كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الحوار في القصة القصيرة جداً تجديد أم ترهل؟ قراءة في مجموعة الكاتب علي ادريس

د. محمد ياسين صبيح- خاص قينكس: 

لا تزال القصة القصيرة جداً تمشي بقوة لتثبيت مواقعها على الساحة الأدبية العالمية والعربية، وفي هذا السياق تأتي الإصدارات العربية الكثيرة لتبين أهميتها، ولتظهر بأنها وسيلة مهمة للتألق الأدبي وللتعبير بكل قوة إبداعية وتأويلية، ومن هذه الإصدارات المهمة مجموعة الكاتب علي ادريس (أزهار على قارعة السراب) (دار مدارات-الخرطوم 2018).

    لقد حققت القصة القصيرة جداً إنجازات تنظيرية وابداعية مهمة، رغم بعض الإشكاليات التي تلاقي بعض الخلافات حتى الآن، ولكن لا شك بأن الجميع يتفق على أن التكثيف هو العمود الفقري لهذا الجنس الأدبي، ولو ان البعض يرى فيه مفهوماً مختلفاً، فامتلاك الكاتب للمقدرة الأسلوبية على صياغة الجمل بشكل مكثف، ولناصية السرد الايحائي، من خلال استخدام الانزياحات الدلالية والتكثيف الايحائي المناسب، يعطس الكاتب المستوى الإبداعي المطلوب وبنفس الوقت يبعد النص عن الترهل والتشتت، وعن التشبه بالقصة القصيرة، وكذلك يعتبر اتقان النهاية أو القفلة التي تشعر المتلقي بالدهشة والمفاجأة والتأمل من أهم المميزات لأي كاتب. رغم أن العنوان ظهر طويلاً بعكس نصوص المجموعة، فقد كان من المناسب اختصاره على كلمة أو كلمتين، فهو عنوان يقوم على جملة وصفية.أزهار

 ما يميز مجموعة الكاتب علي إدريس اعتماده على الحوار كأسلوب وبنية سردية، فأكثر من 90 بالمائة من القصص اعتمد فيها الكاتب على الحوار، ويعد من التقنيات المهمة في بناء النص السردي بشكل عام، وخاصة في القصة القصيرة والقصيرة جداً، فالحجم الصغير للقصة القصيرة جداً يفرض الاختزال في الحوار، ويعتبر من أهم الفنون السردية، وحسب تشارلز مورغان هو (تقطير لا تقرير)، أي أن اختزاله واضاء الإيحاء من السمات المهمة له، وحسب محمد نجم فهو يقوم على (استحضار الحلقات المفقودة في النص)، ويعتبره كريم عبيد، بأنه (يبعد النص عن الرتابة والجمود)، وحسب رولاند بورنوف، فهو (يكشف التعاطف أو النزاع بين الشخصيات دون وصف أو شرح)،

    ونعلم أن استخدام الحوار في القصة القصيرة جداً له محاذيره الكبيرة، نظراً لضيق المساحة السردية، وللخوف من الانزلاق إلى تداعيات سردية حوارية طويلة، وللخوف من الخلط ما بين تفاصيل الحدث وتفاصيل الحوار المتضمن أسئلة واجوبة وحالات ذاتية للكاتب، وهو حالة سردية مهمة جداً، بشرط أن لا يطغى بإطالته على الحيز السردي الايجازي، وأن لا يتحول إلى أسلوب تقريري وصفي، فالسرد القصير جداً يتطلب ايجاز الحوار، واعطاءه ايحاء مطلوباً.

    لذلك يجب أن يكون الكاتب على دراية وحنكة بحبكة الحوار دون الدخول في مطب الأسئلة العادية والمباشرة، لتجنب اجهاد النص وسيطرة الحوار عليه، وبالتالي عدم قدرة الكاتب الخروج من تداعيات الحوار، وفي هذه المخاطرة نجد أن الكاتب ادريس استطاع بحنكة وفهم واضح لدور الحوار صياغة نصوص حوارية على مستوى عال من الصياغة والتألق السردي.

