مسلسل "على صفيح ساخن".. النّبشُ في القاعِ العفِنِ للمجتمع!
جواد ديوب – خاص فينكس:
أن يجعلكَ عملٌ دراميٌّ تنتظر مشاهدتَه بشوق هو نجاح وميزة له. أن يجعلكَ تُصدّقُ ما تشاهده كما لو أنه الواقع معادٌ إليك بلمسة الفنّ السحريّة، أي أن تضحكَ عندما تحينُ لفتة مضحكة فعلاً، وتشعر بالقهر والخذلان حين يستدعي المشهد... ذلك يعني أننا أمام إبداع لا ينسى!
هكذا نحن مع إبداعٍ ثلاثيٍّ (نصّاً، وإخراجاً، وتمثيلاً) في مسلسل "على صفيح ساخن" كأننا أمام وجهٍ آخر لمدينةٍ طالما تغنّى بها الإعلام الرسمي بأنها أقدم المدن المأهولة في العالم وأنها مدينة البياض والعطور والحمائم. كأننا أمامَ نماذج من قاع المجتمع السوري؛ "نبّاشي القمامة" الأطفال الذين وقعوا في مصيدة شبكات العمل غير القانونية ولكن المدعومة بالخفاء أو المسكوت عنها من قبل شخصيات متنفّذة كبيرة.
إذ استطاع المخرج سيف الدين سبيعي أن يتعامل مع النص الذي كتبه الثنائي "علي وجيه" و"يامن الحجلي" بكاميرا ذكية متحركة حيوية تلتقط التفاصيل المؤثرة، بل وفيها تجديدٌ مختلف عن رومنسيّات "قناديل العشّاق" الذي اشتغلَ عليه سبيعي سابقاً، إذ إنه عرف هنا كيف يكسر قتامة الموضوع وقسوة المَشاهد بتنويعه لزوايا اللقطات، والتركيز على تعابير وجوه الشخصيات وردّات فعلها النفسية، مع مونتاج مميز، رغم بعض التقطيعات التي كسرتْ روحَ مَشاهد كانت من الأجمل والأكثر تأثيراً لو أكملها سبيعي حتى النهاية، دون القَطْع والذهاب نحو مشهد آخر ثم العودة إليها، كما في مشهد انتحار "رواد" (أدّاه الممثل الشاب سليمان رزق) على الأقل لكان ذلك شكّل طِباقاً جمالياً مع الشحنة العاطفيّة العالية في المشهد الذي قصّتْ فيه شعرهَا حبيبتُه "تمارا/جنى العبّود" ابنة الطاعون/سلّوم حدّاد". مشهدٌ جعلَ الملحَ عالقاً على جفوننا.
ميزةُ النصِّ هو نكهة المُعاصَرة المنسوجة بطريقة جاذبة ومشوّقة رغم وجع الحكايات. كما إنه نصٌّ فيه استفادة واضحة ومقبولة من "عوالم الصحافة الميدانية" فـ"وجيه والحجلي" تمكّنا من التقاط "لغة الشارع" بمنمنماتها وتقعّرها، سفاهتها ومصطلحاتها الدارجة على ألسنة الناس والمقاهي الشعبية، بل وبعض جمالياتها التي بَدتْ مثل "خضراءُ الدِّمَن"؛ الزهرةُ الجميلةُ في منبتٍ قذر!
كما بَنيا "كركتراتِ" المسلسل التي عرف سبيعي كيف يُموضِعُ هيئاتِها الجسمانية ويُلبِسَها أزياءَها وماكياجها بحرفية وذكاء. شخصياتٌ شدّتنا إليها وإلى منطوقها وحركاتها كما لو أنها موجودة فعلاً وما علينا إلا أن نقابلها عند أي زاوية أو قربَ أيّ "حاوية"!
ثالوثُ العمل المميز هو أداء الممثلين المندمج مع "إدارة ممثل" مذهلة من قبل سبيعي، فعبقريّ الأداء سلوم حدّاد لا نراه يمثّل مشاهدَ مكتوبةً على الورق إنما يعيشُ دورَ "زهير/الطاعون" بلحمِه وعرقِه، شغفِه ومُكرِه الثعلبيّ، وطغيانه كأبٍ و"شيخ كار نبّاشي الزبالة"، وحتى بطرافته وهضامةِ روحِه التي تنتعِشُ برؤية النساء خاصة إنْ كان الحديث عن الجمال والمال وتخزينه واللعب به واستثماره!
كما يُثبتُ يامن الحجلي في دور "عيّاش" أن النجوميةَ عند الجيل الشاب من الممثلين السوريين لا تكونُ في الوسامة والمظهر الجميل فقط، إنما في التمكّن من مفاتيح الشخصية المرسومة، وهذا ما برع فيه الحجلي بكونه شريكاً في إبداع النص المكتوب وبالتالي كان أكثرَ حرّيةً -إذا صحّ القول- في أداء الشخصية مع لمساتِ اللّعِبِ المبدع التي أظهرها.
ولا يمكن أن نغفل عودة الفنان عبد الفتاح المزيّن في دور "الآغا" المختلف، وبراعةَ وخبرة باسم ياخور في تقمّص شخصية الإنسان المدمَّر مقسومِ الظهر فاقدِ الحيلة، الإنسان الذي يحاول بآخر رمقٍ أن يحافظَ على كرامته البشرية في زمنٍ أسود. وأداء الممثل عبد الرحمن قويدر في دور "الخفّاش" الذي كسر رتابة ونمطية أدواره السابقة. كذلك كان أداء الوجوه الجديدة مثل جنى العبود وعلياء سعيد وسليمان رزق... وحتى الأطفال الذين يمرّون في مشاهد مكبِّ البلاستيك/ذلك المقر الموبوء الذي يعيشون وينامون ويأكلون فيه و"يتكاثرون"!
فيما حفرت موسيقا "رضوان نصري" عميقاً في لاوعينا، تارةً وهي تتسلّل مع أنينِ موسيقا تشيللو في مشاهد موجعة، أو حين تُنبّهنا تارةً أخرى بنقراتِ غيتارات كهربائية وإيقاعاتٍ صاخبة تحيلنا إلى ضخبِ واقعٍ هو أصلاً مليءٌ بكوارثَ صوتيةٍ وضجيجِ مكناتٍ وزعيقِ أطفال يكبرون في الحاويات.
نتابعُ أيضاً خطوطاً درامية جريئة في شكل تناولها من قبل "وجيه والحجلي" منها واقع بعض "الجمعيات الخيرية" (مثل جمعية وحلويات المجرّة مع احترافية يقدّمها لنا كل من الفنان عبد المنعم عمايري/أبو كرمو برفقة المميزة نظلي الروّاس/أم كرمو) جمعياتٌ تلبسُ لبوساً دينياً، إنما بمضمونٍ فاسدٍ متورّطٍ في تجارة وترويج الممنوعات ومعرفةِ بعض الفاسدين الكبار، بل هو خيطٌ دراميّ يحيل إلى ذاك الصراع الشرس الدائر تحت سطح الظاهر والمجاملات ويوميات المدينة ووجها البرّاق المُعلَن، صراعٌ بين "الحريّة" والتقييد، بين العقل والنقل، بين حرية العيش المتمثلة بالشاب صاحب دكان المشروبات الكحولية والقولبة العصبيّة الدينية التي تُحرِّمُ وتَنهي وتُهدّد بالقتل فيما هي تمارس تحت ستار الدين موبقاتٍ خطيرة.
ونمرّ على خيطٍ قلّما نجده مشغولاً بهذه الطريقة وهو واقع الإعلاميين (تمثّله علياء سعيد/في دور المذيعة ريما) أصحابِ المعرفة والأفكار الخلّاقة المنتهك من قبل بعض أولاد مسؤولي السلطة، والمُحاصَرِ بالسطحية والغثاثة الدارجة المُستخِفّة بعقول الناس بحجّة زمن التحوّل الرقمي.
لعلّ عيب المسلسل الوحيد- حتى الآن أي حتى الحلقة 13 منه إذ لا نعرف مفاجآت الحلقات القادمة- هو عدمُ وجود شخصية مُضيئة بالأمل. الأملُ الذي لا نطلبه بصيغته "الهوليوديّة" المُبالِغة، أوعلى يدِ "البطل السوبرمان" إنما كما تطلبُه الروح الإنسانية، ولو عن طريق المخيّلة والإيهام الدراميّ، كي لا نختنق تحت ركام نفايات الأرواح البشرية المتراكمة.