ذكريات ثقافية: عبد العزيز دقماق و المركز الثقافي في صافيتا
عماد الدين إبراهيم- حاص فينكس
كثيراً ما تعود بي الذكريات إلى تلك السنوات البعيدة من طفولتي و شبابي، أواسط السبعينات حتى أواسط الثمانينات، حوالي عشر سنوات كنت خلالها مواظباً على حضور الأمسيات الثقافية و الأدبية التي كانت تقام في المركز الثقافي في بلدتي صافيتا، أتذكر أن أول زيارة للمركز كانت عام 1976 كنت حينها في الصف الثالث الابتدائي، و قد نظَّمت إدارة مدرسة البحتري الابتدائية مسابقة بين الطلاب في قاعة المركز، لم أكن مشاركاً فيها، و لكن كنت بين الطلاب الحضور، تم توجيه سؤال لجمهور الحاضرين لا أذكر فحواه، و لكنني كنت أول من رفع إصبعه للإجابة، و كانت إجابتي صحيحة، فأهدوني ثلاثة أعداد من مجلة أسامة، و من وقتها بدأت بمتابعة تلك المجلة و شراء أعدادها، و كانت تلك الأعداد النواة الأولى لتكوين مكتبتي المتواضعة.
كما ثابرت على زيارة المركز و المطالعة في مكتبته– قسم الأطفال، و حين بلغت المرحلة الإعدادية ثم الثانوية، صرت أتابع الأمسيات و الندوات التي تعقد في الفترة المسائية، و لا بد لي من القول إني حضرت أمسيات لقامات فكرية و أدبية و شعرية هامة و مشهورة زارت مدينة صافيتا و اعتلت منبر المركز الثقافي، و صدحت بإبداعها و فكرها، من تلك الأسماء: وجيه البارودي، نجاة قصاب حسن، أحمد الجندي، كوليت خوري، سعيد قندقجي، عدنان قيطاز، وليد معماري، عبد السلام العجيلي، وليد إخلاصي، أنيس إبراهيم، عيسى حبيب، هائل اليوسفي، مدحت عكاش،.... الخ، و أسماء كثيرة لا تحضرني الآن بعد مضي ما يقارب أربعين عاماً عليها.
و من كثرة مواظبتي على الحضور عُقدت أواصر الصداقة بيني و بين العاملين في المركز، و أول أمسية شعرية ألقيتها في حياتي كانت في قاعة ذاك المركزعام 1983 بمناسبة أعياد نيسان (الجلاء و ميلاد حزب البعث) لم أكن فيها وحيداً، و إنما بالمشاركة مع شعراء آخرين و شاعرات لا أعرف أين أخذتهم الحياة فيما بعد، هل تابعوا في الأدب أم هجروه؟ و لكن الأستاذ رجب علي الملقب بــ (أمير سماوي) كان واحداً من المشاركين، و هو الآن اسم معروف في فضاء الشعر و المحاماة.
و في ختام الأمسية أهدوا كل واحد منا ظرفاً فيه مجموعة من الكتب، كانت هديتي مجموعة شعرية للأستاذ عبد العزيز دقماق بعنوان (قصائد للوطن و الثورة) و مجموعة قصصية للقاص محمد خالد رمضان بعنوان (النقش بالنار على الوجوه المتقابلة) .
ما لا أنساه أبداً شخصية الأستاذ عبد العزيز دقماق، بقامته المهيبة و صوته الجهوري و هو يقدم ضيوف المركز للحاضرين، فقد كان ـرحمه الله ـ يتمتع بصوت جميل و لغة عربية سليمة و قدرة على جذب المستمع و شده، خاصة عندما يعتلي المنبر في المناسبات الوطنية و المهرجانات الخطابية في ساحة مبنى السرايا في صافيتا، مع أسلوب بارع في تقديم الضيف، كما كانت له علاقات واسعة مع أسماء هامة في الحياة الثقافية و الفكرية في ذلك الحين، و قد تمكَّن من دعوتها للمشاركة في النشاط الثقافي للمركز، كما كانت فرصة ليتعرَّف أهالي المدينة إلى أولئك الكتاب عن قرب، و قد كانت فترة إدارته للمركز الثقافي من أغنى الفترات و أكثرها نشاطاً.
ما أكتبه الآن و أتذكره عن تلك الشخصية الثقافية، هو عربون شكرٍ و تقديرٍ لها بعد رحيلها، كما أنه جزءٌ لا يتجزَّأ من ذاكرتي و حياتي و تكويني الثقافي و المعرفي، و خلال عملي في الإعلام الإذاعي أجريت عدة حوارات مع الأستاذ عبد العزيز دقماق عن بعض الشخصيات الثقافية الطرطوسية و عن مدينة طرطوس و معالمها ، فقد كان يمتلك ذاكرة غنية بالمعارف و الأفكار و التواريخ .
رحم الله الشاعر عبد العزيز دقماق، و ستبقى ذكراه محفورة في أذهان محبي الثقافة و متابعيها في صافيتا و طرطوس و أرواد و عموم سوريا.
بطاقة تعريف
عبد العزيز عبد اللطيف دُقماق(1936- 14 كانون الأول 2014) شاعر ومحامي سوري. ولد في جزيرة أرواد القريبة من طرطوس. مجاز في الحقوق من جامعة حلب، 1965. تنقّل بين الحقلين التدريسي والثقافي، فعمل مدرّسًا مدّة، ثم مديرًا لعدد من المراكز الثقافيّة في سوريا، عيّن مديرًا للمركز الثقافي العربي بالمعرة في 1961، ثم مديرًا للمركز الثقافي في إدلب في 1968، فمديرًا للمركز الثقافي في صافيتا في 1970 وبقي فيه حتى 1984 ثم تفرّع للمحاماة.
نشر شعره في الصحف والمجلات السورية والعربية وله عدة دواوين شعرية مطبوعة. كان عضوًا في جمعية الشعر في اتحاد الكتاب العرب.
مؤلفاته : قصائد للوطن والثورة، 1981
- - الإبحار، 1997
- - والبحر أيضاً بكى 2001
- - وبكى الشراع 2007