جمال عبود.. رحيل يكسر الصمت
2021.05.31
نذير جعفر:
/ نشر في العدد 597 من الموقف الأدبي /الصورة المرفقة: من اليمين: د.جمال عبود/ شوقي بغدادي/ جمال الجيش / د.عاطف البطرس/ نذير جعفر في الندوة التي أقيمت عن الشاعر الراحل رياض الصالح الحسين في المركز الثقافي العربي/ أبو رمانة.
يكاد من رهافته أن يعتذر من الوردة إذ يلامسها، يمشي كما لو أنه ظلٌّ لروحه المنكسرة، تقاسيم وجهه لوحة لحزن مقيم ودفين وعذابات تبدأ ولا تنتهي برحلة حياته ما بين الحسكة كُوَّة النور التي أطل منها على الحياة ومهوى الحنين إلى شجر الخابور، وبيروت الدراسة والصحافة والطموح، ودمشق ملاذه الأخير وسر عشقه وشغفه بكل ما فيها.
ذلك هو صديقي وتِرْبي ونديمي الودود الراحل جمال عبود، القاص والناقد والصحافي والزميل الذي عرفناه في جمعية النقد الأدبي باتحاد الكتّاب العرب طوال سنوات، والأستاذ في المعهد العالي للمسرح بعد حصوله على الدكتوراه برسالته الموسومة بــ «التعبيري والملحمي في المسرح والسينما السورية» التي أشرف عليها الدكتور غسان غنيم.
تعود معرفتي به إلى مطلع السبعينيات يوم كنا نتردد معا في المرحلة الإعدادية على المركز الثقافي العربي القديم في الحسكة ونزور رئيسه حينذاك الكاتب وهيب سراي الدين مؤلف رواية: «حفنة تراب على نهر جغجغ» وهو النهر ذاته الذي سبحنا فيه معا أنا وجمال عبود في طفولتنا ثم هجرناه إلى الخابور في شبابنا يوم كان شقيقا للبحر تحيط بضفافه دَوْحات غنّاء وتتوسطه جزر ساحرة لا ساقية للصرف الصحي كما هو الآن بعد أن تعرض لعدوان التصحّر وجففه الاستهتار بحفر مئات الآبار الأرتوازية على ضفتيه!
في المركز الثقافي تسابقنا جمال وأنا على قراءة الكتب وكل ما يصل إليه من صحف ومجلات، وكان أمين المكتبة الأستاذ محمد الصباح يفتح لنا بابها على مصراعيه قراءة واستعارة بلا حدود على مدى سني دراستنا الإعدادية والثانوية حتى قرأنا معظم ما فيها من كتب الأدب مما شجعنا على إقامة الأمسيات في المركز الثقافي ولما يتجاوز عمر أحدنا السادسة عشرة! وفي ظل المناخ الثقافي المزدهر في السبعينيات أضحت مدينة الحسكة قبلة المثقفين فلا يمر أسبوع إلا وفيها أكثر من أمسية وندوة ومعرض فني، كما نشط مسرح الهواة والمسرح العمالي والمسرح الشبيبي، وفي ذلك المناخ تربى جيل من الكتاب والباحثين والفنانين التشكيليين والشعراء والإعلاميين الذين أثروا المشهد الثقافي السوري والعربي بل تصدرت أسماؤهم كثيرا من الفاعليات والمنابر في دول العالم، ولا يسمح المقام بذكر أسمائهم التي تتجاوز الخمسين في شتى حقول الفن والمعرفة.
بعد الثانوية العامة افترقنا فاختار جمال الدراسة في معهد النفط والتحقت أنا بكلية الآداب في جامعة حلب، ثم غادر هو إلى بيروت وأنا إلى الكويت، والتقينا من جديد بعد ربع قرن في جمعية النقد الأدبي التي كان مقررا لها، فحثّني وحثثته أيضا على متابعة دراستنا العليا حتى أنجز كل منا الماجستير في الآداب، وساعدته ظروف إقامته في دمشق على مناقشة الدكتوراه والحصول عليها فيما وقفت ظروفي في حلب حائلا أمام إنجازي لها بسبب ما تعرضت إليه من عدوان وحصار.
رحل جمال عبود كما لو أن حياته برق خاطف لمع وانطفأ، لكن وراء هذا الغياب حكاية عمر ومعاناة وآلام، فأنا لم أره مرة إلا وكان على عجلة من أمره، كائن من لهاث يومي في الصحافة ودور النشر والتعليم، اعتاد أن يذرع دمشق مشيا على الأقدام من دُمّر البلد مقر إقامته إلى الجامعة ومن الجامعة إلى اتحاد الكتاب ومنه إلى صحيفة البعث، فالمعهد العالي للمسرح، مارّاً بمكتبة الأسد، والهيئة العامة السورية للكتاب، ذلك كان مشوارا شبه يومي له، لا يتأفف ولا يتذمّر ولا يشكو، غير أن مسحة الحزن الشفيف لا تغادر ملامحه، حزن لازمه طوال معرفتي به، وربما كان ذلك وراء نبرته الساخرة والمريرة في معظم قصصه ووراء المرض الخبيث الذي أودى بحياته أخيراً على حين غرة قبل أن يمهلنا فرصة لقائه ووداعه.
كان عفيف النفس، كريماً، يتسابق في خدمة الآخرين، ولا يتوانى عن تقديم المساعدة في أي مجال يستطيع فيه تقديمها، حتى على حساب وقته وصحته ونفقته! وكان بيته بيتا لكل أصدقائه القادمين من مختلف المحافظات السورية، وهذا ما يقوله عنه كل من عرفه عن قرب. وهنا لا أكتب فحسب من مبدأ «اذكروا محاسن موتاكم» ولا مجاملة ولا مديحاً، بل وفاء للحقيقة التي كوّنتها عن الراحل على مدى العمر، فقد ولدنا معا في العام 1956 نفسه، وعشنا معا ثلثي هذا العمر، وها هو يمضي لأبقى، ربما لأوصل الأمانة، أمانته في التمسك بالوطن والبقاء فيه والدفاع عنه، وأمانته في الترفع عن المكاسب الدنيوية العابرة، والتعالي عن الصغائر، والحفاظ على شرف الكلمة في تعزيز قيم الحق والعدل والخير والجمال.
ترك لنا الراحل عددا من أعماله التي لم تأخذ حقها من الدراسة، وذلك يعود إلى طبعه في الابتعاد عن الأضواء، وتعفُّفه في الطلب من أيٍّ كان بالكتابة عنها، فلم تحظَ إلا بالقليل من المراجعات والأخبار المتناثرة، وهي أربع مجموعات قصصية: ــ مصرع التمثال، أخبار المنزل، غلطان يا بطيخ، حكي بردانين. وله كتاب نقدي بعنوان: مقدمة في النقد، ومخطوط رسالة الدكتوراه: التعبيري والملحمي في المسرح والسينما السورية.
قال عنه الشاعر شوقي بغدادي في تقديمه لمجموعته «غلطان يا بطيخ»:
«إنه قصاص ساخر بالفطرة في أعمق أعماقه من الناس والأشياء، ولكنه في الوقت ذاته يوحي لك أنه مؤمن كل الإيمان بالقيم الإنسانية الرفيعة ويطمح لخدمتها دون تبجُّح او مزايدة».
وكتب عايد سعيد السراج في موقع «الحوار المتمدن» عن مجموعته «حكي بردانين»: «الكتابة عند جمال عبود نتاج موهبة أصيلة، تدل على التلقائية والفطرية لأنه يرسم دواخله من خلال امتلاكه شخصية نفسية كاتبة قادرة على أن تفرغ محتوى عواطفها دون حرج أو خجل، ومن يرى جمال عبود ويحدثه يدرك تماماً مدى التوافق بين ظاهره وداخله».
وكتب نضال بشارة في صحيفة تشرين عن الراحل: «لا يمكن لك أن تتعرف على القاص والصحفي جمال عبود إلّا ويحجز له داخل قلبك حاكورة لا تعرف مساحتها، وسرعان ما تزداد، حتى تحبّه بكامل مشاعرك وعقلك، فهو يحترم حتى الذين هم أصغر منه بالعمر وبالمهنة، من دون أي افتعال، لأن داخله إنسان حقيقي».
يحزُّ في القلب أن يرحل جمال عبود ابن الخابور قبل أن يرى الحسكة موطن طفولته وشبابه وقد عادت كما كانت فضاء وطنيا لكل الأطياف التي تسكنها وتعيش فيها، فضاء للمحبة والحوار والتسامح، وسجادة سماوية لا يمكن سحب خيط واحد منها، لأن ذلك يشوّهها ويجعلها موطئا ومطمعا لكل معتد أثيم. ولعل الانتظار لن يطول يا صديقي جمال فلتنم قرير العين مطمئن البال طالما هناك رجال عاهدوا الله والوطن أن يعود الأمن والاستقرار للحسكة التي تحبها وتحنُّ إليها.