الترجمة تاريخ وآفاق
دعد ديب- خاص فينكس:
لايمكن معرفة تاريخ وحضارة شعب من الشعوب وتقصي إنجازاته الفكرية والروحية، دون وسيط للولوج إلى بواباتها المعرفية وهذا الوسيط هو اللغة (اللوغوس)، ومن هنا أخذت هذه الكلمة صفتها المقدسة، لما لها من دور بارز في استجلاء كوامن الوجود الإنساني منذ أن عرف الإنسان الكلام من خلال اللغة.
وربما كانت سوريا من المناطق الأولى على مستوى العالم التي شهدت المنطوق الأول، أي أول أبجدية في التاريخ، أبجدية شمرا أو أبجدية أوغاريت، وهي المنطقة التي انطلقت منها الهجرات البشرية إلى أرجاء الكون، مما حدا بأحد الباحثين في الانتربولوجيا أن يقول إن لكل فرد في هذه الأرض وطنان وطنه الذي ولد به وسوريا.
وقد كان الأثر الكبير لترجمة مخطوطات ايبلا وماري التي تغفو تحت تل مرديخ التي ترجع إلى الألف الثالث قبل الميلاد، في إضاءة السبيل لمعرفة تاريخ سوريا العتيق كأقدم حضارة بشرية موغلة في عمق التاريخ من خلال ترجمتها من اللغة المسمارية القديمة المكتوبة بالأبجدية الاوجاريتية، وهي الأبجدية السورية القديمة و المدونة على الرقم الطينية القديمة إلى اللغات الحديثة الحية.
ومن سوريا أيضاً انطلقت أقدم اللغات، الآرامية التي يقال إنها لغة السيد المسيح والتي تعتبر اللغة الأم للغة السريانية بشقيها الغربي والشرقي والتي أعطت اسمها لسوريا، وهي الحاضنة للغات كل من الاشوريين والكلدان والسريان، وقد اعتبرت على مدى زمن طويل لغة العلم والأدب والفنون، ولغاية اليوم لغة التراتيل والابتهالات الكنسية والكثير من المفردات في لغتنا العامية يرجع إليها المعنى والتفسير، ولهذا السبب يلحظ ذلك التواشج الكبير بينها وبين اللغة العربية، وقد كانت العرب من الشعوب التي عرفت الترجمة وقدمت فيها الكثير من الانجازات والمعارف، لدرجة نستطيع تشبيهها بحلقة اتصال وتواصل بين الفلسفة الإغريقية وفلسفة عصر الأنوار في أوربا، لما قدموه من ترجمات لفلسفة اليونان والإغريق من كتب أرسطو وفيثاغورث وسواهم وقد كان لتطور عملية الطباعة في عملية التدوين والترجمة دورًا كبيرًا. حيث بدأت حركة النقل والترجمة من والى العربية في عهد الدولة الأموية التي بنت عرشها في دمشق وامتد سلطانها إلى كافة الدول المحيطة بها آنذاك، إذ ساهمت بنقل علوم الأولين إلى اللغة العربية، مما سهل وأسس لمنهجية الاطلاع على العلوم القديمة، ولعب العلماء السريان دورًا كبيرًا في هذا النشاط الثقافي.
و يعتبر خالد بن يزيد بن معاوية رائد عصر الترجمة في زمانه، وفي عهده تم ترجمة أول كتاب من اليونانية إلى العربية ومن بينها كتاب "أحكام النجوم" الذي ألفه الحكيم "هرمس"، وترجم أول كتاب في الطب في عهد مروان بن الحكم ألفه "أهرن بن أعين" الطبيب الذي عاصر هرقل ولكن ازدهار الترجمة الحقيقي بلغ ذروته في العصر العباسي، زمن الخليفة هارون الرشيد وابنه المأمون، نتيجة توسع الفتوحات العسكرية بالغرب والشرق، مما جعل الحاجة ماسة للترجمة نتيجة الاحتكاك بثقافات الشعوب، وقد ترجمت أشهر الكتب مثل كليلة ودمنة المكتوبة بالسنسكريتية من الهندية إلى العربية كما ترجمت بعض كتب ابوقراط و جالينوس في الطب، كما ترجموا عن اليونانية علوم الطب والفلك والرياضيات والموسيقى والفلسفة والنقد، وكان أشهر المترجمين في هذه الفترة حنين بن اسحق، وابنه اسحق بن حنين بن اسحق، وثابت ابن قرة، و يوحنا بن البطريق، وابن الحمصي، و أبو بشر متى بن يونس، و يحيى بن عدي، وابن المقفع، وقد اشتهروا بإتقانهم للغتين العربية والسريانية.
تعد حركة النقل والترجمة التي حدثت إبان العصر العباسي أول حركة مكرسة ومنظمة في تاريخ المنطقة، وذلك لتعدد مصادرها وتنوع اللغات المترجم عنها، فقد ترجم العرب عن اليونانية والفارسية والهندية والسريانية والقبطية، كما تميزت بتنوعها إذ راحت تغطى كل العلوم على اختلافها من الفلسفة والمنطق والطب والفلك والرياضيات والكيمياء والطبيعيات والأدب، ويعتبر الجاحظ أنه أول من نظر للترجمة، وتحدث عنها كعلم، ووضع شروطاً للترجمة، وممارستها ومن يمارسها، ولا يغفل لبيب عن أهمية الترجمة في عصرنا الحالي باعتبارها جسراً لنقل الثقافات والعلوم بين البشر ووسيلة لتواصلهم المعرفي والفكري، كما هي الوسيلة الأمضى في معرفة الآخر المختلف ثقافة وعلماً، وبالمقابل تقديم علومنا وثقافتنا بالشكل الأمثل وتوضيح مدى المرونة التي تتميز بها اللغة العربية التي كانت حلقة الوصل بين فلسفة عصر الأنوار في أوربا والفلسفة الإغريقية لما نقل إلى العربية منها، وبعدها إلى اللغات الأوربية في العصور الوسطى، لتمر بعدها فترة ركود طويلة نتيجة الاجتياحات المتكررة للمنطقة، لتعود و تنشط في عالم اليوم.
لقد كان نصيب العلوم الأدبية من الترجمة أكبر بكثير من المعارف العلمية والتقنية، إذ أن العلوم التقنية باعتقادي كانت وحيدة الجانب أي ترجمة إلى العربية فقط مثل المواضيع التخصصية كالبحوث العلمية، التي يقوم بها مترجمون في المراكز البحثية مثل مركز البحوث الزراعية في المناطق الجافة –ايكاردا إضافة إلى البعثات العلمية التي كانت ترسل إلى البلدان الأوربية من قبل الشركات الإنشائية للحصول على الخبرة والمعرفة وترجمتها عمليًا على أرض الواقع نظرياً وعملياً.
ولعل النصيب الأكبر في قضية الترجمة جاءت لحصة الأدب والفنون فالمئات من الأعمال الأدبية نقلت إلى العربية، وبوتيرة أخف نقلت المؤلفات العربية إلى اللغات الأجنبية وقد كان للجوائز العالمية دور كبير في وصول صوت الأدب العربي إلى العالم مثل جائزة نوبل التي حظي بها الكاتب نجيب محفوظ، وعلى أثرها سمع العالم بهذا الأديب، عن طريق ترجمة أعماله إلى أكثر من أربعين لغة أخرى، وأيضًا جائزة البوكر العربية التي أصبحت تقليد سنوي تترجم فيه الرواية الفائزة إلى غالبية اللغات الأجنبية نذكر منها رواية "بعد الغروب" لبهاء طاهر و"عزازيل" ليوسف زيدان و"فرنكشتاين في بغداد" لأحمد السعداوي والقائمة تطول، لذا برزت الترجمة الروائية من وإلى العربية إلى واجهة المشهد الثقافي في المنطقة ، لما للسرد الروائي من أهمية فكرية ذات عمق واتساع حيث المترجم كاتب آخر للنص وترجمة الأدب نقل المعنى الرابض بين الجمل والكلمات لا نقل الكلمة بشكل حرفي.
وبالمقابل لمع نجم الكثير من المترجمين من العربية مثل خالد الجبيلي، وأسامة اسبر، أماني لازار وريم غنايم، الذين ترجموا عن الانكليزية. واسكندر حبش الذي ترجم عن الفرنسية والدكتور سامي الدروبي، الذي نقل إلى العربية مؤلفات الأدب الروسي ومنها أعمال الكبير دوستوفسكي. ومن اليابانية عرفنا الدكتور محمد عضيمة بترجماته عن فن الهايكو، أو ماسمي بقصيدة الومضة، وبالمقابل برز اسم سلمى الخضراء الجيوسي لدورها في التعريف بالأدب العربي، بترجمته إلى اللغة الإنجليزية عبر مؤسسة "بروتا" التي قامت بتأسيسها، والأكاديمي التونسي أبو يعرب المرزوقي لإسهاماته في ترجمة الأعمال الفلسفية من الألمانية والفرنسية والإنجليزية إلى العربية، كما لايخفى دور المستشرق البريطاني بيتر كلارك الذي عّرف بالأدب العربي في اللغة الإنجليزية، والباحث والمترجم محمد الأرناؤوط لإسهاماته في الترجمة الأدبية والمتخصصة في مجال التاريخ.
وقد تعددت المشاريع الفكرية التي تبنت قضية الترجمة وجعلتها في سلم أولوياتها إيماناً منها بأهمية التلاقح الفكري بين الشعوب، ودور المثاقفة في معرفة الآخر والاستفادة من تجاربه، ومنها تجربة المترجم والمفكر المصري طلعت الشايب التي لعبت دوراً رائداً في تجربة المركز القومي للترجمة في مصر، ومشروع "بانيبال" للترجمة، وهو مشروع شراكة بين العراقي صموئيل شمعون وزوجته مارغريت في بريطانيا، والذي حمل على عاتقه ترجمة الثقافة والأدب العربيين إلى الإنجليزية، وهو مشروع فريد من نوعه خالف ما كانت تقدمه السفارات العربية في البلدان الأجنبية وما تقوم بترجمته والترويج لكتّابها.