إنه إذاً عاشقٌ ينتظرُ... ويقول!
جواد ديوب- خاص فينكس:
صعبٌ أن تصوغَ حياتك، أن تؤبّدها بما يحميها من النسيان أو التلاشي أو التعثر بتفاصيل العيش اليوميّ، والمفارقة القاتلة هي أن ذاكرتنا تعمل جاهدةً على ترتيب اللحظات وتأريخها خوفاً من حركةٍ طائشةٍ من ممحاة النسيان.
إننا كما يقول الروائي التشيكي ميلان كونديرا: "مفصولونَ عن الماضي (الماضي القديم كما الماضي القريب جداً منذ بضع ثوان) بقوتين تباشران العمل وتتعاضدان: قوة النسيان (التي تمحو) وقوة الذاكرة (التي تحوّر)."
قلتُ لصديقي إنّ "جُزءاً من الصعوبة أو القسوة أو من المفارقات الفلسفية لما يُسمى الزمن أو الواقع هو أنك؛ إمّا أن تعيشَه بشغفٍ مطلق أي أن تنغمسَ فيه بكينونتك الكاملة لدرجة أنك لا تقدر على أن تكتبه... أو أنْ تكتبه لكن دون أن تمتلك القدرة على عيشه"، فأضافَ على الفكرة كعادته في قول الأشياء بنكهته الخاصة:
"في كونٍ من شغف الحب والانغماس فيه، ليس للنسيان من مقام، إذْ كيف يقوم النسيان في كون يتعطل فيه الزمان؟! على أنَّ كوناً يتعطل فيه الزمان يجعلُ من النسيان رحِماً أصلياً... الشغفُ، الشغف يا صديقي هو الشرط الوحيد للّذّة، للمتعة، للامتلاء، لفرحِ اللاكتابة... وهذه هي الشروط الأصلية للسعادة."!
الانتظار والحب!
قلتُ له: يشغلني ذاك الخيطُ السحريُّ الذي يربط بين الحب وفكرة الانتظار لأنني أرى في "الانتظار" إشكاليتان محيّرتان؛ الأولى أنطولوجيّة: ذاكَ الزمنُ المنتَظَر؛ الزمنُ السائلُ على أجسادنا، تلك القطعةُ الصافيةُ من القلق، الزمنُ الذي قال عنه العرب إنه مثل "حفنة رمل" إنْ قبضتَ عليها بعنفٍ ستتسرّب من بين أصابعك، وإنْ بسطتَ يدَكَ ستذريها الرياح. كأنّ محنتَنا التي لا فكاكَ منها دائماً وأبداً وكيفما تصرّفنا هي محنتُنا مع الزمن، مع اللحظات التي تطير مثل مظلّات زهرةِ الهندباء بخفّةٍ مدهشة لا نقدرُ عليها نحن المصنوعين من أجسادٍ صلبةٍ مثل صخور "ميدوزا". أجسادٌ رغم صلابتها العجائبية هي فانيةٌ وعابرةٌ مثل شُهب الضوء!
والإشكاليةُ الثانية يمكن أن ندعوها إشكاليةً سايكولوجيّة: إنه ذاك الأملُ المخزون في ثنايا الانتظار، الأملُ العنيدُ المتشبِّثُ الصلب، الأملُ الذي يقودُ العاشقَ مثل عصا الأعمى مرّةً إلى رصيفِ خلاصهِ، ومرّةً إلى جحيمِ حتفهِ المشتهى. الأملُ تلك النجمة التي يهتدي بها العشاق المجانين مثل ملّاحين تائهين في أعالي البحار الهوجاء.
إنه إذاً عاشقٌ يتكلّم فيقول: الانتظارُ هذيانٌ وجنونٌ!
قلتُ: في الانتظار "يتأنّثُ" العاشقُ بفعلِ الحبّ لا بفعل الغريزة، ويحيكُ سجّادةَ الوقت مثل نساء الأساطير المنتظرات أزواجهنّ وعشّاقهن، مثل بينيلوب وهي تنتظر يوليسيس في "الإلياذة"!
قال: في الانتظار نكتشفُ قدرتنا على الوفاء بالوعد.
قلتُ: ستجدُ في رواية الشاعر السوري عادل محمود "إلى الأبد ويوم" اقتباساً لقصة الجندي الذي فُقِدَ في الغابات. ذاك الطيّار الذي سقطت طائرته في جبال الأنديز، في الثلج والوعورة وانعدام الحياة البشرية، والذي بدلاً من اليأس وانتظار الموت قال لنفسه: "ما دامَ هناك من يحبُّني ويتوقّعُ مني أن أمشي وأعود، فسوف أمشي وأعود. وسأكون نذلاً إنْ لم أمشِ".
قال: الانتظار عبوديةّ!
قلتُ: ولكنّ الانتظارَ إدراكٌ لـ"حقيقة" الحب، وقبْضٌ على "ماهيّته"، واكتشافُ كيفَ يمكن أن يكون الحب أكثر أهميةً من "المحبوب" نفسه أو المعشوقة نفسها. ألم تسمع بقصة "العالِمِ الصينيّ الذي عشِقَ جاريتَه، وحين طلب منها الوصالَ واللقاء قالت له: سأكون لكَ بعد أن تنتظرني مئة ليلة جالساً على كرسيٍّ في حديقتي وتحت نافذتي. ففعل. لكنه في الليلة التاسعة والتسعين نهضَ ثم حمل كرسيّه وانصرف"؟! فهل يمكن لكَ أن تخمّن لماذا فعل ذلك؟ ربما لأنه اكتشفَ أن الحبَّ أهمُّ من المحبوب، أنّ الطريقَ أهمُ من الهدف، أنّ فعلَ الحبِّ هو فعلُ ديمومةٍ كما الانتظارُ هو فعلُ ديمومةٍ أيضاً؛ لكنّ الوصولَ قتلٌ للحلم، انتهاءٌ للتشوّقِ، إنهاءٌ لصيرورةٍ ربما هي في تشكّلها وانبعاثها وتوسّعها أهمُّ وأعقدُ وأكثرُ ديناميّة من النقطةِ/النهاية، من الوصولِ/السكون.
إنه إذاً عاشقٌ يتكلّمُ ويُذكّرُني: ألمْ تكتبْ في يوميات جنونكَ "إنّ الانتظارَ معاكسٌ للنسيان. تذكّرٌ دائمٌ. لمْسٌ لجرحٍ مفتوحٍ في جسد العاشق الذي يكابدُ فيقول: كنتِ ذاكرةَ الأماكنِ والأشياء والفرحِ والّلعبِ واللذّة. في غيابكِ أنا ذاكرةٌ معطوبةٌ مثلَ قَدَمٍ مبتورة"؟
أجبتُه: نعم الانتظارُ جُرْح، لكن الانتظارَ غوايةٌ أيضاً، وإرجاءٌ للمتعة إلى أنْ يحينَ انبجاسُها، إلى أن ينضُجَ تينُها ويتغاوى إجاصُها... ألا يقول محمود درويش في "درسٌ من كاماسوترا":
"برائحةِ الصَنْدَلِ الذَكَريَّةِ حول ظُهُور الخيولِ
انتظِرْها
ولا تتعجَّلْ فإن أقبلَتْ بعد موعدها
انتظرها
وإن أقبلتْ قبل موعدها
انتظرها
ولا تُجْفِل الطيرَ فوق جدائلها
وانتظرها
لتجلس مرتاحةً كالحديقة في أَوْج زِينَتها
وانتظرها
لترفع عن ساقها ثَوْبَها غيمةً غيمةً
وانتظرها
تحدَّثْ إليها كما يتحدَّثُ نايٌ
إلى وَتَرٍ خائفٍ في الكمانِ
ولَمِّع لها لَيْلَها خاتماً خاتماً
وانتظرها
إلى أَن يقولَ لَكَ الليلُ:
لم يَبْقَ غيركُما في الوجودِ
فخُذْها بِرِفْقٍ إلى موتك المُشْتَهى
وانتظرها".