كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الشعر ديوان العرب.. «إن كنتَ صادقاً فقد أتيتَ عجباً، و إن كنتَ كاذباً فقد أتيتَ أدباً»

عماد الدين إبراهيم- خاص فينكس:

لقد تكونت ثقافتنا و ذائقتنا الأدبية عامة، و الشعرية خاصة على مقولة "الشعر ديوان العرب"، و مُلِئت الساحةُ الثقافية و الصحفية و الدراساتُ النقدية بما يكرِّس هذه المقولة و يؤكدها و يُعمِّمها لأسبابٍ شتى لن نخوضَ فيها، لكنْ في هذه المقالة سننظر للموضوع من زاويةٍ أخرى لها ما يدعمها من أقوالٍ و أشعار، و لا بدَّ لنا من القول إن الدراسات النقدية في موضوع الصدق و الكذب في الشعر كثيرة أيضاً، و لا بأس بأن ندلوَ بدلوِنا كما يقال.

بدايةً ورد في النصِّ القرآنيِّ ما يلي: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ) سورة الشعراء. و أن يقولَ المرءُ ما لا يفعل، يعني أنه كذاب يكذب، صحيح أن هناك استثناءً (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، لكنَّ تلك كانت القاعدة، و هناك حديث للرسول الكريم عن أبي سعيد الخدري قال: بينما نحن نسير مع رسول الله (ص) بالعرج إذ عرض شاعرٌ يُنشد، فقال رسولُ الله (ص): "خذوا الشيطان، لئن يمتلئ جوفُ رجلٍ قيحاً، خيرٌ له من أن يمتلئ شعراً" رواه مسلم. و طبعاً هناك أقوالٌ أخرى للنبي يمدح فيها الشعر، منها: "إنَّ من الشعر حكمةً" (رواه البخاري)، و هناك الكثير من الأقوال التي تصنِّفُ أجملَ الشعر ذاك الذي يمتاز بالمبالغة و الكذب و جموح الخيال.

 مثلاً زياد بن أبيه في العصر الأموي قال: «الشعر كذبٌ وهزلٌ، وأحقه بالتفضيل أكذبُه»، و كذلك قول الخليفة العباسي هارون الرشيد للأصمعي: «إن كنتَ صادقاً فقد أتيتَ عجباً، و إن كنتَ كاذباً فقد أتيتَ أدباً»، الناقد قدامة بن جعفر فاضَلَ بين الكذب والصدق، و أسْماهُما الغلوَّ و الاقتصار، فمال إلى مذهب الغلو – أي الكذب – و رآه أجوَدَهما، و فخر الدين الرازي في كتابه ( مفاتيح الغيب ) قال: "كل شاعر ترك الكذب، و التزم الصدق؛ نزل شعره، و لم يكن جيداً، و لذلك قيل: أحسن الشعر أكذبه".

أبو هلال العسكري في "كتاب الصناعتين – الشعر و النثر" يؤكد ما قاله السابقون و يورد ما يلي: "إن الشعرَ أكثرُه بُنِيَ على الكذبِ و الاستحالةِ من الصفاتِ الممتنعة، و النعوتِ الخارجةِ عن العادات"، حتى عبد القاهر الجرجاني صاحبُ كتابَي "أسرار البلاغة" و "دلائل الإعجاز" قال: "إن القيمة في الشعر لا ترتكز على المصداقية التي تتصف بها الموضوعات من عدِمها، فإنِ اعتمدَ الشاعرُ الكذبَ فقد قصدَ الاتساع و التخييل، و هناك يجدُ الشاعرُ سبيلاً إلى أن يبدعَ".

هذه بعضُ الأقوال التي اخترناها و التي تؤكد دور الكذب و المبالغة و الجموح في الخيال في جودة الشعر و إجادة الشاعر و إبداعه، و هناك الكثير الكثير من الأشعار التي تؤيدها و تدعمها، و كتبُ الشعر من دواوين و موسوعاتٍ ألَّفها الأقدمون مليئة بهذه الأشعار، مثلاً قول النابغة الذبياني في مدح عَمْرو بنِ الحارث الغساني:

فإنكَ شمسٌ و الملوك كواكب        إذا طلعتْ لم يبدُ منهنَّ كوكبُ

المبالغة المفرطة واضحة للعيان لا تحتاج إيضاحاً و تبياناً، و قول بشار بن برد:

إذا ما غضبنا غضبة مُضريةً      هتكنا حجابَ الشمسِ أو نقطرُ الدِّما

أو قول عمرو بن كلثوم:

مَـلأْنَا البَـرَّ حَتَّى ضَاقَ عَنَّـا          وَ ظَهرُ البَحْـرِ نَمْلَـؤُهُ سَفِيْنَـا

إِذَا بَلَـغَ الفِطَـامَ لَنَا صَبِـيٌّ             تَخِـرُّ لَهُ الجَبَـابِرُ سَاجِديْنَـا

و معروف عن هذا الشاعر أنه كان يعيش في البادية، و ربما لم يرَ البحر أو قد يكون رآه عن بُعد، و لم يمخر عبابه، و أظن لو ركب زورقاً صغيراً لأدركه دوار البحر و جعله لا يعرف شرقه من غربه من الصداع و التقيؤ و أشياء أخرى لا مجال لذكرها.

تراثنا الأدبي مليء بهذه النماذج من المبالغات الشعرية، و شعرنا المعاصر أيضاً لم يخلُ من مثل هذه الأشعار منها في الوطن و الوطنية و الشجاعة، و منها في الغزل و الحب و الجنس.

في الوطنيات المبالغ بها قول أحمد شوقي:

وطَني لَو شغِلتُ بِالخلدِ عَنهُ        نازَعَتني إِلَيهِ في الخلدِ نَفسي

و الجميع يعلم أن الشغل الشاغل لمن يدخل إلى الخلد هو اللذة مع الحوريات و اللذة مع الخمرة، هذا ما صورته لنا النصوص الدينية و تفاسيرها التي يبدع في وصفها الكثير من رجال الدين.

أما في الغزل فيكفينا مثال واحد لشاعر الغزل الأول في القرن العشرين الشاعر الراحل نزار قباني، فقد كتب شعراً في هذا المجال يمكن اعتباره نموذجاً في الكذب و الإدعاء، و حين يتعلق الأمر بالنساء و الغراميات و جولات العشق فشاعرنا لا يُشقُّ له غبار كما يقال، أليس هو من قال في مجموعته (الرسم بالكلمات):

لم يبقَ نهدٌ أسودٌ أو أبيضٌ       إلا زرعتُ بأرضِه راياتي

لم تبقَ زاويةٌ بجسم جميلةٍ       إلا و مرَّت فوقها عرباتي

فصَّلتُ من جلد النساء عباءةً     و بنيتُ أهراماً من الحُلُماتِ؟

فهل يعقل أن يفعل رجل ما فعله نزار بجلود و حلمات النساء؟ و انه لا وجود لامرأة سلمت من غزوات فحولته؟ بالتأكيد هناك مبالغة مفرطة، و هناك من يشكك برجولة نزار قباني أصلاً و قد تحدث عن ذلك علانية و هو صديقه الشاعر شوقي بغدادي حين روى قصة رحلتهم كمجموعة أصدقاء إلى البحر و كيف رآه بالمايوه، و قد كتب الأستاذ الإعلامي و الناقد عبد الرحمن الحلبي مقالة (عقدة نزار قباني) نشرها في ملحق الثورة الثقافي بتاريخ 15/12/2009.

و أختم هذا المقال بما جرَّته المبالغة و الكذب على مالئ الدنيا و شاغل الناس الشاعر المتنبي، فقد كان فاتك الأسدي يترصد لقتله، بسبب هجائه لابن أخته ضبة بقصيدة مطلعها:

ما أنصف القوم ضبة        و أمه الطرطبة

فخرج فاتك على أبي الطيب و معه جماعة من ثلاثين فارساً، و حين التقى به تقاتل الجمعان في معركة غير متكافئة في العدد و العدة، و بعد مقتل (محسَّد) ابن المتنبي أراد الفرار، فجاءه غلامُه سائلاً و مذكِّراً: ألست أنت القائل: الخيلُ و الليلُ و البيداءُ تعرفني...)، فردّ عليه المتنبي: (قتلتني قاتلك الله)، فرجع و قاتل حتى قُتل، فكان ذاك البيت من الشعر سبباً في مقتله.

 

نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية