كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

التجربة القصصية للأديبة السورية دعد إبراهيم

بقلم ليندا إبراهيم

معروف عن القصة، كجنسٍ أدبي ترسَّخ وتطوَّر كَفَنٍّ، حتى بات له حضوره على الساحة الأدبية المعاصرة، منذ مطلع القرن الماضي، فمنذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر الذي هيّأ لظهور أجناس أدبية عدة: كالرواية والقصة والمسرحية، وإذا كان من أهم التطورات التي شهدتها تلك الفترة، نموُّ اتصالٍ بين العالمين العربي والغربي،  فإنّ ذلك لم يقف عند ما هو تجاري فحسب،  بل تجاوزه إلى ما هو فكري وثقافي، انتهاء بالشكل القصصي الذي وصلنا إليه في عصرنا الراهن،  حيث وصلت القصة إلى درجة عالية من النضج الفني على أيدي كتاب كبار من أمثال إدغار آلان بو، وموباسان، وزولا، وتورجينيف، وتشيخوف، وهاردي وستيفنسن وغيرهم في الغرب، أما في العالم العربي فبلغت القصة القصيرة درجة عالية من النضج على أيدي رواد القصة القصيرة من أمثال يوسف إدريس في مصر،  وزكريا تامر وعبد السلام العجيلي وسعيد حورانية وحسيب كيالي... في سوريا

كثيرات من الأديبات ممن خضن مجال القصة في سوريا وبلاد الشام، مثل غادة السَّمَان، ألفت الإدلبي كوليت خوري وداد سكاكيني وغيرهن... ولكن قليلاتٌ ممن تلينهن في العقود اللاحقة ممن خضن فيه بحكمة وجدارة وتعقل وعمق واقتدار، كأحد أجناس الكتابة الأدبية التي تكتب الواقعية الاجتماعية بأساليب عديدة منها الرمزية ومنها السخرية ومنها التخييل، وباتت القصة القصيرة مجالاً يخوض غماره عدد غير قليل من الأقلام، بخلاف الشعر الذي يحتاج طقوساً مغايرة، وربما خاصة، تجربة ومعاناة، كي يتبلور، لكن القصة بما أنها ذات طابع سردي بوحي ذاتي، فإنها الأقرب إلى الحالة المعيشة الواقعية أو المتخيلة، وفي تجربة الأديبة القاصة والشاعرة دعد إبراهيم ما ينحو هذا المنحى بجدارة واقتدار اختطته لنفسها عبر قرابة العقدين من الزمن، لتكون من أهم الأقلام السورية في فن القص، وأما دعد إبراهيم الشاعرة فله مقام آخر...دعد ابراهيم

إن المتتبع لنتاج دعد إبراهيم يعثر لها في المكتبة العربية على ثلاثة مؤلفات هي ثلاث مجموعات قصصية تحمل العناوين: "ضوء أبيض... من بعيد" 1998، "طيران خارج الحلم"2005، "بوحٌ... ولكن" 2008، وإذا كان العنوان هو العتبة كما اعتاد الذهن، فإننا ولدى الخوض في غمارها يتبين للقارئ مدى الدلالات والفضاءات التي تكتنفها نصوص المجموعات الثلاثة، بل وإنها تنسحب على أجواء التجربة برمتها، نصاً وروحاً، لتكون حاضناً ومعبراً عن الجو العام للنصوص ككل...

الناظم الأساس الذي تنتظم حوله القصص ومضامينها وموضوعاتها، في مجموعاتها الثلاثة التي تشكل مجمل تجربتها القصصية حتى الآن، هي التجارب الاجتماعية الواقعية المستمدة من الواقع المعيش، من المجتمع أفراحه وأتراحه، من مآسيه ومنغصاته، همومه ومشاكله، كعلاقة المواطن بالسلطة، ذكورية المجتمع، ومعاناة المرأة في هذا الفضاء، تخلف المرأة والظلم الواقع عليها اجتماعياً بسبب كبتها وتحديد حريتها وحدود تفكيرها، تأخر دخولها مجال التعلم، وإن تعلمت زادت معاناتها أكثر، سلبيتها تجاه قضيتها وتجاه المرأة غيرها، التفاوت الطبقي وجوانب من فساد في المجتمع...

وفيما يلي أتناول أهم ما تتمحور حوله تجربتها القصصية وموضوعات قصصها:

  • الإنسان المهمَّش، أو الذي يهمِّشُ نفسه كيلا يقع في الخطأ، فيتعرض لبطش السلطة أو العقاب الاجتماعي...
  • إنسانية الإنسان ولا سيما إنسان الريف الذي لم تلوثه الحياة المدنية بعد
  • انتقاد الجوانب السلبية في المجتمع من امتهان الرجل للمرأة أو إذعان المرأة لذكورية الرجل، سكوت الإنسان عن ظلم السلطة وخنوعه واستسلامه أمام جبروت الفاسدين المتعاظم
  • انتقاد الجوانب السلبية بعقل واع مثل الفساد وتنامي طبقة الفاسدين تغول السلطة على عقول وأقلام المثقفين
  • الوطن وقصص على خلفية أحداث نكسة حزيران وحرب تشرين وقصص البطولات والاستشهاد/زمن كتابة وصدور المجموعات المشار إليها/
  • الانتصار للإنسان ولقيمه العليا سواء انتهت القصص نهاية سوداء أم نهاية بيضاء مبشرة متفائلة لكنها تدعو لليقظة بإيلام الضمير بالإيغال بالنتائج الوخيمة وتصوير الجوانب المعتمة وكيف تطغى كلياً أحياناً على جو القصة وأبطالها وشخوصها
  • تناولها لواقع الأنثى العربية والمرأة المتعلمة والمثقفة وما تعانيه من بيت أهلها إلى بيت زوجها مروراً بعملها ومجتمعها، وخاصة المرأة الريفية
  • كتابات واقعية، شخوصها قابلة لأن تتعرف إليها في أية مدينة أو قرية أو مكان أو زمان
  • تناولها لواقع الإنسان العربي منذ فجر خمسينات وستينات القرن المنصرم للآن... واقع مأزوم يعاني القسر والقهر والارتياب والخوف والقمع يعاني الانفصام فداخله ووجدانه وضميره شيء، وتصرفاته وسلوكه الواقعية شيءٌ آخر تماماً... وكأن الأدباء بشكل عام والأديبة بشكل خاص في تجربتها هذه ترى الواقع على حقيقته وتستنفر قلمها وفنها الأدبي للإشارة إلى الخلل والتنبيه للأخطاء بل وتستشرف الواقع القادم، وللأسف تصدق الرؤيا والرؤية التي تبنَّاها وجاهرَ بها وحذر منها معظم جيل شعراء وأدباء تلك الفترة من عمر أوطاننا العربية....
  • ما يلفت في تجربتها القصصية، تصويرها للواقع كما هو داكناً بغيومه الثقيلة الكثيرة وهمومه المتعددة، لكنما أبداً تنزع للحلم وللضوء وللتفاؤل ولإعلاء الصرخة بدل الصمت ولإظهار حقيقة البطل أو البطلة وما يعذبه في العمق فيصرخ ويعلن ويتفاءل ويشير إلى أفق قادم جميل.... وهذه أيضا من مهام الأدب والأدباء وهو عدم الإغراق في السلبية والسوداوية مهما كان الواقع قاتماً.... "ضوء أبيضُ من بعيد" عنوان لافت كدليل على مقولتنا هذه.

وفيما سيأتي سأتوسع قليلاً في أهم نصوص تجربتها الأدبية:

ففي قصة "فضاء للبرد"، و"أحزان بيانو مهجور" في مجموعتها "بوح ولكن"، تتناول الكاتبة حالة الأبوين في خريف العمر يتفرق الأبناء بعد أن يكبروا، ويذهبوا لشؤونهم وعائلاتهم الصغيرة، ومشاغلهم المتعددة، تاركين الأب أو الأم، أو كليهما لوحدتهما ولبرد خريف العمر الحزين، شأنهم شأن الكثيرين من الناس، في "فضاء للبرد" تتكئ القاصة على فكرة الأمومة فيبدو لنا مدخل القصة تلك الحادثة الواقعية جداً -الدجاجة وأبناؤها- لتعطي زخماً سردياً للقصة في البداية حيث ركزت على فكرة الأمومة تحديداً وتصريح الكاتبة على لسان أمها يشي بأن الكاتبة ستسرد أحداثاً لقصة تحمل إثارة وتشويقاً وأحداثاً أغنى مركزة على الأمر نفسه كفكرة وموضوع أساس لكنها ستكتفي فيما بعد بسرد حال الأم كحال أية أم يكبر أبناؤها وبناتها فيذهب كل لشأنه وعالمه الخاص وينشغل به لتتحول فكرة القصة إلى فكرة عامة متكررة ومترسخة في الذاكرة الجمعية للقراء على أنها سنة الحياة وذلك كله يأتي على شكل بوح وجداني بمكنونات النفس ومعتملات الصدر، كما أنها تركز على فكرة الأمومة المنقوصة في قصة "الولادة" في مجموعتها "ضوء أبيض من بعيد"، حيث البطلة هدى تتزوج لكنها لا تنجب رغم رغبتها الجارفة بأن يغدو لها طفل...

"نسمة" في "مجموعة بوح ولكن" تعري ذكورية الرجل في مجتمعنا، وازدواجية شخصيتهـا، وكذلك ازدواجية المرأة وسلبيتها تجاه نفسها وتجاه غيرها من النساء، الرجل الغائب الضمير المتجاهل للحق والحقيقة والمنطق، حيث تعمل الكاتبة هنا على إيصال فكرتها على لسان درويش القرية "بهلول" والذي سبق واستخدمته كاسم ورمزية في مجموعتها الأولى في قصة "تابوت حمود" البهلول، وفيها تنتصر للحق والحقيقة والشرف، علماً أن شخصية بهلول وبالاسم نفسه وبالدور نفسه والرمزية نفسها تستخدمها الكاتبة غير مرة وتحملها فكرة القصة في مجموعات أخرى وقصص أخرى

"مجيب الساكت": ذلك المواطن الصالح الصامت – السلبي – بمعنى أدق، والذي أصبح إيجابياً في نهاية القصة ولكن أية إيجابية وزمنه العام ومجتمعه السائد؟ أليس مجيب مثالاً لمعظم البشر الذين نراهم على اختلاف مجتمعاتنا الكبرى والصغرى؟ وهل يكفي أن يتغير هو لوحده؟

"حكاية خريف" قصة أم علمت ابنتها أن تبوح بمكنونات نفسها لأمها فهي لحظات بوح واعتراف وتصالح بين أم وابنتها ومجتمعهما...

"حارة الأكابر"، فيها تطرح الكاتبة فكرة التفاوت الطبقي في المجتمع على خلفية فساد شريحة من المجتمع من محدثي النعمة وعدم التأقلم بينهما، تماماً كما تناولت الموضوع عينه في قصة "لسيدة الحزن" الفتاة الجميلة "أسمى" الضحية البريئة...

في القصص "الرجل الذي غادر اسمه": مجيب الساكت، و"للصمت بقية": فايز الحداد، "موت يتوالد": أبو الرعد، "يحدث في زمن الحكاية الملك والفتاة شهرزاد"، تطرح القاصة وضع المواطن العربي السلبي مع السلطة، المواطن المستكين الراضخ الراضي بالذل والاستلاب، وتختلف المعالجات عند شخوص القصص فالكاتبة ترتئي فجراً جديداً وتتشوفه في قصة "ِشهرزاد"، على عكس الجو العام السائد عند شخوص القصص الأخرى كمجيب الساكت وفايز الحداد، وكما أن الموت يتوالد في هذه القصة إلا أن اليأس يتوارث في قصة "للصمت بقية"...

"يحدث في زمن الحكاية": اتكأت فيها على استعارة أسطورية من كتاب "ألف ليلة وليلة"، وألبست فكرتها لبوس الاستعارة من التاريخ متطرقة لفكرة حال الرعية الرعاع القطيع الخانعين المستضعفين الخاضعين الذين استفاقوا من المخدر السلطوي بفعل الشخصية البسيطة الهادية الهادئة...

وكما في أغلب القصص لم تعلن القاصة فكرتها أو رأيها بأسلوب صريح بل تركت الأمر لشخوصها ولسياق تدفقهم في النصوص وتركت الباقي للقارئ لاستنتاجه.

إن السمة الأساسية والبارزة في نتاج الأديبة إبراهيم، وبشكل لا يرقى إليه لبس هو عفوية القص وتدفقه، عفوية العبارة، وعدم تكلف الصور الأدبية، فلم تنمقها ولم تتكلف في انتقاء اللغة الباذخة المتعالية، بل جاءت منسجمة مع شخصياتها وأفكارهم ومع السواد الأعظم للقراء مفهومة سلسلة سهلة عفوية، كما اعتمدت أسلوب السرد المباشر حيناً وحيناً السرد الذاتي "ضمير المتكلم، وكأن حال الشخصية أو البطلة هو حالها هي، وتجربتها هي في أكثر من قصة، حيث ضمن متن النص القصصي تتداعى الذكريات لتشكل مع غيرها من الأحداث تواشجاً منسجماً موفقاً، وهذا كله بلغة شعرية لا تخلو من مجاز توشي به لغة القصة تقول: "تتكئ روحي على زمن الورد، أخذت ترصف شريط الذكريات فوق قبور من رحلوا، أحملهم لهفتي قناديلاً، رفرف طائر العمر الحزين، أطلق سراح الخوف...الخ" وفيها اشتغال واضح على تقنية القص وفنية القصة ككل بنضج واضح وتجربة مكتملة...

إن الأديبة دعد إبراهيم، بالرغم من مواجع وهموم واقعها ووطنها إلا أنها تبصر دائماً "ضوءاً أبيضَ... من بعيد"، ولكي تأخذ قيلولة من هذا الوجع واستراحة قليلة من قتامة الواقع المتردي خلقت لروحها "أجنحة تطير بها خارج الحلم"، دليل أنه حتى الحلم بات شبه متسحيل فتلجأ إلى مفاوز أخرى خارجه تبحث فيها عما يبرد الروح الملتاعة ويعوض عن الواقع الأليم

"دعد إبراهيم" اسمٌ نافر في جدارية المدونة القصصية السورية، والتجربة الإبداعية النسوية حفرته بإزميل صبرها وتبصرها وضميرها الصادق وقلمها الجاد وروحها النبيلة التواقة إلى الاكتمال..

"دعد إبراهيم" على قلة النتاج "ثلاث مجموعات قصصية" ومجموعة شعرية واحدة على الفترة الممتدة بين "1998 – 2012" إلا أنها تعتبر ذات نتاج سيرسخ لعقود قادمة حاملاً وجدان كاتبة لا تهادن على شرف الموهبة والإبداع، ولا على مكانة الأدب كسلاح للتغيير والخلق والتحليق.

--------------------------------------   ليندا إبراهيم

طرطوس 30 /4/ 2021

 

الأديبة السورية دعد إبراهيم: قاصة وشاعرة

عضو اتحاد الكتاب العرب – جمعية القصة

لها المجموعات القصصية:

"ضوء أبيض... من بعيد" دار أرواد 1998

"طيران خارج الحلم" دار الينابيع 2005

"بوح... ولكن" دارة عروة 2008

"ويكتمل الغياب" مجموعة شعرية دار أرواد 2012

ومخطوط شعري قيد الطباعة

مخطوط مجموعة قصصية قيد الطباعة

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني