كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الكثافة السكانية في الجنّة

باسم سليمان- خاص فينكس:

سيأتي يوم القيامة، وستفرز الخراف إلى الجنّة، والجداء إلى الجحيم، كما قال المسيح. ومن هذه الرؤية، لا بدّ أنّ فكرة المقارنة بين  الكثافة السكانية في الجنّة، والكثافة السكانية في الجحيم، قد راودت البشرية.                                                     

لقد احتفظت الآلهة الوثنية بالجنّة لها. ونلقى في ملحمة جلجامش كيف أنّ أتونفشتيم وزوجته، هما من نالا تلك الجنّة، أمّا بقية البشر، فلهم الجحيم فعلوا خيرًا أم لم يفعلوا. كذلك فعل هزيود في كتابه أنساب الآلهة، بحيث أعطى الجنّة إلى أهل العصر الذهبي والفضي، أمّا البرونزي والحديدي/ البشري، فلهم الجحيم. ولم يستثن غير الأبطال الذي ماتوا على أسوار طروادة وطيبة، الذين أعدّ لهم زيوس جنّة خاصة.

بدأت الديانات التوحيدية مع اليهودية التي لم تكن فكرة الجنّة من ضمن حساباتها، فهناك شيئول/ الجحيم، فقط، لكنّ فكرة الجنّة تكوّنت نتيجة الاحتكاك مع العقائد الأخرى، وخاصة المسيحية والإسلامية.  

اثنا عشر ألفًا من كلّ سبط:                                              

 تتجلّى رؤية الكثافة السكانية للجنّة في الديانة اليهودية خصوصًا في رؤية يوحنا اللاهوتي: "ورأيت ملاكًا آخر يطلع من المشرق، ومعه ختم الله الحي، فنادى بصوت جهير الملائكة الأربعة الذين وكّل إليهم أن ينزلوا الضرر بالبر والبحر، قال: لا تنزلوا الضرر بالبر، ولا بالبحر، ولا بالشجر، إلى أن نختم عبيد إلهنا على جباههم. وسمعت أنّ عدد المختونين مائة وأربعة وأربعون ألفًا من جميع أسباط بني إسرائيل".اسباط

هذا يعني اثني عشر ألفًا من كلّ سبط، هم من سيكونون سكّان السماء، أمّا بقية الناجين: "رأيت بعد ذلك جمعًا كثيرًا، لا يستطيع أحد أن يحصيه، من كلّ أمّة وقبيلة وشعب" فهؤلاء لهم الجنّة الأرضية، في حين كان للمختارين وعددهم 144 ألفًا، أورشليم السماوية حيث سيحكمون مع الله.

على ما يبدو أنّ الجنة وفق تصوّرات التوراة التي خُلق آدم ليعمل بها صغيرة. وإذا قرّر يهوا أن يبني مدينته عليها، فعليه أن يأخذ بالحسبان مساحتها، لذلك نرى العدد القليل الذي في مدينة أورشليم السماوية، أمّا بقية الناجين، فلهم الأرض بعد معركة هرمجدو.

"القلائل سينقذون، الأكثرية ملعونون":

هذا مثل لاتيني استحضره ألبرتو مانغويل في كتابه تاريخ القراءة. وذكر فيه أنّ القديس توما الأكويني قد أشار إلى أنّ عدد الناجين لن يتجاوز عدد عائلة نوح من الذين ركبوا معه في الفلك قياسًا إلى عدد البشرية. إنّ تصوّر توما الأكويني عن عدد الناجين يبدو قليلًا جدًا.

أدّى اكتشاف أمريكا إلى إثارة التساؤلات عن مصير هؤلاء الوثنيين الذين لم يسمعوا أبدًا بالمسيح، ولا بغيره من الأنبياء. جاء في تاريخ جهنم لجورج بنوا بأنّ محاكم التفتيش قد أوقفت مارسيو غاليوتي لأنّه أنكر الدينونة الأبدية للوثنيين، وذلك قبل عام واحد من اكتشاف أمريكا، ففي ذلك الوقت كان اللاهوتيون يعتقدون أنّ الوثنيين فئة هامشية في تاريخ القارات الثلاث القديمة، لكنّ اكتشاف أمريكا، أعاد الجدال بحقّ هؤلاء الذين لم يعرفوا هداية إلهية، وماتوا قبل أن يسمعوا بأي نبي. تعددت الآراء، فقد شرح الإنسانوي لويس فيفيس، بأنّ العدالة الطبيعية كافية لهم من دون النعمة الإلهية للنجاة التي أصرّ عليها الدكتور فرانسوا كولّيوس.مانغويل

 لم تتوقّف الجدالات بعد اكتشاف أمريكا عن عدد الناجين، وقد استمرت الآراء التي تقول بقلّة عدد الناجين. كتب الكاردينال بلارمان: " إنّ عدد المغضوب عليهم شبيه بعدد حبات الزيتون التي تتساقط عندما تهزّ شجرة الزيتون". أمّا غرينيون دو مو مونفور، فقال: " هو واحد من عشرة آلاف على الأكثر" فيما قال الراهب جوليان لوريو بناء على إحصاءات قدّمها له أحد العائدين من العالم الآخر، والتي أذاعها في إحدى عظاته التي كان عنوانها؛ في عدد الناجين القليل: "إنّ من بين الستين ألف وفاة التي تحدث في العالم يوميًا، شخصًا واحدًا ينال الجنّة وثلاثة أشخاص يذهبون إلى المطهر، أما 59996 فهالكون".

 أعيد النقاش في عام 1950 وقد جاء في معجم اللاهوت الكاثوليكي بأنّ حالة الملحد الإيجابي الذي يرفض الوحي في الجحيم، إلّا أنّ حالة الملحد السلبي الذي لم يتلق وحيًّا كحالة الهنود الحمر، يظلّ غامضًا.

بعيدًا عن القلة التي ستدخل الجنة كان لطائفة الأبوكتستاز المسيحية في القرن الثالث ميلادي، رؤية مختلفة تقول، بأنّه في آخر الدهور، سيدخل الجميع الجنّة حتى الشيطان نفسه. وتبعهم في ذلك الكاثاريين وفي تحقيقات فورنييه وجد أنّ الكاثاريين يعتقدون أنّ الإنسان يتوه قليلًا بعد الموت ومن ثم يذهب إلى الجنّة، أمّا الجحيم فقد أعدّ للشيطان وأتباعه ويهوذا واليهود.

المغضوب عليهم والضالون:

إنّ المنعم عليهم وفق الفاتحة في القرآن الكريم لهم الجنّة، أمّا المغضوب عليهم والضالين،  فلهم جهنم وبئس المصير. لنا أن نتخيّل عدد المنعم عليهم في الإسلام. تأتي سورة الواقعة بصورة لا تختلف كثيرًا عن التصورات اليهودية والمسيحية، فعدد الداخلين إلى جنّة عرضها السماوات والأرض على ما يبدو سيكون قليلًا: "ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ". جاء في حديث الفرقة الناجية: "ستنقسم أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة وكلها في النار ما عدا واحدة". إن نسبة الداخلين إلى الجنة مقابل الذين سيرمون في نار جهنم تبلغ واحد إلى ثلاث وسبعين. إنّها نسبة قليلة جدًا مع عدد المسلمين اليوم.صكوك

 أمام هذا العدد القليل من الذين سيدخلون الجنة كان لا بدّ من أن تجد المؤسسات الدينية وسائل أخرى. ابتدعت الكنيسة صكوك الغفران كي يحجز شاري الصكّ له مقعدًا في الفردوس. وفي رسالة الغفران نجد ابن القارح يخرج صكًّا كي يدخل الجنّة. ويذهب لويس عوض في كتابه على هامش الغفران إلى أنّ تلك العادة قد درجت أيام الدولة الفاطمية. ومن الوسائط التي اجترحها الإسلام الدفن قرب مراقد الأنبياء والأولياء والأئمة، كي يجد الميت له مكانًا في الجنّة من خلال الشفاعة. ولدى اليهود أصبح الدم ونقاوة العرق وسيلة ليضمن بها اليهودي محلّا في الجنّة الأرضية بعد يوم القيامة، لأنّ المئة وأربعة وأربعين؛ المختارين، لهم شرطهم الخاص، قلّة من اليهود يملكونه، وهو أن لا يكونوا قد تدنّسوا مع النساء.

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني