السؤال في الإنسان حيّاً، فهذا سيعني أن الإنسان يحيا. وترجمان هذه الشحنة الوجودية، الخبيئة في السؤال، هو، بالطبع، اللسان، المعبَّر عنه في وصيّة الحكيم «تكلّم لكي أراك»، أي، بصيغة أخرى، تساءل لكي أراك، تساءل لكي أستطلع خفاياك، تساءل لكي أكتشف نواياك!

هذه النوايا التي لم يُكتب لأحد أن يكتشفها حتى في نفسه، فكيف باكتشافها في الأغيار؟

هذا الإستعصاء هو ما عبّر عنه الدهاة عندما أجمعوا أن غاية الإبداع ليست في اعتماد منطق الإظهار، ولكن في اعتناق ناموس الإضمار. وتاليران لم يخطيء، إذاً، عندما أعلن أن غاية اللسان ليست الكشف عن الأفكار، ولكن في إخفاء الأفكار. فعندما ننتهي إلى القول بأن رسالة المفكّر إنّما تكمن في القدرة على إظهار ما استضمر، مقابل رسالة المبدع المهووس بإخفاء ما استظهر، فإننا لا نجزم بأن المبدع يتعمّد اعتناق دين الإخفاء هذا، ولكن توقه إلى الاستفهام عن طبيعة الجنين الروحي، الذي يسكنه، ضربٌ من حمّى، من سُعار، من شطح، من لوثة جنون، ترتقي بالمعالجة الإبداعيّة إلى مستوى الاعتراف: اعتراف الأبعاد القصوى، الذي لا يختلف عن النزيف الدموي السخيّ، كل ما هنالك أنه روحيّ، يلعب فيه اللاوعي دور البطولة دوماً، ليكون الجنون، في النهاية، قدر الفريق الذي خذلته مواهبه، فأخفق في أن ينسج من عباءة إبداعه طوق النجاة، من اغترابٍ هو لعنة كل مَنْ تمرّد على باطل الأباطيل، فقرر أن يخرج في طلب عنقاء مُغرب، المدعوّة في منطقنا الأرضي: الحقيقة!

فالاغتراب عن الواقع الحرفيّ هو الخطوة الأولى في طريق الإغتراب عن الواقع الوجودي، الذي يبادل التنكّر كل مَن تجاسر على التنكّر له، فيسحب

منه اعتراف كل ذي قربى، لتصير له العزلة ملاذاً وحيداً. عزلة عليه أن يخفيها، بل توجّب عليه أن يحسن إخفاءها إذا شاء ألّا يخسر آخر خيط في العلاقة مع عالمٍ، هو مُعادٍ بالسليقة، ليخسر بذلك نعمة الإنتماء، كأيّ طريد فردوس؛ لأن إضاعة الإنتماء بليّة تنتهي بإضاعة أحجية غيبيّة كالوطن، وفقد الوطن ليس مجرد تجريد من هوية، ولكنه القصاص الأقسى، القصاص الأقصى، الذي اخترعته الآلهة لتعاقب «أوليس» على خطاياه في حروب طروادة.

فأين الترياق؟ أمَا من عزاء لهذا المغترب المقيم في واقعنا، الذي حرّضت كل الديانات بعمل ما بالوسع للأخذ بيده، لأنه ما هو إلّا ملاكٌ يتنكّر في جرم إنسان؟ هل بوسع ذوو القربى أن يحسنوا لغريبهم فيحاولوا، ولو مرّة، أن يَفهموه، لأن كل حلمه في هذا العالم هو أن يُفهَم؟

هل يُفلح الأخلّاء أو مَن اعتدنا أن نخلع عليهم هذا اللقب الجليل، أن يعزّوه، فيعوّضوا ما بخل به عليه بقيّة ذوي القربى؟

ولكن بأيّ حقّ يدّعي ذوو القربى، ومن بعدهم أطياف الأخلّة، أنّهم فهموه، إذا كانوا لم يبذلوا جهداً يوماً كي، يفكّكوا شفرة نبوءته، لأنهم لم يكلّفوا أنفسهم عناء أن يسمعوه، لم يسمعوه لأنهم لم يستوعبوا حُجّته، وهم الذين تباهوا بالحضور في حضرة شخصه، ونسيوا أن شخصه معجم آخر لا يمتّ بصلة للنصّ الذي يسكن الشخص؟

ففي واقع عديم الفضول، مبلبل بتقنية المعلومة، مهووس بعمل الفئة العاطلة عن العمل كبهلوانات مهزلة أسمها السياسة، يعاندون غياباً مزمناً عن أنفسهم، لا يبقى لمريد النصّ إلّا أن يحصّن نفسه وراء سجون عزلته، ليعتنق دين مَن لا كرامة له في وطنه، مثله مثل كل مريد حقيقة، ولا خلاص من هذا المأزق إلّا بنجدةٍ تحلّ من خارج. فالأغراب، الذين استوطنوا أوطان الأغراب، هم أنصار أمثال هؤلاء. لماذا؟

ببساطة لأنهم يسكنون واقعاً آخر، معصومٌ عن تعاطي أفيون الضلال الملقّب باسم: الحكم المسبق، الذي كان دوما آفة النبوّة، تماماً كما كان تعاطي افيون «الحضور في حضرة صاحب الشأن» سبباً آخر في محنة اغتراب كل طريد حاول يوماً أن يستنطق في نفسه الجنين الذي يسكنه، فصار الإستجواب في صحيفة سلوكه شهادة منفى، مختومة بلعنة أخرى، إلى جانب لعنة غياب الكرامة في الوطن، وهي: غياب الكرامة في زمنه أيضاً، إلى جانب وطنه!

فليس الإعتراف هو الوسام الذي يشغل بال محترف البحث عن المعنى، ولكنه الهدنة! هدنة مع عالمٍ عدوانيّ، يستطيع بموجبها أن يحقق فسحة سلام، كافية كي يخلو فيها لمداواة نزيفه، لأن المفارقة أن النموذج الأكثر حرصاً على مصير الحقيقة في هذا العالم، هو النموذج الذي حكم عليه العالم، بالحرمان من الإنتماء إلى طينة هذا العالم!

2

من وجد في نفسه الجرأة ليلقّننا درساً، فهو دوماً عدوٌّ. وشهرزاد، في نظر شهريار، آثمةٌ لهذا السبب. آثمة بالسليقة. آثمة بالفطرة. آثمة مسبقاً، آثمة مع سبق إصرار، آثمة حتى لو كانت تدلي في سرديتها بنبوّة. بل هي آثمة بالذات لرهانها على النبوّة. ولذا، فهي في العُرف، رهينة قصاص. منذورة، مسبقاً، لاستنزال القصاص. كل ما هنالك أنها قيد المهلة. رهنٌ مؤجّل. قربان مؤجّل، مثلها مثل كل منّا، لأننا جميعنا مجرد أضاحٍ تنتظر النحر! لأننا كلّنا خراف أُستُمهِلنا أمداً، كي نشقى بما يكفي، قبل نزول سيف الخلاص على الرقبة. وما معاندة النصّ، معاندة النزف المرويّ، سوى فرصة لالتقاط الأنفاس، بهدف التحديق في الحقيقة العصيّة، في الحقيقة الفجيعة، المشفوعة بورم باطل الأباطيل، قبل حلول القصاص، قبل النطق بكلمة الخلاص. والسرد ترياق لتخفيف الوطأة، واحتيال على حكم الإعدام، لأن المروية دوماً اعتراف صريح. إقرار باقتراف خطيئة. خطيئة لن نفلح في التنصّل منها، لأنها جرثومة تسري في الدمّ، تسري في الوجدان، وإحساسنا بها هو ما يجعلنا نستمريء الإعتراف، مادامت أبجديات المتون المقدّسة قد أقنعتنا، بالإجماع، بوجوب دفع المكوس. مكوس ميلادٍ لم نختره، وليس لنا أيضاً أن نختار ميعاد الخلاص، مادامت الحكمة قد علّمتنا أن الوجود مرض، والمنيّة وحدها له ترياق.

فالمبدع، بالتماهي بالسرد، لا يترافع لتبرئة ذمّة، ولكنه يدلي بشهادة نبوّة. لا يمارس اعترافه المميت تحقيقاً لتوبة، ولكن تصريحاً بـ حقيقة؛ لأنه يعلم، بوحي الحدس، أنه هوية نذر، وقدره أن يهلك بسخاء النزيف، إن لم يهلك بحدّ النصل؛ لأنه، بحرف الإعتراف، لا يكتفي بأن ينزف روحاً، ولكنه، بنزيف الروح، إنّما يجود بوجود! فحقّ له أن يتباهى يشهادة: شهيد الأزمنة!

ابراهيم الكوني

سكاي نيوز

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني