رواية "الضفيرة".. مقطوعة موسيقية من ثلاث حركاتٍ موجعة!
جواد ديوب- خاص فينكس:
نسجَتْ الكاتبة "ليتسيا كولومباني" روايتها "الضفيرة" (إصدارات الهيئة العامة للكتاب/المشروع الوطني للترجمة/2021) على شكل ثلاث نوتات موسيقيّة أو ثلاثِ حركاتٍ من سيمفونية واحدة (سميتا، جوليا، سارة) في حَبْكٍ مؤثر لأقدارِ نساء الحكاية، صاعدةً بنا شيئاً فشيئاً نحو ذروة المقطوعة، تاركةً قرّاءها كمَنْ يصل إلى أعلى تلّة الدهشة ثم يتنفّس هواء الراحة بعد إطلالته على مجمل ما مرَّ به.
كأنّ الروائية بشكل ما في حكاية "سميتا" توجّه تحية لأولئك المهمّشات المنبوذات الموضوعات في خانة الملعونين بفعل أعرافٍ اجتماعية لا تقيم وزناً وأهمية لطبقات بكاملها فكيف بنسائها اللواتي مسموحٌ فقط تعذيبهن واغتصابهن! إذ إن سميتا "تنتمي إلى جماعة الداليت المنبوذة، (المرميّون) خارج الطبقات الاجتماعية، خارج كل شيء. حكم عليها بأنها حثالة غير لائقة يُحرص على اجتانبها وإقصائها كما يُفصَلُ القمح عن الزؤان"! لكن سميتا أقسمت أمام الإله "فيشنو" وقطعت وعداً على نفسها "أنهم لن ينالوا من ابنتها لاليتا ولن تجعلها تنظف مراحيض الناس مثلها وستجعلها تتعلم القراءة و الكتابة كيلا تكون كبش فداء لكل من هم أعلى منها "لقد كان تمرّد سميتا صامتاً وغير مسموع وتقريباً غير مرئيٍّ...لكنه موجود"!
ولولا ما انتهت إلى فعله "سميتا" من حلاقةٍ لشعرها الطويل الجميل رمز إحساسها بأنوثتها وجزٍّ لـ"ضفيرة" ابنتها قرباناً وتبرّعاً و"تضحيةً بكل أشكال الأنا وقبولاً بالمثول أمام الإله بالمظهر الأكثر تواضعاً وعرياً" في رحلة تطهّرية حُلماً بحياةٍ أفضل في دورة تناسخٍ جديدة.. لما كانت أفعال "البطلات" الأخريات، ولما كانت "جوليا" الصقلّيّة لتنقذ ورشةَ والدها لتصنيع "باروكات الشعر الطبيعي" من الإفلاس، ولما كانت "سارة" الكنديّة انتصرت على مرضها بلمسة سحرية من "باروكة" شعرٍ هنديٍّ طبيعيّ قطعتْ أميالاً لتصلَ إليها وتعيدَ لها روحَها الممزقة وترمّم بها جسدها المنتَهك بفعل جرعات الدواء الكيميائية.
يمكن أن تُصنَّفَ الرواية ضمن "الأدب النسوي" أو الكتابات المناصرة للنساء أينما كنَّ، لكن لا يهم التصنيف هنا، لأن الشرط الوجودي البشري التي وُضعت فيه تلك النسوة الثلاثة يمكن أن توضع فيه أي امرأة من أي بلد كان. بل يمكن أن يوضع فيه ذكورٌ عصفت بهم أقدارهم بنفس الإجحاف والقهر والمرتبة الاجتماعية أو الوظيفية مثل زوج سميتا "ناغاراجان" صيّاد الجرذان العامل في حقول طبقة "الجات" والذي "مثل آلافٍ غيره لا يتقاضى أجراً إنما، يحق لهم فقط الاحتفاظ بما يصطادونه من جرذان كامتيازٍ لهم"!
وأعتقد أن الغرض الأعمق أو الأبعد للكاتبة هي أن تجعلنا نتعاطف مع تلك النسوة بوصفهنّ تمثيلاً للجنس البشري وليس فقط بكونهن نساء، فالروايات الإنسانية تجعلنا نضع أنفسنا (ذكوراً وإناثاً) مكان الشخصية الرئيسية التي تعاني بالمعنى التراجيدي من مآسيها أو التي تكونُ أفعالُها الشخصية وشروطها الحياتية سبباً في تعاستها وآلامها او في محاولاتها تغيير أقدارها ومصائرها.
نمرّ على حياة "جوليا" الصبية التي نضجت قبل أوانها وتحمّلت مسؤولية إنقاذ ورشة والدها من الإفلاس وحافظت على سمعة العائلة الصقليّة العريقة مع ضرورة استمرار العمل مهما تكن المستحيلات ماثلة وجاثمة، وحتى لو احتاج الأمر إلى الاستعانة بلمسة "الحداثة" والانفتاح الذكي والمدروس على الأسواق العالمية. بل أيضاً في إلماحٍ من الكاتبة "كولومباني" إلى العنصرية الإيطالية "فالإيطاليون يريدون شعراً إيطالياً" لن ذلك مرتبطٌ بتقاليد الإرستقراطيات والعائلات الإيطالية اكثر مما هو متعلّق بالتجارة أو مواضيع الربح والخسارة. عنصريةٌ مبطّنة موجهة ضدّ الفعل الإنساني العظيم الذي تقوم بها آلاف النساء الهنديات عبر التضحية بشعرهنّ!
هي جوليا إذاً صبيّةٌ مُحاربة في العشرين من عمرها نجحت في منع ورشة والدها وجدّها من الإفلاس، رغم معارضة وممانعة أهلها (امها وجدتها وواختها) من حماستها تجاه استيراد شعر طبيعي من بلاد الهند، ورغم الخوف والشك اللذين أتعباها إلا انها تنهض واثقة بروحها وبان كل شيءٍ في الكون يحدث لسببٍ ما. وتقول في نفسها بعد أن كسبت اصوات العاملات وتأييدهن وبعد وصول اول شحنة من الشعر الطبيعي القادم من اماكن العبادة: "الرجال والنساء الذين لا تعرفهم ولن تلتقيهم أبداً، القادمين ليهبوا شعرهم. قربانهم هو هدية من الله... تودُّ لو تحضنهم امتناناً لهم، لن يعرفوا أبداً أين يذهب شعريهم، وأية رحلة عجيبة قام بها، أية ملحمة"!
هي جوليا، مثلُها مثل سارة التي تشبه بدورها أمَّها في دورة حياةٍ قاسيةٍ أخرى من الصراع الموروث ضد المرض، هي "محاربةٌ أمازونية" مثل الأمازونيات اللواتي كُنّ يقطعن الثدي الأيمن ليستخدمن القوسَ بمهارةٍ تجعلهنّ يتفوقنّ على الذكور المحاربين ويصبحن مرهوباتٍ ومحترمات. تقول سارة ذلك لنفسها لتربح المعركة ضد السرطان.
ونمرّ إذاً على حياة "سارة" المحامية العنيدة الجبارة التي أهملت جسدَها في سبيل "نجاحها" العمليّ؛ فأهملها جسدُها وأوقعها في مصيدة المرض العضال! تعيشُ حياة تبدو فيها محاميةً لا تهزم ولا تنهار. ترتدي قناع القوة في عالم المحامين الذكور في شركة "جونسون ولوكوود" العملاقة. محامية ترى أن حياتها في عالم المنافسة الشرس هذا ليست إلا تسلّقٍ مديدٍ وقاسٍ، ما جعلها تتخلّى عن واجبات أمومتها وأفراح أعياد الميلاد والعطل الصيفية، مُخفيةً دموعَها تحت طبقة سميكة من مساحيق التجميل، حاملةً شعورها بالذنب تجاه ولديها وعائلتها "مثلما تحملُ السلحفاة درعها الثقيل" بل أصبحَ "الشعور بالذنب يفرض نفسه في كل مكان مثل لوحة إعلان في حقل (مثل) ثؤلولٍ وسطَ الوجه، قبيح ولا نفع منه لكنه موجودٌ هناك ولا بدّ من التعايش معه"!
لكنها وبعد الانهيارات الجسدية المتتالية وصراعها ليس فقط مع المرض إنما مع ذاتها الرافضة لكل ما طرأ على حياتها من شرخٍ حاد وتحوّل عنيف، تخطو بجرأة في "رحلةٍ تطهّرية" نحو استعادة روحها الحقيقية، مقتنعةً بأنها "لن تعود أبداً سارة؛ تلك المرأة القوية الواثقة... لن تعود تلك التي لا تقهر... ستكون كما هي امرأة أساءت لها الحياة وأضرّت بها لكنها ستكون موجودة مع ندوبها وعيوبها وجراحها. كانت حياتها السابقة كذبة، وحياتها هذه ستكون الحقيقة"!
لكن الفكرة الأعمق في حكاية سارة هي الصراعُ ضِدّ البُنية (التركيب الاجتماعي في أي مكان وأي مؤسسة) "فلا أحدَ لا يُمكِنُ استبدالُه"، إنها أيضاً فكرة الوقوف بجرأة وصلابة أمام "البيروقراطية" وضد عنصرية الشركات العملاقة التي لا تقيم اعتباراً لأي حالاتٍ إنسانية مثل هذه، بل سرعان ما تستبدل هذا بذاك. هي حكاية فضحٍ للجشع الإنساني المتمثل في زملائها وزميلاتها المنافسين الشرسين الذين وجدوا مرضها فرصةً ليُقصوها عن منصبها النادر "فاللصوص يرتدون ملابس أنيقة. الأمر غير واضح إنما مظاهرُهُ تبدو محترمة. إنه عنفٌ أنيقٌ، عنفٌ مُعطّر، عنفٌ يرتدي حلّة فاخرة"!
لعلّ المؤلفة جدلت ضفيرتها ببراعة "شهرذاد" التي ذكرتها في سياق إحدى الحكايات كما لو أنّها رمز كل النساء الواقعات في سجن الانتظار والخوف عبر العصور... لكن المترجمة الزميلة الصحفية سهيلة علي اسماعيل، والتي قدّمت ترجمةً موفقة وسلسة لولا بعض العثرات القليلة، لم تقل لنا من أين جاءت الكاتبة بهذه الحكايات؟ هل هي مُختَلقة أم مؤلّفَة؟ هل حصلت عليها من صاحبات الأحداث أم مِنْ أسفارها إلى الهند وإيطاليا وكندا؟ ولماذا اختارت تحديداً تلك البلدان؟ لم نجد أية إضاءة -كما درجت العادة في الكتب المترجمة- من هذا النوع بما يفسّر لنا لماذا أصبحت الروائيّةُ "إحدى رائدات الأدب الواقعي" كما ورد في تعريفها المقتضب في آخر الكتاب.