كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

"الكلب" و "ابن الكلب" عنوانان بارزان في تاريخ الصحافة الساخرة و الشعر "الحلمنتيشي"

مفيد عيسى أحمد- خاص فينكس:

يفتقد النشاط الصحفي في السنوات الأخيرة إلى نمط هام من الصحافة ذات التأثير الكبير، و القادرة أكثر من غيرها على الوصول إلى القارئ،  ذلك لخصوصة تناولها للمادة الصحفية، و تقديمها لها، و هي الصحافة الساخرة.
في تاريخ الصحافة الساخرة عناوين كثيرة منها: المنشار، المضحك المبكي، الدومري، الدبور، حط بالخرج، البعكوكة، الأثير، الكلب، ابن الكلب.
تشترك"الكلب" و "ابن الكلب"، مع مجلة "الأثير"، بأنها كانت تحرر شعرياً، بذلك النمط من الشعر الذي دعي"حلمنتيشي"، و هي تسمية ذات أصل مصري، و ينسب أصلها إلى مجلة "الأثير" الأسبوعية المصرية.
و الشعر الحلمنتيشي، هو كاركاتير شعري، أي رسم بالكلمات لموضوع، أو شخصية، أو موقف معين، و بشكل يركّز على العيوب أو الخصوصية، أو المفارقة الحاصلة في أمر ما.  
جريدة"الكلب" أسسها صدقي اسماعيل، في أواخر الأربعينات من القرن الماضي، و في سياق تحقيق أجراه معه الصحفي " زهير مارديني " عن هذه الجريدة، ونشر في جريدة" الأسبوع العربي " البيروتية عام 1963،  سأله:" لماذا أطلقت عليها اسم الكلب"؟ فأجاب:" لأن الكلب هو الكائن الوحيد الذي يحق به أن ينبح، دون أن يلزمه أحد بشيء".
و قد مرت"الكلب" بعدة تسميات و مراحل حتى استقر اسمها و شكلها، كما أفاد"غازي أبو عقل" الذي كان من المساهمين فيها، فقد قال في حوار له مع صحيفة الأخبار اللبنانية عام 2013:"كان صدقي إسماعيل قد بدأ أولاً بكتابة مقطوعات شعرية ساخرة، جمعها تحت عنوان فلتات المنشار، ثم الجسر، وصولاً إلى الكلب، بمشاركة أصدقاء كانوا يقطنون معاً خلال دراستهم الجامعية في دمشق".
و بخصوص هذه التسمية ورد في العدد "12" تاريخ 29/10/1956 قصيدة بعنوان"حول اسم الجريدة" جاء فيها:
أليس الصحـــافة رمز النباح           و إنّ الكلاب به أقــدمُ
تعيش على العظم من جوعها          و لكنها ليس تسترحـمُ
و للكلـــــب مأثـــــــرةٌ ..إنه           بسيط و بالمال لا يلجم
لم يكن هناك موعد معين لصدور" الكلب" و كانت تحرر بخط اليد، و بالآلة الكاتب أحياناً، و غالباً بنسخة واحدة، يتم تداولها بين المهتميبن و من يترقبون صدورها.الكلب 2
صدقي اسماعيل كان المحرر الرئيسي للجريدة، لكن الكثيرون ساهموا في الكتابة فيها شعراً بـ"الحلمنتيشي" منهم: سليمان العيسى، وهيب غانم، أحمد إبراهيم عبد الله، غازي أبو عقل، يحيى الشهابي، نجاة قصاب حسن، حسيب كيالي.
كان لإسماعيل تجربة سابقة في هذا النوع من الصحافة و الشعر، حيث كان من أبرز محرري جريدة "المنشار" التي سبقت الكلب، و كانت تصدر بالأسلوب نفسه التي صدرت به "الكلب"، و ربما كان هذه التجربة هي الدافع لإصدار "الكلب".
كأي جريدة أو مجلة، كان للكلب أبواب هي: المقال الافتتاحي، المقال الرئيسي، الطقس، كلمة العدد، مقال في السياسة الدولية، مقال في السياسة الداخلية، يوميات رئيس التحرير، الأخوانيات، صورة العدد و أبواب أخرى..
سنتناول نماذج من هذه الأبواب، بادئين بالمقال الافتتاحي للعدد"104" الشهر 12 عام 1970. و قد كان بعنوان"في الثورية" و نقتطف منه:
يا ثائــراً لا تنــــــاور         إن كنت بالفــــعل ثائـر
و من تسلط  هــــــذا         أو ذاك في الحزب حاذر
و استبدل الآس دوماً        و لو بعشــــــر جـــواكر
أمّا في باب السياسة الدولية، فقد أدرج في العدد "63" تاريخ 30/6/1965 م  مادة عن إنذار جونسون لفيتنام جاء فيها:
غابات فيتنام بأدغالـــها          لسوف تغدو حفتة من تراب
إن لم يعد للعقل ثوارها          و يتركـــــوها قبل /20/ آب
إنذارنا هذا، و من خلفه          كتائب لا تعرف الانسجاب
و في السياسة الداخلية نقرأ في نفس العدد أعلاه قصيدة مادة بعنوان "تصريح لأكرم الحوراني" جاء فيها:
كل التجارب تنفــــــــع        إلاّ لمن يتســــرّع
و من يقول: انصحوني        لكنه ليس يســـمع
شحص كهذا أتانـــــي         من غير أن أتوقـع
قلنا له: كــــــن نبيهاً          و حيث أنت توضع
و للثقافة مقام في "الكلب" حيث نجد بعض المواد تتناول مواضيع ثقافية في إطار الزاوية، منها زاوية فلسفية، بعنوان"فلسفة الماء عند بديع الكسم" نقتطف منها:
للماء في التعريف أســـــماء        فالثلج جوهـــــــــره هو الماء
و هو البخار تظـــــــنه نفساً        فإذا به قطـــــــــر و أنــــــداء
و هو الكحول إذا مزجت به        عرقاً و صحت: الكأس بيضاء
في زعرنــــات الحب تفقده         الحسناء و هي عـــــــــــذراء
طاليس قال به و أنـــــــكره         كل الذين وراءه جــــــــأؤوا
هناك مواضيع ليس لها أبواب ثابتة، و كانت تدرج في الملاحق مثل هذا الرثاء المعنون بــ"رثاء باتا":
مات باتا بالأمس رب الصرامي        فاندبــوا واحداً من الأعلام
و اذكروا فضله عليكم.. و أعني       فضل صباطه علــى الأقدام
حتى النشرة الجوية كان لها مكان في"الكلب" ففي العدد "18" تاريخ 7 / 3 / 1957. نقرأ في "حالة الجو":
البرد عاد و رفرفت          في الجو أجنحة الغيوم
و لسوف تمطر، تلك         أنباء الإذاعة للعمـــوم
ليس الملـــوم الطقس        إنّ المذيع هو الملــــوم
و حفلت بعض الأعداد بصورة رسمت بالكلمات، تحت عنوان صورة العدد، كما نجد في العدد "63" تاريخ 30 / 6 / 1965:الكلب 3
كلب رشيق يشـــــبه السوّاحا
نظـــــرته تملـــــؤك ارتياحا
يالأمس أرخى ذيله و صاحا
في جمل تحسبها صحــــاحا
سألته: هل نســـــي النباحا؟
فقال: بل تعلمت المزاحـــــا
كان للكلب مراسلون في حلب و حماه، حمص و اللاذقية، و غيرها. و من رسالة لمراسل الكلب في حلب نقرأ:
يقول مراســــــلنا في حلـــــــب
بـــأن وزيــــــر الزراعــــــــــة
رأى القطــــن فيـــــها جلــــــب
ففكّــــــر عشــــــــــرين ســاعة
و أعلـــن عن مهرجـــــان العنب
وراجت على الفورهذي الإشاعة
بأنّ الخمــــــــــتور هي  السبب
يُذكر أنّ سليمان العيسى، الشاعر الكبير و الذي كان يساهم في "الكلب" أصدر في فترة ما جريدة أسماها"ابن الكلب" و كانت على شاكلة الكلب، و كان شعارها:
خدمة للقارئ العربي         صدر"ابن الكلب" في حلب
ســــتراه في سياسته          كأبيــــــه... عالــــي الأدب
 و قد ضاعت معظم أعداد هذه الجريدة، لكننا نجد بعض قصائدها في  "الديوان الضاحك"  للشاعر.
بقي أن نذكر أن أعداداً من"الكلب" قد جُمعت و حُققت من قبل أصدقاء المؤلف. و كتب مقدمتها الشاعر سليمان العيسى.  طبعت في مطابع الإدارة السياسية، و صدرت عام 1983.
 
نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية