"الكلب" و "ابن الكلب" عنوانان بارزان في تاريخ الصحافة الساخرة و الشعر "الحلمنتيشي"
2021.04.24
مفيد عيسى أحمد- خاص فينكس:
يفتقد النشاط الصحفي في السنوات الأخيرة إلى نمط هام من الصحافة ذات التأثير الكبير، و القادرة أكثر من غيرها على الوصول إلى القارئ، ذلك لخصوصة تناولها للمادة الصحفية، و تقديمها لها، و هي الصحافة الساخرة.
في تاريخ الصحافة الساخرة عناوين كثيرة منها: المنشار، المضحك المبكي، الدومري، الدبور، حط بالخرج، البعكوكة، الأثير، الكلب، ابن الكلب.
تشترك"الكلب" و "ابن الكلب"، مع مجلة "الأثير"، بأنها كانت تحرر شعرياً، بذلك النمط من الشعر الذي دعي"حلمنتيشي"، و هي تسمية ذات أصل مصري، و ينسب أصلها إلى مجلة "الأثير" الأسبوعية المصرية.
و الشعر الحلمنتيشي، هو كاركاتير شعري، أي رسم بالكلمات لموضوع، أو شخصية، أو موقف معين، و بشكل يركّز على العيوب أو الخصوصية، أو المفارقة الحاصلة في أمر ما.
جريدة"الكلب" أسسها صدقي اسماعيل، في أواخر الأربعينات من القرن الماضي، و في سياق تحقيق أجراه معه الصحفي " زهير مارديني " عن هذه الجريدة، ونشر في جريدة" الأسبوع العربي " البيروتية عام 1963، سأله:" لماذا أطلقت عليها اسم الكلب"؟ فأجاب:" لأن الكلب هو الكائن الوحيد الذي يحق به أن ينبح، دون أن يلزمه أحد بشيء".
و قد مرت"الكلب" بعدة تسميات و مراحل حتى استقر اسمها و شكلها، كما أفاد"غازي أبو عقل" الذي كان من المساهمين فيها، فقد قال في حوار له مع صحيفة الأخبار اللبنانية عام 2013:"كان صدقي إسماعيل قد بدأ أولاً بكتابة مقطوعات شعرية ساخرة، جمعها تحت عنوان فلتات المنشار، ثم الجسر، وصولاً إلى الكلب، بمشاركة أصدقاء كانوا يقطنون معاً خلال دراستهم الجامعية في دمشق".
و بخصوص هذه التسمية ورد في العدد "12" تاريخ 29/10/1956 قصيدة بعنوان"حول اسم الجريدة" جاء فيها:
أليس الصحـــافة رمز النباح و إنّ الكلاب به أقــدمُ
تعيش على العظم من جوعها و لكنها ليس تسترحـمُ
و للكلـــــب مأثـــــــرةٌ ..إنه بسيط و بالمال لا يلجم
لم يكن هناك موعد معين لصدور" الكلب" و كانت تحرر بخط اليد، و بالآلة الكاتب أحياناً، و غالباً بنسخة واحدة، يتم تداولها بين المهتميبن و من يترقبون صدورها.

صدقي اسماعيل كان المحرر الرئيسي للجريدة، لكن الكثيرون ساهموا في الكتابة فيها شعراً بـ"الحلمنتيشي" منهم: سليمان العيسى، وهيب غانم، أحمد إبراهيم عبد الله، غازي أبو عقل، يحيى الشهابي، نجاة قصاب حسن، حسيب كيالي.
كان لإسماعيل تجربة سابقة في هذا النوع من الصحافة و الشعر، حيث كان من أبرز محرري جريدة "المنشار" التي سبقت الكلب، و كانت تصدر بالأسلوب نفسه التي صدرت به "الكلب"، و ربما كان هذه التجربة هي الدافع لإصدار "الكلب".
كأي جريدة أو مجلة، كان للكلب أبواب هي: المقال الافتتاحي، المقال الرئيسي، الطقس، كلمة العدد، مقال في السياسة الدولية، مقال في السياسة الداخلية، يوميات رئيس التحرير، الأخوانيات، صورة العدد و أبواب أخرى..
سنتناول نماذج من هذه الأبواب، بادئين بالمقال الافتتاحي للعدد"104" الشهر 12 عام 1970. و قد كان بعنوان"في الثورية" و نقتطف منه:
يا ثائــراً لا تنــــــاور إن كنت بالفــــعل ثائـر
و من تسلط هــــــذا أو ذاك في الحزب حاذر
و استبدل الآس دوماً و لو بعشــــــر جـــواكر
أمّا في باب السياسة الدولية، فقد أدرج في العدد "63" تاريخ 30/6/1965 م مادة عن إنذار جونسون لفيتنام جاء فيها:
غابات فيتنام بأدغالـــها لسوف تغدو حفتة من تراب
إن لم يعد للعقل ثوارها و يتركـــــوها قبل /20/ آب
إنذارنا هذا، و من خلفه كتائب لا تعرف الانسجاب
و في السياسة الداخلية نقرأ في نفس العدد أعلاه قصيدة مادة بعنوان "تصريح لأكرم الحوراني" جاء فيها:
كل التجارب تنفــــــــع إلاّ لمن يتســــرّع
و من يقول: انصحوني لكنه ليس يســـمع
شحص كهذا أتانـــــي من غير أن أتوقـع
قلنا له: كــــــن نبيهاً و حيث أنت توضع
و للثقافة مقام في "الكلب" حيث نجد بعض المواد تتناول مواضيع ثقافية في إطار الزاوية، منها زاوية فلسفية، بعنوان"فلسفة الماء عند بديع الكسم" نقتطف منها:
للماء في التعريف أســـــماء فالثلج جوهـــــــــره هو الماء
و هو البخار تظـــــــنه نفساً فإذا به قطـــــــــر و أنــــــداء
و هو الكحول إذا مزجت به عرقاً و صحت: الكأس بيضاء
في زعرنــــات الحب تفقده الحسناء و هي عـــــــــــذراء
طاليس قال به و أنـــــــكره كل الذين وراءه جــــــــأؤوا
هناك مواضيع ليس لها أبواب ثابتة، و كانت تدرج في الملاحق مثل هذا الرثاء المعنون بــ"رثاء باتا":
مات باتا بالأمس رب الصرامي فاندبــوا واحداً من الأعلام
و اذكروا فضله عليكم.. و أعني فضل صباطه علــى الأقدام
حتى النشرة الجوية كان لها مكان في"الكلب" ففي العدد "18" تاريخ 7 / 3 / 1957. نقرأ في "حالة الجو":
البرد عاد و رفرفت في الجو أجنحة الغيوم
و لسوف تمطر، تلك أنباء الإذاعة للعمـــوم
ليس الملـــوم الطقس إنّ المذيع هو الملــــوم
و حفلت بعض الأعداد بصورة رسمت بالكلمات، تحت عنوان صورة العدد، كما نجد في العدد "63" تاريخ 30 / 6 / 1965:

كلب رشيق يشـــــبه السوّاحا
نظـــــرته تملـــــؤك ارتياحا
يالأمس أرخى ذيله و صاحا
في جمل تحسبها صحــــاحا
سألته: هل نســـــي النباحا؟
فقال: بل تعلمت المزاحـــــا
كان للكلب مراسلون في حلب و حماه، حمص و اللاذقية، و غيرها. و من رسالة لمراسل الكلب في حلب نقرأ:
يقول مراســــــلنا في حلـــــــب
بـــأن وزيــــــر الزراعــــــــــة
رأى القطــــن فيـــــها جلــــــب
ففكّــــــر عشــــــــــرين ســاعة
و أعلـــن عن مهرجـــــان العنب
وراجت على الفورهذي الإشاعة
بأنّ الخمــــــــــتور هي السبب
يُذكر أنّ سليمان العيسى، الشاعر الكبير و الذي كان يساهم في "الكلب" أصدر في فترة ما جريدة أسماها"ابن الكلب" و كانت على شاكلة الكلب، و كان شعارها:
خدمة للقارئ العربي صدر"ابن الكلب" في حلب
ســــتراه في سياسته كأبيــــــه... عالــــي الأدب
و قد ضاعت معظم أعداد هذه الجريدة، لكننا نجد بعض قصائدها في "الديوان الضاحك" للشاعر.
بقي أن نذكر أن أعداداً من"الكلب" قد جُمعت و حُققت من قبل أصدقاء المؤلف. و كتب مقدمتها الشاعر سليمان العيسى. طبعت في مطابع الإدارة السياسية، و صدرت عام 1983.