    تعددت في المجموعة المواضيع والثيمات التي تطرق لها الكاتب، ومن أهمها المواضيع الاجتماعية، والاقتصادية والفكرية والحياتية بشكل عام، وقد قدم صياغته باستخدام الحوار السريع والمقتضب، دون الاسهاب في التساؤلات والاجابات، واعتمد الكاتب الحوار ليس للمعرفة والاستجواب، بل كأسلوب سردي لتوضيح الحدث والفكرة، اعتمده في أغلب قصص المجموعة، ففي قصة (تولي) ص (119) يقول:

تولي
مدّوا إليه( سواعدهم..)
قال:
تنحوا جانبا..
شمّر عن(ساعده ..)
ثم..
قفز عاليا

     هي لغة موازية، مضمنة لا تشرح أبداً، ولا تقول الفكرة مباشرة، بل ساعده الحوار في الهروب من الترهل والاضافات إلى لغة السرد السريعة، فالشخصية هنا في ورطة، والبعض يحاول المساعدة، لكنه أبى ذلك، وأطلق العنان لقوته الداخلية، ولثقته بنفسه، فهذا ليس غروراً، بل انطلاقاً للأفق الرحب، ودعوة للتحرر من الداخل، ودعوة للثبات وللتصميم وللانطلاق، والحوار هنا كان مختزلاً، وظيفته اسراع الحدث.

    أما في قصة (مضاء) ص (14) حيث ابتعد قليلاً عن الحوار ويقول:

مضاء
وضع لسانه على
القوس..
رماهم..
خيّروه بين فدية
وقصاص.

    يقدم لنا الكاتب نموذجاً للتكثيف الذي يضيف للنص فضاءً رحباً من المعنى والتأويلات، ويعطيه زخماً سردياً سريعاً ممتلئاً، حكايا وتأملات، لقد خلط بين الرمية بالقوس والنميمة، فقد يكون ابتلاهم بأخبار ملفقة، أو إفشاء سر ما، ولكن الأخرين أبرع منه، فالنميمة لا تصلح لتكون قانوناً أو معياراً، بل القانون هو من يحقق ذلك، وعندما يغيب تبقى النميمة والأخبار الملفقة هي السائدة، وتكثر الفوضى.

    لقد أعطى الكاتب اهتماماً واضحاً للحدث والشخصية والتيمة، دون الأخذ الخوض في البيئة المحيطة للشخصيات، لكون شخصياته كونية ولها نفس القضايا في كل البقاع، وهذا أعطى للمجموعة زخماً تكثيفياً وسرعة سردية، وعبرت عن قدرة اسلوبية مطلوبة ومهمة للكاتب لنرى النص /قسم/ ص (19)

قسم
وجد نفسه على
أكتاف المارّة..
نظر خلفه..
رآها..
تضع إناءها، وترفع نحوه
كفّين معروقين.

    يتضمن النص عدة عناصر، التخيل المهم والضروري لأي نص، والايحاء والتكثيف وأخيراً الدهشة، (وجد نفسه على أكتاف المارة)، لم يقل لنا لماذا هو مات ومحمول، فهذه الخلفية ليست مهمة، إنما المهم هو تركيزه على الفكرة والحدث القادم، (نظر خلفه)، قدرة على استعادة المشهد بعد الممات بشكل سريع، تقنية استخدمها تشيخوف ثم تلاه الكثير، (رآها..) هنا تأخذ علامات الترقيم دورها وتجعلنا ننتظر الآتي بترقب، كانت تنظر ولكنها الآن فقدته، (وترفع نحوه

كفّين معروقين). تعرق الأيادي تعبير عن الحزن والفقد، لكنها بقيت مخلصة له، هي حالة التوحد في الأخر كما العشق الصوفي.  ولكن يبقى الحوار هو السائد في المجموعة، فمثلاً القصة /ندم/ ص (31):

ندم
رفعه عاليا..
ثم قال:
طِبْت مقاماً، هل لكَ حاجة؟..
قال:
أحتاج منظاراً كي أراك.

    لقد نسج ادريس الحدث بلغة الحوار، دون أن يجهد نفسه بأية تفاصيل جانبية، فقدم نصاً مكثفاً، مقتصداً في الكلمات، ليفتح دوائر التأويل، وهكذا اعتمد في أغلب قصصه على الاقتصاد الدلالي وعلى الانزياحات الدلالية المهمة، حتى لا يقع في مطب المباشرة، ثم يترك الأثر طافياً، وفائضاً لا يحط على سطر، بل يبحث عن معنى، وهذا ما يجعل المتلقي يتأمل مع الكاتب ويبحث عن ملاذات التأويل المتعددة للنصوص، وأتى الحوار بوظيفة الحدث، والقفلة المدهشة، وهذه محاولة تجريبية، أعتقد ان الكاتب نجح فيها. في نص (وفادة) ص (42)

وفادة
غادروه..
حدّثوا الناس:
رأينا من أمره عجباً..
قالوا:
أفصحوا..
قالوا:
نحر لنا (وجه)، وسقانا
من (لسانه) .

   يظهر بشكل كيف استخدم الكاتب الحوار وسيلة لتقديم الحدث والفكرة، والأهم النهاية التي حققت المفاجأة (قالوا: نحر لنا (وجه)، وسقانا من (لسانه).

    هو اضمار وايحاء، يترك فيه للمتلقي كل الأبواب مفتوحة، (نحر وجهه) لم يقل رقبته، فالوجه يعبر عن رؤية وعن وضوح، ويتساءل بإضماره عن وجود وجوه أخرى مزيفة، أم هو وجه واحد لم يرد تغييره، وكذلك فعل بلسانه، قال ما ظن أنه الحقيقة، فاللسان هو ما يكشف سر الوجوه، ويبدو أن الحقيقة أصبحت نادرة.

    لقد بحثنا في المجموعة عن نص مترهل فوجدنا بعض النصوص القليلة جداً التي كان يمكن ان تعطى صياغة بدون شرح مثل نص (غفلة)، لقد حبك الكاتب ادريس نصوصه بدراية ومعرفة سردية واضحة تعبر عن نضج سردي وفهم كبير لأليات السرد القصير جداً، واستخدم أسلوب لغة الحوار بشكل كبير كمادة أساسية في السرد ونجح بذلك بالتأكيد، في تخطي الكثير من المطبات، لذلك يمكن اعتبار الكاتب ادريس أول كاتب يستخدم هذا العدد من النصوص الحوارية في مجموعة واحدة، كما يمكننا اعتباره من الصف الأول لكتاب القصة القصيرة جداً في السودان وفي الوطن العربي. وإن لم تنته السجالات حول أحقية وأجناسية هذا الجنس الأدبي الجديد، إلا أنه تخطى كل الإشكاليات واثبت وجوده كجنس أدبي يستمر في التطور وفي التألق، والدليل ما نراه يومياً من ابداعات جديدة مطبوعة ورقياً والكترونياً.

    فاستخدام الحوار في النص يعطيه ديناميكية وأسلوبية تخرجه من رتابة السرد التقليدي، إن تمكن الكاتب من الإمساك بحدوده، ولم ينزلق إلى حدود الشرح والأسئلة الطويلة والشارحة، أو التي تكون بصيغة وصف، وهذا ما حاول علي ادريس أن يثبته في المجموعة وأتقد بأنه نجح بذلك بشكل مميز.

      أخيراً لا بد من القول بأن مجموعة الكاتب علي ادريس /أزهار على قارعة السراب/ تعتبر خطوة مهمة للتجريب في القصة القصيرة جداً، من خلال استخدام تقنية الحوار في أغلب نصوص المجموعة، والتي نجح فيها في إعطاء الحوار وظيفة السرد ووصف الشخصيات وحتى تطور الحدث، وبالتالي هي خطوة مهمة له في مسيرته الأدبية، وفي مسيرة الكتابة في السودان، وبالتأكيد خطوة كبيرة لحجز مكان بين الكتاب العرب الذين يكتبون القصة القصيرة جداً، لأنه اعتمد أسلوباً مغايراً لأغلب الكتاب العرب، فالحوار كان ناجحاً وشكل أساس اغلب القصص في المجموعة، وأعطى للكلمة أبعادها المفتوحة في الكون، فجعلها تختزن طاقة وخيال ودهشة.

قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني