التفاحة تطاردنا..
عماد الدين إبراهيم- خاص فينكس:
قصة الإنسان مع التفاحة قصة طويلة و مزمنة، فيها الكثير من الواقع و الخيال، فقد كان أبونا آدم و السنيورة حواء يرتعان و يلهوان في نعيم الجنة إلى أن قاما بالتهام التفاحة بعد إغواءٍ طويلٍ و مركَّزٍ من الأفعى التي حثَّتهما على الأكل من الشجرة المحرَّمة التي حذَّرهم الله من الاقتراب منها، فبادرت السيدة حواء بالتهام قضمةٍ منها، و مضغتها بتلذذٍ و متعةٍ، مما أثار أبانا آدم، فجاراها و قضم قضمةً، مضغها و بلعها، لكنه تذكَّر تحذيرَ الربِّ فبقيت عالقةً في حلقه دليلَ خطيئة ظاهراً على مدى العصور، و منذ ذلك الحين و التفاحة تطاردنا، و لم تكتفِ حواء بالمبادرة إلى الخطيئة، و جرِّ آدم إليها، بل جعلت من التفاحة لازمةً لها متلازمةً معها، فخدودها مورَّدة–ما شاء الله كالتفاح– عدا عن تفاح الإغواء الناهد في صدرها، و بقية الأسلحة الفتاكة في أماكن أخرى، و في العصر الحالي بتنا نرى النساء و بكثرة يرتدن المقاهي و الكافتريات، و ينجعصن و هنَّ يدخِّنَّ النراجيل و يطلبن معسّل "تفاحتين"، و كأنَّ واحدةً لا تكفي، فتأمَّل يا ولد آدم.
أخونا العالِم نيوتن لم يحْلُ له أن يسترخيَ و يغفوَ إلا تحت شجرة التفاح، و حين هبَّ فجأةً مستيقظاً بعد أن سقطت تفاحة على وجهه و أوجعته، فكر قليلاً و كثيراً، فاكتشف قانون الجاذبية الأرضية، و بدأ بتدوين و تسجيل نظرياته حول الجاذبية و آثارها و فعلها في الكائنات الحية و الميتة، و كان الفضل للتفاحة في هذا الاكتشاف الهام، بعكس مطربنا المحبوب فهد بلان الذي أتحفنا بملحمته الغنائية "تحت التفاحة لقعد سنة و شهرين تحت التفاحة" و بعد هذه المدة الطويلة طلع علينا بالنتيجة المذهلة التالية "ما يدوق الراحة إل يهوى كحيل العين ما يدوق الراحة" و هي لا تقل عن اكتشاف نيوتن لقانون الجاذبية؟!
ستيف جوبز مؤسس شركة"آبل"العالمية و الشهيرة في صناعة الحواسيب لم يسلم من مطاردة التفاحة له، حتى إنه اختار التفاحة المقضومة شعاراً لشركته، و كأن المقصود هو تذكيرنا كلَّ لحظة بتلك الخطيئة من خلال الحواسيب و أجهزة الأيفون التي تلازمنا في حياتنا المعاصرة، حيث باتت الأجهزة الذكية عضواً إضافياً من أعضائنا، و عندما سئل "روب جانوف" مصمم شعار "أبل" عن سبب التفاحة المقضومة قال: إنه صمم الشعار بهذا الشكل حتى يتم تمييز التفاحة عن البندورة أو الكرزة، و أضاف: القضمة الموجودة بجانب التفاحة تعني بالإنجليزية"Bite" و هي تشبه في النطق كلمة Byte”" التي تعني وحدة حاسوب تخزينية، وبالتالي فهي تدل على مصطلح تكنولوجي، أما أنا شخصياً فأظن، و أنا حرٌّ في ظني، بأنه سرق الشعار من قول ابن المعتز:
تفاحـةٌ معضوضةٌ كانـت رسولَ القُبَــلِ
كـأنَّ فيها وَجْنَــةً تـَنــقَّــبَــت بالخجـــلِ
فالأمريكيون غريبو الأطوار يجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم، يسرقون كلَّ ما يحلو لهم من الآخرين، و لا يعترفون بالسرقة و لا يذكرون المصدر، و من غرائبهم أنهم اعتمدوا اليوم الحادي و العشرين من شهر تشرين الأول من كل عام عيداً للتفاح، و يُعدُّ هذا العيد من أغرب الأعياد في العالم، و لا يوجد سبب واضح لاحتفالهم بالتفاح في هذا الوقت من العام، لكنهم أمريكان... و هذا يكفي.
المخرجة السينمائية الإيرانية سميرة مخملباف أدركتها لوثة التفاحة، و أخرجت فيلمها الأول بعنوان "التفاحة" و وصلت به إلى العالمية، و نالت عنه جوائز كثيرة، لكن أيضاً أوصلتها تلك التفاحة و جرَّتها إلى طريق المعارضة لحكم "الملالي" في إيران، فقد ظنت أن معارضتها ستفتح لها أبواب الشهرة و الإبداع، و أن الغرب سيحتضنها و يحتضن إبداعها و عبقريتها، فخابت و غابت في غياهب النسيان.
أنيس إبراهيم الكاتب الطرطوسي الراحل، اختار التفاحة أيضاً عنواناً لمجموعته القصصية الأولى التي صدرت عن وزارة الثقافة عام 1984، و فيها قصة تحمل العنوان نفسه، ورد فيها قوله: "الأنثى ..أنثى منذ الولادة.. عجباً كيف يكون ذلك".
و المقصود بالأنثى الثانية هي أن الأنثى منذ صغرها تعتاد على الغُنج و الدلال و الإغواء و الفتنة... و لا عجبَ في ذلك يا أنيس، فلماذا العجب و التعجُّب و أنت الكاتب النِحرير؟
حتى في الإعلام يلاحقنا التفاح، و معـــروف البرنامج الصحي الذي يحمـــل عنوان "التفاح الأخضر"، لا بل ألفوا كتباً عن فوائد هذا النوع من التفاح، حتى بتنا نشك و نتسائل: هل التفاحة التي التهمتها حواء خضراء أم حمراء؟ لا بل يمكننا القول و بكل راحة بال إننا نعيش في عصر "الإعلام التفاحي" حيث الإغواء و التضليل و الخداع على قدم و ساق، و الكل يشدو و يصدح مع فهد بلان في معلقته المباركة "تحت التفاحة"، و التي أضاف إليها المطرب الشعبي إبراهيم صقر شيئاً من التنوع لأنه يحب التعدد، فأتحفنا أبو عاطف على عوده:
شِفنا ع خدودِك تفاح و ع شفافِك كرمنتينا
كيف بدنا نقعد نرتاح و إنتِ ما بتطعمينا
و هو محقٌّ بسؤاله و تعجُّبه.
كاتب هذا المقال أيضاً لم يسلم من ملاحقة التفاحة، فكتب في قصيدة "شرفات" من مجموعة "المتوحد راعي الرياح " ما يلي:
آكلُ من تفاحةِ الشهوة .... و أغتبط
أشربُ من خمورِ الآلهة ...... فأنتشي
و أفتحُ شُرفتَين في جدارِ الكون.
و أرجو ألّا يسألني أحدٌ عن هاتين الشرفتين اللتين فتحتهما في جدار الكون، شعرياً فقط، لأنني في الواقع عاجزٌ عن أيِّ فتح، خاصة و أن عصر الفتوحات و الغزوات قد مضى عند العقلاء، و أنا أعتبر نفسي عاقلاً، و كثيراً ما أردد في نفسي داعياً:
"اللهم افتح عليَّ، و اجعلني من أصحابِ العقول الذين لا يستغني عنهم أصحابُ الحظوظ" الذين يتنعَّمون بمواسم التفاح في كلِّ الفصول و بكلِّ الدلالات.