كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ما بين وسوسة الشيطان وتسوّس الأسنان

باسم سليمان- خاص فينكس:

يقول جان بيار فرنان عندما كان يشغل منصب أمانة مجلة علم النفس الفرنسية، بأنّه كان يعتمد معيارًا موضوعيّا لقبول المقالات المتعلّقة باللغة والألسنة، وبناءً على هذا المعيار كان يرفض أيّ مقالة تستند إلى الخيال والحسّ البشري المشترك. ولكنّه اكتشف كم كان مخطئًا في ذلك. واستنادًا إلى قول فرنان، فالأسطورة ليست حديث خرافة، بل هي المحاولة الأولى، من قبل الإنسان لفهم العالم من حوله وإدْراك كيفيّة وجوده. فالأسطورة تعرض عبر الرموز والإشارات تصوّر الإنسان لنشأته الغارقة في ضبابية تشبه العماء.

 تعتبر الأسطورة السومرية من أقدم المحاولات لتفسير الكون، وكيف وجِد الكائن البشري على هذه الأرض. ولقد ذكرت هذه الأسطورة بأنّ السوس/ التسوّس لم يجد مسكنًا له في الجنّة، فطلب من الإله إنكي أن يمنحه مسكنًا. فاستجاب الإله له، وأسكنه أسنان الإنسان.

إنّ دلمون هي الجنّة وفق التصوّر السومري. ومن مميّزاتها السلام والمحبّة، حيث لا يفترس الذئب الخروف. وأمام هذا التصوّر الجميل للجنّة البدئية، يأتي ذكر السوس/ التسوّس شاذًا عن ما اتصفت به هذه الجنّة من سلام ومحبّة. هذه الحكاية الجميلة عن الجنّة، أفسدها ذكر التسوّس، لكن في الأمر: (إنّ)!

كثيراً ما نستخدم التعبير التالي: (متل السوسه) تمثيلًا عن وجع ملحِّ أو فكرة ضاغطة لا تغادر الذهن، وكأنّها وساوس شيطان. قدّمت المدوّنة الدينية وصفًا تأتّى للشيطان من وسوسته لآدم وحواء ودفعهما إلى الخطيئة؛ بأنّه: الوسواس الخنّاس. والخنس لغة تعني؛ النجم الساقط، أو الذي على وشك المغيب. والشيطان: هو لوسفير/ الملاك الساقط. فما علاقة الشيطان كملاك ساقط بالنجم الغارب؟

تكلّمت المدونة الدينية أنّ الشيطان كان يشع نورًا، كأنّه نجم، وبعدما عصى الله، سقط من عليائه وفقد نوره وأظلم، كما النجم الذي يتلاشى نوره من السماء بعد أن يغرب.

أورد التراث الديني أنّ الشيطان يلقي وساوسه في صدور الناس، وفي الصدر نجد القلب المعوّل عليه إيمانًا أو كفرًا.  والصدر كآلة فيزيولوجية مسؤولة عن النطق وذلك عبر دفع الهواء الذي يصطدم بالحبال الصوتية، واللهاة، وأجزاء الفم الأخرى.  وكما يخلق الهواء الصوت، يعتبر الهواء أفضل الأوساط الفيزيائية لانتقال الذبذبات الصوتية التي تصل إلى الأذن، فيحصل السمع.

 إنّ الشيطان كائن غير مرئي بحكم أنّه من الجان، وبالتالي لا نستطيع أن نعتبر وسوسته مرئية بقدر ما هي سمعية. يعارض الشيطان الخطاب الإلهي، الذي يأتي وحيًا أو من وراء حجاب، أي عبر الصوت. والمعارضة يجب أن تكون على ذات المنوال، فالأمر الذي وجه لآدم وزوجته، بأن لايقربا الشجرة، لا بدّ أن تكون معارضة الشيطان له، بأن يقربا الشجرة وذلك عبر اتباعه الوسوسة. ولكي نستوعب البنية الأسلوبية للوسوسة علينا مقاربة عضو السمع، أي الأذن، وإذا تدبرنا هذا العضو وجدنا أن الإذن لغة يعني: السماح بفعل أمر ما؛ ومنه الآذن الذي له الحقّ بالسماح بأمر ما أو منعه. هذا التشارك في المعاني بين الأذن كعضو للسمع والإذن كمعطى قانوني يقضي بالسماح بأمر ما، يقودنا إلى فهم التقاطعات الدلالية المخفية في كلمة (أذن).

عبر الأذن/ عضو السمع، يأتي الأمر بأن نفعل أو لا نفعل، ومن ثم يظهر مقدار استجابتنا من خلال ما يتلفّظ به الفم من قبول أو رفض. فالفم هو الوسيط الذي يُظهر حسن الاستجابة للأمر الإلهي أو رفضه واتباع وسوسة الشيطان. وقد قال السيد المسيح: لَيْسَ مَا يَدْخُلُ الْفَمَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ، بَلْ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ هذَا يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ.                                                  

 إنّ الفم كونه آلة النطق، فهو أول ما يُظهر إشارات الرضوخ للأمر الإلهي أو معارضته والركون إلى وسوسة الشيطان، أسواء بالقول: نعم أم لا. إنّ مرض تسوّس الأسنان  يدل على مخالفة القانون، فما بين التسوّس ووساوس الشيطان إشارات متبادلة تشي بالمضمر من المعاني. في اللغة نجد أن كلمة (سن) تمنح عدّة مدلولات: الِسنّ؛ الموجود في الفم. وسَنّ؛ الذي يفيد اصدار القوانين. وسن؛ المستقيم كنهر السنّ في الساحل السوري. وسِن أي القمر/ كبير الآلهة في بلاد مابين النهرين.

زيادة على هذه المعاني لكلمة (سن) التي تشير إلى القوانين والطريق المستقيم/ الصراط وكبير الآلهة/ القمر، والسوس الذي أسكنه الإله إنكي في فم الإنسان؛ نجد أنّ القصة المتعلّقة بكيفية تشكّل القمر، والتي تقول بأنّ الجنيّات كنّ يجمعن الأسنان اللبنية التي تسقط من فم الأطفال، ومنها صنعن القمر، وما اللون الرمادي الذي يظهر على وجهه إلّا نتيجة للسواد الناتج عن تسوّس الأسنان. إنّ مخالفة كبير الآلهة سِن/ القمر ومعارضة قوانينه التي سنّها وترك الطريق المستقيم/ سِن، كان يتم التعبير عنها عبر تسوّس الأسنان.                                                      

لا ريب أنّ الأسطورة السومرية كانت تشير إلى معصية الإنسان، وقد ألمحتْ عبر تسوّس الأسنان إلى ذلك. كان الشيطان يشعّ نوراً؛ أي هو كائن أبيض، ولكن بعد فعلته تلك؛ أسودّ، كما يسودّ السنّ المصاب بالتسوّس. إنّ وجع الأسنان دليل على وقوع الوسوسة، بعدما خلق إنكي الإنسان على صورته وأسكنه ديلمون، فدلالة وجع الأسنان تقع للإنسان الذي خالف أمر إلهه بالاستماع لوسوسة الشيطان. تبدّلت الأزمنة، وتغيّرت الحكايات، وأصبحت الشمس رمزًا للعدالة، لذلك تسلّم حمورابي قوانينه من إله الشمس بدلًا من القمر المصنوع من الأسنان. كنّا في طفولتنا عندما يسقط أحد الأسنان اللبنية، نرفعه في وجه الشمس ونطلب منها أن تستبدل سنّ الحمار الساقط بسن الغزال الدائم. 

نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية