كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

للآلهة أسماء كثيرة.. ليس من بينها الضاحك!

باسم سليمان- خاص فينكس:

"أن تضحك، هو أن تعيش بعمق" إنّ هذه المقولة مقتبسة من كتاب ميلان كونديرا؛ الضحك والنسيان. وهو في الأصل مقولة للنسوية آني لوكليرك كما ذكر تيري إيغلتون في كتابه؛ فلسفة الفكاهة. ويجد سيغموند فرويد في الضحك صفعة في حقّ الأنا الأعلى وطريقة للتحايل على الكبت. ويعرض إيغلتون في كتابه نظريتين قد سادتا الفكاهة، الأولى نظرية التفوّق، أي أنّنا نضحك من عيوب الآخرين، كما قال أرسطو. وهذا ما فعلته الآلهة اليونانية عندما ضحكت على عرج إله الحدادة هيفايستوس، كما أخبرنا هوميروس. والثانية نظرية الإطلاق ويقصد بها تخفيف التوترات النفسية. يشير ساندور فيرينزي إلى أنّ بقاءنا جدّيين، هو دليل على نجاج القمع.بيرغسون

تكاثرت المقولات عن الفكاهة والضحك. وقد وضع الفيلسوف هنري برغسون كتابًا عنها. ولقد سبق أن تناولها الكثير من الفلاسفة، حتى شوبنهاور المتشائم الذي رأى في البشر كائنات مضحكة تجري إلى العدم. وقد صنّف نيتشه المفكرين وفق حبّهم للضحك، وازدرى العابسين. وقال المفكر الإنكليزي وليام هازليت، بأن للفكاهة أشكال عديدة وأوجه مختلفة وأن محاولة جمعها في تعريف جامع، هو عمل مضحك.

انتقد الفيلسوف اليوناني أكسانوفان، صفات آلهة الأولمب، التي لا تتورّع عن الحسد والجشع والانتقام والضحك، وأطلق فكاهته التي لم تزل تتردّد إلى الآن: "لو استطاعت الخيول والثيران أن ترسم، لصوّرت آلهتها على هيئتها" كما ذكرت جينفر هيكت في كتابها؛ تاريخ الشك.

وبعد هذه المقدّمة، لنا أن نسأل، هل يضحك يهوا/ الآب/ الله؟:

قدّمت لنا الكتب السماوية الثلاثة: التوراة، الأنجيل، القرآن، سلّة من الأسماء والصفات للإله منها: الرحيم، العادل، القوي، المنتقم، المتكبر،...، لكنّها استبعدت عنه الضحك!  

يرى ديزموند موريس في كتابه القرد العاري بأنّ الضحك قد تطوّر عن البكاء، إلّا أن جيمس كارس ذكر في كتابه؛ الموت والوجود، بأنّ يهوا أنّب الملائكة التي ابتهجت لموت فرعون وجنوده، فهل كان حزينًا؟ وهل لحزنه أن يتطوّر ويصبح ضحكًا؟ديزموند مورس

في سفر الجامعة وردت مقارنة بين الضحك والبكاء: "لِلْبُكَاءِ وَقْتٌ وَلِلضَّحْكِ وَقْتٌ"، لكن الجامعة رجّحت كفّة الحزن والبكاء على الضحك: "اَلْحُزْنُ خَيْرٌ مِنَ الضَّحِكِ، لأَنَّهُ بِكَآبَةِ الْوَجْهِ يُصْلَحُ الْقَلْبُ" ومع ذلك ظلّ مفهوم الضحك يقاوم، هاهي سارة تقول: " قَدْ صَنَعَ إِلَيَّ اللهُ ضِحْكًا. كُلُّ مَنْ يَسْمَعُ يَضْحَكُ لِي" بعد أن حملت، وقد سقط إبراهيم أرضًا من الضحك، عندما أُخبر بأن زوجته ستكون حاملًا ومن نتيجة هذا الضحك سمي المولود إسحاق، والذي يعني الضحك. لم يكن الضحك محبذًا في التوراة إلا إذا كان من صنع يهوا: "حِينَئِذٍ امْتَلأَتْ أَفْوَاهُنَا ضِحْكًا، وَأَلْسِنَتُنَا تَرَنُّمًا. حِينَئِذٍ قَالُوا بَيْنَ الأُمَمِ: إِنَّ الرَّبَّ قَدْ عَظَّمَ الْعَمَلَ مَعَ هؤُلاَءِ". إن الضحك كفعالية نفسية ونشاط بشري، كان عيبًا: "حديث الحمقى مكروه، وضِحكهم في ملذّات الخطيئة". ومع ذلك سجل لنا داود في المزامير أن يهوا يضحك: "اَلسَّاكِنُ فِي السَّمَاوَاتِ يَضْحَكُ. الرَّبُّ يَسْتَهْزِئُ بِهِــمْ" وعلى ما يبدو أن ضحك الرب هنا يأتي وفق نظرية التفوّق المذكورة أعلاه.

لا يشذّ الإنجيل كثيرًا عن التوراة والضحك جاء فيه، إمّا استهزاء من السيد المسيح أو من شخص آخر. ومع ذلك ذُكر الضحك كمكافأة: "طوبى لكم أيها الباكون الآن، لأنكم ستضحكون".

لم يذكر القرآن الكريم الضحك إلّا مرات قليلة، كقوله تعالى: " وَأَنَّهُۥ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ" أي هو من أوجد أسباب الضحك والبكاء. وجاء استهجان المرح، الذي هو شكل من الضحك بالقول: "وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا" والمقصد في الآية؛ الحث على التواضع.                                

على ما يبدو أن فكرة تخيّل الإله يضحك، قد تراجعت في الإنجيل والقرآن، أو لنقل قد انعدمت، لكن هل ضحك الأنبياء الثلاثة المؤسسون للديانات الثلاث التوحيدية؟

السيد المسيح:

انتقلنا مباشرة إلى المسيح دون المرور على النبي موسى، فالسفر الذي قصّ سيرته، لم يتطرّق إلى ضحكه، ولم تثر النقاشات بحدّة حول إذا ما كان قد ضحك أو لا. لكن مع المسيح، فقد ثارت جدالات كبيرة حول إن كان قد ضحك أم لا.يوحنا

يؤكد القديس يوحنا فم الذهب بأن المسيح لم يضحك. وقد وبّخ القديس جيروم الضاحكين، لكن القديس أوغسطين قدم رؤية متسامحة مع الضحك. يخصص أمبرتو إيكو في روايته، وشم الوردة، عدّة وريقات يتناول فيها الضحك ويتطرق إلى أن المسيح قد تفوّه ببعض النكت. ويرى تيري إيغلتون بأنه لا يوجد دليل مباشر على أن المسيح، قد ضحك، لكنّه بالتأكيد قد ابتسم لأن ذلك من خصائص الطبيعة الإنسانية.

تلك الجدالات التي ذكرها أمبرتو إيكو تعود للقرون الوسطى، أما الآن فالكنيسة تقدم رؤية مشجّعة وداعمة للضحك.اسم الوردة

الرسول محمد (ص):

كان الرسول واضحًا في تحديد طبيعته وفق ما وصفه القرآن: "قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ". قيل للفقيه سفيان الثوري: المزاح هُجنَةٌ؟ فقال: بل سنّة، لقوله عليه الصلاة والسلام: “إنّي لأمزح ولا أقول إلا الحقّ”؛ فالنبي محمد (ص) كان يمزح ومن مأثورات مزحه، نذكر قوله لخوّات بن جبير الأنصاري: “ما فعل جملُك الشرود؟ قال: عقله الإسلام”.

وقد جاء في الموروث أنّ الرسول الكريم جاءته عجوز أنصارية، فقالت يا رسول الله: ادعُ لي الجنّة، فقال: أما علمت أنّ بالجنّة لا يدخلها العجز، فصرخت العجوز، فتبسّم رسول الله (ص) وقال لها: أما قرأت (إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارًا عربًا أترابًا لأصحاب اليمين).

هكذا نرى أن الإسلام قد أجاز المزاح والفكاهة وقال الإمام علي:” لا بأس بالفكاهة يخرج بها الرجل عن جِدّ العبوس”. وقد تواترت الأخبار عن الصحابة والخلفاء الراشدين والتابعين بتفكههم وتقبّلهم المزاح، ومن ذلك نذكر حادثة للخليفة عمر بن الخطاب، إذ نظر إلى أعرابي يصلي صلاة خفيفة، فلما قضاها، قال الإعرابي: اللهم زوجني بالحور العين. فقال الخليفة عمر: أسأت النقد وأعظمت الخطبة.

إنّ ما سبق يؤسس الأرض الشرعية للفكاهة والدعابة والنكتة، مما سمح بنمو أدب الفكاهة ومأثوراته واشتهار شخصياته وتعدد أنواعه، ووضع الكتب والمصنفات عنه. فمن الديني إلى السياسي والمجتمعي بل وكل نواح الحياة، حتى أنّه كان ينجي من الموت ويرفع الحدّ الشرعي.

هل الاسم الخفي للإله هو الضاحك:

تذكر لنا الأسطورة بأن هاديس، إله العالم السفلي، قد خطف الفتاة بيرسفوني ابنة آلهة الأرض ديمتير، فحزنت عليها حتى أقحلت الأرض، فما كان من إحدى الكاهنات إلّا أن رفعت ثوبها أمام ديمتير، فبان عضوها التناسلي، فضحكت ديمتير وعادت الحياة إلى الأرض، هذا ما ذكره باسكال كنيار  .بيرسفوني

كانت الآلهة الوثنية تضحك، وتنسج المقالب في حق بعضها البعض، حتى كان من الممكن أن يضحك المؤمنون على حماقات إلههم زيوس، والتي كانت تكشفها دومًا زوجته هيرا. لكن في الأديان التوحيدية، لربما الفكاهة الوحيدة التي قد نضحك بسببها كثيرًا ستكون في يوم القيامة، وهي أن يخرج الإله من غيبه، ويخبرنا أنّ كل ما حدث من آدم إلى يوم الدينونة، كان مجرد فكاهة.

 

 

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني