فلسطين العشق كله!
جواد ديوب- خاص فينكس:
اسمُ أختي "جِنين"... وقلبي حجرٌ في مِقلاع! أسماها أبي بهذا الاسم لأن فلسطين بكل مُدنِها وقُراها ومياهِها كانت تجري في نسْغِ أفكاره هو وأبناء جيله. في طفولتنا، أنا وأختي، كنّا نعيشُ وسط عشرات الأعداد من مجلاتٍ تعنى بالشأن الفلسطيني وغيرها من كتبٍ وكرّاسات وألبومات صور لأحداث لبنان وفلسطين. كنا، أبي وأختي وأنا، نتأمّلُ سويةً رسوماتِ ناجي العلي الكاريكاتوريّة، التي يقتطعها والدي بعناية ويحتفظ ببعضها ويلصقه على كُرّاسٍ ورقيٍّ كبير بجوار العديد من رسومات الكاريكاتير المميزة، يشرحُ لنا ما يلتبسُ على فهمنا وما يجعل طيفَ ابتسامةٍ ساخرةٍ ترتسمُ على وجهه حين يكون الرسم منتقداً لسياسات بعض الأنظمة العربية أو حتى لواقع الحال في الداخل الفلسطيني أو في الشتات.
مرّة عاد أبي من لبنان ومعه "ألبوم" صور للاجتياح الإسرائيلي لبيروت ومجزرة مخيمي "صبرا وشاتيلا". كنت أشاهد الصور مفزوعاً ومصدوماً وخائفاً وغاضباً. أبكي وأتساءل في قلبي: هل يشاهد الربُّ ما أشاهد؟ هل يشاهدُ العالمُ ما يجعلني أغصُّ بشربة الماء وما يجعل أحلامي تتحول إلى ساحات حربٍ و"مقلاعات" حجارة أهوي بها على رؤوس الجنود الصهاينة وأحوّلُ الزمنَ إلى حِممِ غضبٍ وراياتِ انتصارٍ و"كوفيّات" شهامة؟ أسأل أبي لماذا اختار اسم جنين لأختي؟ يجيبني بتنهيدةٍ وصوتٍ مبحوحٍ كما لو أنّ الذكريات لا يمكن أن نتحدّثَ عنها إلا بصوتٍ خفيضٍ كيلا تهربَ مذعورةً من معرفتها أنها صارت ذكريات، يقول لي: "سافرتُ إلى لبنان لأول مرة عام 1976 كنتُ شاباً أزور المجلات الثقافية حتى قبل أن أعمل صحفياً، ومنها "مجلة الهدف" الفلسطينية -كان يكتب فيها غسان كنفاني- وتعرفت فيها هناك على الروائي حيدر حيدر عام 1978 أهداني يومها مجموعتين قصصيتين هما "الوعول" و"حكايا النورس المهاجر" وكان استقباله لي -كشابٍّ جديدٍ على الوسط الثقافي- مشجعاً ومفرحاً جداً.
لكن إعجابي بممدوح عدوان وقربي من عائلته أوصلاني إلى الفكر الذي ينشره المثقفون الفلسطينيون في تلك المجلات (كان هناك إعجابي المسبق بالفصائل الفلسطينية والتنظيمات "الفدائية" كرمز لقرب تحرير فلسطين. كنت أسمع من والدتي كيف يمرّون بجوار قرانا وهم في طريقهم إلى معسكراتهم التدريبية في جبال مصياف المجاورة، وكيف كانت النساء يحتفين بهم ويقدّمن لهم خبزَ التنّور وبعض ثمار التين الأخضر أو المجفف مع شربة ماء) وأذكر عندما زرت مجلة الهدف إحدى النقاشات التي خضتها يومها معهم... وتحديداً سؤال "كيف يمكن أن تعيدوا ثقة الناس بكم، أي بـ"الفدائيين"؟... كنتُ أحاول أن أخوضَ مع كتّاب الأقسام الثقافية في تلك المجلات نقاشاتٍ نقدية حامية أو ودّية تعاطفية لأثبت وجودي في الوسط الثقافي والفكري.
(يضحك) ويكمل كأن قطار الحكي يسير على سكّته الصحيحة: "كانت مجلة "الهدف" ثوريّةً أو "راديكاليّة"، في حين كانت مجلة "الحريّة" -التابعة لـ"نايف حواتمة"- أقلّ جذريّةً وأكثر تقبّلاً لفكرة الحوار مع الإسرائليين، وهكذا بتأثير ذاك الجو والفضاء النضالي والأخبار التي تأتي من الأراضي المحتلة وتوجعنا فنتعاطف معها بشدّة وتأثّر كبيرين! لذلك كانت تسمية ابنتي "جِنين" نوعاً من التماهي والتشابك العاطفي مع كل من عَمِلَ وحمل ذلك الهمّ سواء من الفلسطينيين أو السوريين أو اللبنانيين الذين أيضاً أسموا أولادهم بأسماء مدن فلسطينية مثل: بيسان، ويافا، ونابلس ورفح... خاصةً بعد النكسة التي أوجعتنا جميعاً، وكانت ناراً حارقة لجيل الكبار من المثقفين السوريين تأثرنا بهم وعايشنا بعضهم عن قرب أمثال (أدونيس، وسعد الله ونوس، ونزار قباني، وحيدر حيدر، وشوقي بغدادي، وممدوح عدوان، وهاني الراهب، وعلي كنعان، ورياض الصالح حسين، ووديع اسمندر والناقد الأشهر يومها جورج طرابيشي...إلخ)، الذين حاولوا التغلّب على خيبات "النكسة" بأن يستنهضوا أحلاماً جديدة وثقةً جديدة (بعد "حرب تشرين") لكن ظلّ الجوّ مشحوناً بانتقادات ذاتية وتساؤلات مثل: لماذا حصل ما حصل، وكيف يمكن لنا أن نتجاوز أخطاء المرحلة التي أوصلتنا إلى تلك النكسة.
تساؤلاتٍ شحنت الأجيال اللاحقة، بل شحنت صنوف الإبداع كلّها، بلوثة السياسة! اسمُ أختي "جِنين" وقلبي حجرٌ في مِقلاع! أسأل أختي عن إحساسها باسمها وبذكرياتها/ذكرياتنا مع أصدقائنا الفلسطينيين، تمازحني بكلمة "شوف خيّا" وتُكمل: "كنتُ أخجل قليلاً من اسمي لأنّ مَنْ يَسمعه من زملاء الطفولة والمدرسة يجده غريباً ونادراً ولا يعرف كيف يلفظه، ثم حين كبرت قليلاً سمعتُ من إحدى زميلاتي أن أحد معاني الاسم هو زهرٌ من أزهار الجِنان/الجنّة، لكنّي عرفتُ لاحقاً من أبي أنه يرتبط بمدينةٍ في فلسطين. حزنتُ قليلاً لأنني علمت كم يعاني أهلُها هناك وشعرتُ بضيقٍ وألمٍ. لكنّي كنتُ فخورةً جداً باسمي لهذا السبب تحديداً. بل أحببتُ لفظَه وقوّةَ حروفه خاصة حرف الجيم الفخم. أشعرُ بالفرح، حين أسمعُ أحداً ما يلفظُه بالشكل الصحيح (جِنين) وليس (جَنين أو جِنان أو عند البعض يصبح حنين من دون نقطة الجيم هههه) بل أشعر أنني أخذت شيئاً من التميّز الموجود في الاسم.
يوماً ما حضرنا حفلاً لا أذكر مناسبته بالضبط. كان فيه أغان تراثية ودبكات لفرقةٍ شعبيةٍ فلسطينية في "مخيم اليرموك" بدمشق... يومها رأيت العنفوان والحميّة العجيبة والابتكارات والارتجالات التي يبتدعها الشباب والصبايا الفلسطينيات وهم يدبكون على صوت "الشبّابة" (القصبة/الناي) كأنهم يدبكون كرمى لعيون فلسطين... كلِّ فلسطين". تسترسلُ أختي كما لو أنها تسافرُ على غيمة ذكريات دامعة: ألا تذكرُ كيف فتنتنا ألحانُ المبدع الفلسطيني "محمد أبو الرز" لأغنيةٍ من كلمات والدنا عن معاناة الأطفال عموماً وأطفال المخيّمات الفلسطينية خصوصاً: "بَعدُن على الطرقات مشلوحين.. ولاد ببيعوا الطفولة وأيَّ شي. غِفلوا عن العمر الـ مَ يهربْ (عم يهرب) زغْار (صغار) ومنن بيحبّ يلعبْ... بالجناين.. بالرّمل الـ عَ الشطّ.. زغْار ومنن بيحبّ يغفى... خلّص عمرهن هالرصيف والفقر اللي فرّخْ جوع ببيوتن.. ولاد كنّا وبعد... شوفي شو بِني... ضيّعت كلشي وما بقي.. غيرك على دربي.. خِديني رفيق" وحين لحّنَ وغنّى بعضاً من كلمات محمود درويش "أنا آتٍ إلى ظلّ عينيك آتٍ.. من ليالي الزمان البعيد.. ومن لمعان السلاسل.. أنتِ العيون التي فرّ منها الصباح.. حين صارت أغاني البلابل ورقاً يابساً في مهبّ الريح".
وحين لحّن وغنّى شيئاً من كلمات "مظفر النوّاب" كما لو أنَّ كلُّ مسامةٍ من جسده كانت تغنّي: "مو حزن لاتشن (لكن) حزين.. مِثل ما تنكطع جوّا المطر شدّة (باقة) ياسمين. وأنه (أنا) كتلك مو حزن لاتشن حزين مثل صندوق العرس ينباع خردة عِشك (عشق) من تمضي السنين... وأنا كتلك مو حزن لاتشن حزين مثل بلبل كِعد متأخر لكه (لقا) البستان كلها بلايا تين.. مو حزن... لا مو حزن..لاتشن(لكن) أحبك يا أسمر من تشنت(كنت) جنين".
فلسطين لم تكن غرزةُ ألمٍ في الخاصرة وليست شعاراتٍ وهميةً وكلاماً عابراً ويَداً مكسورةً "نشحدُ" عليها مساعداتٍ وخطاباتٍ ومواقفَ تضامنٍ وإدانةٍ و"شوالات" قلقٍ من مستودعات الأمم المتحدة! فلسطين لم تكن "مخيمات لجوء" وشوارع بمسمّياتٍ قديمة في بلاد الشتات. فلسطين لم تكن مجرّد حبال زينة وأعلام وأهازيج وزغاريد وقصائد تُكتبُ بماء العيون على لوحاتٍ من خشب الزيتون المقدّس... فلسطين كانت وما زالت إحدى قواعد العشق الأربعين.