"الشيباني" رواية من موريتانيا.. تداخل الشعر مع السرد
عماد الدين إبراهيم- خاص فينكس:
في جلسة نقاش حول الأدب و الشعر، الغزل و المرأة، قال أحد الحاضرين: موريتانيا هي بلد الشعر و الشعراء، و يطلقون عليها بلد المليون شاعر، و للمرأة فيها حضورٌ مميز، و وضعٌ خاص يختلف عن وضعها في جميع الدول العربية و الإسلامية، حيث تتفاخر المرأة هناك بعدد مرات طلاقها، و كلما زادت زاد الراغبون بالزواج منها ، رغم أن القاعدة العربية و الإسلامية تقول: أبغض الحلال إلى الله الطلاق، فردَّ عليه آخر مازحاً: يجوز للشعراء ما لا يجوز لغيرهم.
كان هذا الحوار حافزاً للبحث عن موقع النثر و الرواية بالخصوص في الأدب الموريتاني، فرغم قراءاتي الكثيرة و الغزيرة لم تقع بين يديَّ حتى الآن رواية من موريتانيا، لجأت إلى غوغل للبحث و التقصِّي، و فعلاً كان الحضور الأبرز للشعر ، فالمجتمع الموريتاني تغلب عليه صفة البداوة، لذلك يتركز اهتمام سكانه على اللغة الفصيحة و قول الشعر و التمثُّل به في مختلف المواقف التي تواجه المرء.
قررت قراءة رواية موريتانية أستطيع من خلالها تكوين فكرة عن هذا المجتمع الغريب و البعيد عنا، باعتبار الأدب عموماً، و الرواية خصوصاً، هما الأكثر تعبيراً عن تفاصيل الحياة الاجتماعية و العادات و الطقوس و نمط الحياة و الثقافة غير ذلك.
وقعت بين يدي رواية (الشيباني) للأديب و الشاعر و الإعلامي الموريتاني أحمد فال ولد الدين، و هي صادرة عام 2019 عن دار التنوير للطباعة و النشر في لبنان، و خلال يومين قرأت الرواية بشوق و نهم يقودني الفضول الذي تحدثت عنه سابقاً.
الشيباني بطل الرواية يعمل في مكتبة في مدينة الدوحة القطرية، من فضاء هذه المدينة تبدأ الرواية، ليعود و يتذكر طفولته في قرية (الكُدية) المنسية في بطن الصحراء الموريتانية، يتذكر (الدَّنَّاني) مجذوب القرية الذي يتنباً لبعض من يراهم عن مستقبلهم، و لم تخب نبوءاته أبداً، و يتذكَّر أنه حين رآه قال له: " أوه يا وليدي ستموت ميتة عجيبة ... ستقتلك ارأة – ص 34 "
لن أخوض في تفاصيل الروية لكن هناك جملة ملاحظات لا بدَّ من ذكرها:
1 – اعتمد المؤلف على العتبة الشعرية، فهو يُمهِّد لكل فصل من فصول الرواية ببيتٍ من الشعر، و الأبيات الشعرية جميعها لأبي العلاء المعري، و لن ننسى هنا أن المؤلف شاعر قبل أن يكون روائياً، و حضور الشعر بارز في ثنايا الرواية و الحوار بين الشخصيات.
2 – تكثر الأساطير و الشعوذات و الغيبيات كالجن و السحر و الدراويش و المجاذيب و ضربة العين (يسميها العين الساخنة) و الحسد و غيرها من آفات المجتمعات الفقيرة و المتخلفة و البائسة، و هي آفات مشتركة في جميع البيئات العربية بنسب مختلفة.
3 – أغلب الشخصيات تنطق بالشعر في مواقفها و أحكامها و كلامها، و يمكن القول إن التفنن في تعليم و تعلُّم اللغة العربية هو الاطار الذي يجمع كل شخصيات الرواية.
قرأت ما كتب نقداً عن الرواية الموريتانية، فوجدت أنها حديثة العهد، إذ بدأت متأخرة قياسا بباقي الدول العربية، وهي لم تبلغ نصف قرنٍ من عمرها بعد. ففي عقد الثمانينات من القرن الماضي كان الموريتانيون على موعد مع الرواية الأولى التي كان لها التأثير الأكبر في اتجاه جيلٍ من الكتاب إلى فن السرد. صدرت أول رواية موريتانية و هي رواية (الأسماء المتغيرة) عام 1981 للشاعر أحمد ولد عبد القادر، و هو رائد الشعر الموريتاني الحديث، و ربما كتب هذه الرواية تحت دوافع معينة منها رغبته بتجريب جنس تعبيري آخر، ومنها، ربما، رغبته بحيازة قصب السبق في النثر، كي يكون رائداً للرواية الموريتانية كما كان رائداً للقصيدة الحديثة، و يبدو أنه من المقدر أن يولد كل شيء في موريتانيا على يد قابلةٍ شعريةٍ، فالشعراء هم الذين بدأوا الرواية الموريتانية قبل الكتاب ومتعاطي النثر.
بعد ذلك صدرت رواية (القبر المجهول) عام 1984 لولد عبد القادر أيضاً، ثم رواية (أحمد الوادي) عام 1987 وهي للشيخ ماء العينين بن شبيه، وهكذا بدأت الرواية الموريتانية كتوثيق لمراحل سياسية، فقد كانت روايتا ولد عبد القادر (القبر المجهول) و (الأسماء المتغيرة) توثيقاً للحركة الوطنية (الكادحين) وهي الحركة المعارضة في الستينيات والسبعينات من القرن الفائت والتي خاضت صراعاً مريراً مع نظام المختار ولد داداه، وكان ولد عبد القادر واحداً من خمسة رجال أسسوا هذه الحركة في جنوب البلاد، و وضعوا منهجها العملي والفكري.
يرى الناقد الموريتاني الدكتور محمد السحن ولد محمد المصطفى، أن الرواية الموريتانية كانت شديدة الارتباط بالواقع، فرصدت تحولاته، وهزاته، ولم تجعل همها التأريخ للأحداث والأشخاص بل جعلت الوقائع التاريخية خلفيات تنفذ منها إلى واقع فني يصدق على المجموع، و لكنه لا يخص أحداً بعينه وهنا اكتسبت قيمتها الأدبية. و في محاولة لتصنيف الروايات الموريتانية وجد ثلاثة اتجاهات هي: الروايات التاريخية، وتتناول مراحل معينة من التاريخ السياسي والاجتماعي للبلد، و الروايات الفنية و تتناول الخيال العلمي وقراءة المستقبل السياسي، وصراع الحضارات ومعالجات فلسفية وفكرية، والصنف الثالث هي الروايات التي تتناول الواقع المعاش ضمن دائرة الحركة الاجتماعية.
بالعودة إلى رواية ( الشيباني ) فقد لاحظتُ النضجَ الفنيَّ في صياغة الرواية و في سرد أحداثها، حيث اعتمد الراوي على عدة أساليب فنية /الخطف خلفاً، الحلم، التداخل بين الأحداث و الحوارات بطريقة ذكية، اختلاف البيئات المكانية... الخ/ و كان المؤلف بارعاً في كتابته، رغم العمر القصير لدخول هذا الفن إلى المجتمع الموريتاني كما قلنا سابقاً، و رغم طغيان الشعر على الذائقة الجمعية و الفردية في موريتانيا.