كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

سعد الله ونوس الذي احتضن الشمس ورحل

سلوى عبّاس- خاص فينكس:

لم يكن الطفل سعد ابن الثانية عشرة يعرف أن ضعفه في التعبير سيمثل له مفتاحاً لبوابة الحلم حيث كان موعده الأول مع القراءة من خلال كتاب "دمعة وابتسامة" لجبران خليل جبران، ثم تنوعت قراءاته ليطلع على نتاج كبار الكتاب والروائيين العرب، كطه حسين ونجيب محفوظ، وميخائيل نعيمة وغيرهم، لكن علاقته الأولى مع المسرح بدأت عبر سنوات دراسته للصحافة في كلية الآداب في القاهرة من خلال محاضرات الدكتور محمد مندور، وعندما وقع انفصال الوحدة بين سورية ومصر عام 1961 كتب أولى مسرحياته "الحياة أبداً"، بعد تخرجه في العام نفسه عاد إلى سورية ليشرف على قسم النقد في مجلة المعرفة التي تصدرها وزارة الثقافة، والتي ركز خلال عمله فيها على الدراسات المسرحية إلى أن حصل عام 1966 على منحة دراسية في جامعة السوربون في فرنسا.

في تلك الفترة حدثت نكسة حزيران التي هزت وجدانه فكتب مسرحية "حفلة سمر من أجل 5 حزيران" التي لاقت صدى كبيراً في الأوساط الثقافية، وبعد أن أنهى دراسته في فرنسا عاد إلى دمشق ليتسلم رئاسة تحرير مجلة أسامة التي استمر فيها من عام 1969 إلى عام 1975، وبعدها سافر إلى بيروت ليعمل محرراً في جريدة السفير، ومع نشوب الحرب الأهلية في لبنان عاد إلى دمشق ليعين مديراً لمسرح القباني، ويؤسس مع صديقه المرحوم فواز الساجر- الذي شاركه الحلم والمصير- فرقة المسرح التجريبي بهدف تقديم مسرح وثائقي يطرح قضايا المجتمع ومعاناته ويعمل على حلها وتغييرها، سعد الله ونوسوقد شاركه في خطوته هذه عدد كبير من الشباب المتحمسين للمسرح كالمخرج علاء الدين كوكش، وعملوا على إقامة مهرجان دمشق المسرحي الأول عام 1969، وعرضت في هذا المهرجان مسرحية "الفيل ياملك الزمان" لسعد الله ونوس، وفي عام 1978 توقف المهرجان بسبب الأحداث السياسية التي عصفت بالمنطقة، وفي عام 1977 تسلم رئاسة تحرير مجلة الحياة المسرحية التي تصدرها وزارة الثقافة وبقي فيها حتى عام 1988.

لم ينطفئ سعد الله ونوس، بل اشتعل ليس على خارطة سورية مسقط الروح والقلب والإبداع، ولكن على خارطة العالم كله، ونوس قبّرة الفرح والحزن السوري.. نشيد أبي خليل القباني واستمرار الريادة، ومن ثم الاحتراق في تجاوز كل ما هو عادي لتجاوز حدود الدول العربية، ومن ثم الإطلالة من نافذة أمل ما على العالم كله في يوم المسرح العالمي عام 1996.

اشتعل سعد الله ونوس حتى الرماد، اشتعل من بلدته "حصين البحر" ثم اشتعل من جريدة البعث والقسم الثقافي، ثم اشتعل به المسرح واشتعل له، صرخ بداية: "المهم أن نعترف نحن بإبداعنا.. وليس الغرب"، ولذلك كان أول عربي يلقي رسالة المسرح في يومه العالمي، وبعد ذلك حلَّ ضيفاً على مسرح المدينة وقدمت له نضال الأشقر الفنانة اللبنانية المعروفة مفتاح مسارح بيروت، بينما قال له آنذاك بول شاؤول: "من أين هذه القوة، من أين هذا الإدمان النهائي بين المنعطفات الخطرة؟"، وحضرت ليلتها تونس في جعبة فاضل الجعايبي، والكويت مع فؤاد الشطي، والناقدة خالدة سعيد، وكلهم دمعت أعينهم إلا سعد الله ونوس الذي قال: "مفعم بأحاسيس يليق بها الصمت أكثر من الكلام"، وأضاف: "إن مواجهة النظام العالمي الجديد لاتتم بغير تنمية الثقافة وتوسيع ساحاتها"، واستدرك وشكر بيروت التي تكرمه قائلا: "بيروت التي رفضت وبكثير من الدم والخراب أن تكون مدينة عربية فاترة تعافها النفس".ونوس 2

عمل ونوس على خلق مسرح مختلف يؤمن بالكلمة والفعل، فكان مسرحاً وجودياً فلسفياً؛ وفي حوار أجري معه عام 1979 شرح ونوس تطور أسلوبه المسرحي بقوله: "منذ منتصف الستينيات بدأت بيني وبين اللغة علاقة إشكالية ما كان بوسعي أن أتبينها بوضوح في تلك الفترة، كنت أستشعرها عبر ومضات خاطفة، لكن حين تقوّض بناؤنا الرملي صباح الخامس من حزيران أخذت تلك العلاقة الإشكالية تتجلى تحت ضوء شرس وكثيف، ويمكنني اليوم أن أحدد هذه العلاقة بأنها الطموح العسير لأن أكثّف في الكلمة، أي أن تكون كتابتي شهادة على انهيارات الواقع، وفعلاً نضالياً مباشراً يعبر عن هذا الواقع، وبتعبير أدق كنت أطمح إلى إنجاز الكلمة المقترنة بالفعل التي تتلازم ويندغم في سياقها حلم الثورة  وفعلها معاً، إذ لم يكن دور المشاهد وحده يستوعب حدود الفعالية التي أتوخاها، لكن المناضل الذي أريد أن أكونه ليس في النهاية سوى كائن فعله الكلمات".

لقد حاول سعد الله ونوس أن يطوّر نظرته للمسرح والحياة بشكل دائم، وكانت كل مرحلة من مراحل تطوره تستند إلى رؤية جديدة لفن المسرح، ولدوره بالتناغم مع تطور رؤيته الفكرية والسياسية للفرد والمجتمع والحياة، فتصوره للمسرح لا ينفصل عن تصوره للمجتمع الإنساني، وقد رأى فيه المكان الذي ينمو فيه انتماء الفرد للجماعة، ويتعلم غنى الحوار وتعدد مستوياته، "فالمسرح عنده المرآة التي تضع المتفرج في مواجهة ذاته ومواجهة عالمه ليصبح ذلك المكان المفتوح للاحتجاج والنقاش والرفض وإعادة النظر بأسس المجتمع" ومؤكداً على الدوام أنه "لا معنى للمسرح إذا لم يطرح قضايا الإنسان الجوهرية".

ما قاله سعد الله في كلمته التي ترجمت إلى أكثر من عشرين لغة: "إننا محكومون بالأمل، وما يحدث اليوم لايمكن أن يكون نهاية التاريخ، منذ أربعة أعوام وأنا أقاوم السرطان، وكانت الكتابة والمسرح بالذات، أهم وسائل مقاومتي خلال هذه السنوات الأربع، كتبت بصورة محمومة أعمالاً مسرحية عديدة".. نعم.. كانت الكتابة منطلقة من موقف حدده ونوس لنفسه: "على المثقف ومهما كانت الظروف شاقة أو غير مواتية أن يكون جذرياً، وأن يزداد في هذا الزمن المظلم جذرية".ونوس3

ستة وخمسون عاماً في العطاء وصراع الروح والجسد مع الموت والمرض، صراع حمل فيه ونوس فنه ومسرحه ولاشيء سواهما، حاول أن يقهر الصمت الأبدي بالصراخ الخالد، وعاش على الرغم من الداء والأنواء نسراً عربياً سورياً، الكلمة أصبحت في معاناته قوة الحياة، فاستبسل في أداء كان المظلومون والموجوعون والسامرون في أحزانهم معه وقربه في غيبوبته التي كانت تقصر أو تطول في مشفى الشامي، وكان كلما اقترب منه الموت رجمه بالندى والعافية، وأطل في مسرحيات رفعت اسمه إلى جائزة نوبل وهو ليس بحاجة إليها، لأن العالم كرّم صوته على مسارح البشرية كلها حين أصغى إليه وكانت العصافير تنتشر من مفرداته وصدره لتحط على أغصان الحرية وندائها الجامح إلى الحياة.

كان المسرح هاجس روحه الذي أمده بالحياة، وهاهو حال المسرح بعد غيابه قد طرأت عليه الكثير من التغيرات والرؤى سواء من حيث نشوء فرق مسرحية جديدة بدماء شابة تقدم تجاربها حسب رؤيتها ووجهة نظرها، ونوس 4أو من خلال إعادة عرض أعمال مسرحية لمسرحيين سوريين كبار تركت أعمالهم بصمتها التي تمنحها هوية تبقيها متجددة عبر الزمن.

سعد الله ونوس الذي اشتعل، لم يمت ولم يحترق، أعطى وقاوم وحمل مصباحه السحري ليضيء عالمنا إلى الأبد، وحمل من أسرار حياته، من مسقط الروح في "حصين البحر" إلى نور رحيله في دمشق بعد أيام من الغيبوبة.. حمل قلباً وكلمة.. ولم يمض، بل قبع في وجودنا وذواتنا واحتضن الشمس.

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني