غيبه التاريخ وأنصفه الوطن؟!.. قصة المجاهد محمد المفلح الزعبي
2021.04.18
درعا- عبدالله صبح- خاص فينكس:
دائماً في ذكرى الجلاء يطيبُ الحديث عن مجاهدي الوطن والثائرين بوجه المحتل الأجنبي؛ وهناك الكثير ممن غيَّبهم التاريخ وأنصفهم الوطن، والمجاهد "البيك" والذي اشتهر بهذا اللقب أحد رموز وأقطاب الجنوب في مقارعة الاستعمار الفرنسي..
"فينكس" في عيد الجلاء ال 75 التقت الأديب والشيخ منصور محمود الزعبي ابن أخيه في مسقط رأسه في بلدة اليادودة والذي حدثنا عن بدايات المجاهد محمد المفلح قائلا: ولد الشيخ محمد المفلح الزعبي باليادودة سنة 1900م في بيت وطني، كان منذ صغره ذو بصيرة نافذة وبدأ يشق طريقه ليبني شعبية جوهرها الانتماء الوطني وحب الخير، و مقاومته لكل أشكال القهر والظلم فكان أصغر برلماني تحت قبة البرلمان السوري آنذاك.
عانى الشيخ محمد المفلح من جبروت الاستعمار، فكان خيار المجابهة من خلال تشكيل الكتلة الوطنية السرية هو و مجموعة من البرلمانيين و كان رقمه 16 فيها.
بدأت المجابهة إبان مذبحة البرلمان وتدمير دمشق من قبل الغازي والمستعمر الفرنسي، فقرر الشيخ العودة إلى مسقط رأسه في قرية اليادودة بدرعا، والاجتماع بالفعاليات الشعبية هو و اخوانه من حوران، الى جانب الشيخ احمد الحسين ابن الجولان، بمنزل حيدر مردم بك محافظ درعا آنذاك، للتشاور ورسم المخططات لمهاجمة مراكز الفرنسيين، فألحقوا خسائر كبيرة بهم، و إحدى تلك الكمائن شرقي قرية شقرة من أرض اللجاة والتي تم قتل ضابط فيها و فصيل كامل من مرتزقة و جنود المستعمر الفرنسي.
استمرت المقاومة للفرنسيين وقتل الكثير منهم، ومن هنا بدأ الفرنسيون التفكير بالتخلص من الشيخ المجاهد محمد المفلح واخوانه محمود المفلح وأحمد المفلح ابو عوض.
وجاء اتخاذ قرار التخلص من الاخوة الثلاث لدعمهم الثوار في سوريا وفلسطين، وكانت البداية باحتجاز اولادهم كرهائن من مدرسة الراهبات بدرعا، غالب ابن محمد وعوض ابن احمد ومنصور ابن محمود.
من هنا انطلقت شرارة الثورة بحوران، والذي أجج الوضع اكثر اعتقال الاخوين محمد المفلح الزعبي ومحمود المفلح وهما في طريقهما لحضور اجتماع سري مع محافظ درعا "حيدر مردم بك"، من خلال تسريب خبر الاجتماع من قبل أحد الجواسيس للمستعمر الفرنسي، حيث تعرضا للتعذيب القاسي وصل الى مرحلة الموت وبإشراف مباشر من قبل الجنرال كورو.
بعد اعتقالهم بدأت مرحلة جديدة من مراحل الثورة ضد المستعمر الفرنسي، بدأ المجاهد احمد المفلح الزعبي بقطع المياه عن مدينة درعا والمذخر معقل وثكنة الفرنسيين، والتي كانت تتغذى من بئر قرية اليادودة، فبدأت معاناة الفرنسيين من قلة المياه بعدها بدأ برص الصفوف وتسليح المجاهدين من اليادودة وطفس وحاصر درعا والمذخر موازاة ببدء توالي عصائب المجاهدين الاحرار من أهالي قرى ومزارع حوران لحصار ثكنات الفرنسيين بدرعا، حتى تم خنق المدينة
وتدمير جزء كبير من ثكنة المذخر وقتل العديد منهم واعوانهم!؟.
الى جانب ما تكبده المستعمر الفرنسي من خسائر قام المجاهد احمد المفلح بإسقاط طائرة فرنسية، كانت تحاول الهبوط لأخذ الجنرال كورو والرهائن معه إلى أن تم تهريب الجنرال كورو الى دمشق عن طريق قطار محطة خربة غزالة.
في هذه الاثناء كان الجنرال كورو قد أوكل لفصيل متأخر تابع له بإعدام الاخوة محمد ومحمود من خلال رميهم في بئر، ولكن المجاهدين استطاعوا فك أسرهم و اعادتهم لليادودة، واستقبلهم الأهالي بالاهازيج والاغاني الوطنية "من حوران هلت البشاير".
هكذا كانت حوران دوماً عصية على الغزاة، حيث كانت أخر منطقة احتلها الفرنسيون و أول منطقة طردوا منها، والتي على أثرها اشتعل الوطن نيرانا ومقاومة، وجاء الاستقلال والذي من خلاله تم إجلاء آخر جندي فرنسي، وأصبح الوطن يحتفل بهذا التاريخ الذي يصادف 17 نيسان من كل عام باستقلال السوريين ومولود الحرية والكرامة الذي أصبح اليوم عمره خمسٌ وسبعون.
استمر الشيخ المجاهد محمد المفلح نضاله من تحت قبة البرلمان لأكثر من ثمان دورات مكرساً حياته في خدمة الناس واصلاح ذات البين، حيث كان منزله في قرية اليادودة منتدى للصلح والعلم وحب الوطن الذي هو أغلى ما يملك.
كان مدركاً أن العلم هو حجر الزاوية الذي تقوم عليه الأوطان وتبنى، فكان بيته مدرسة علم، فاهتم بتعليم أبنائه، وأصبح منهم الطبيب والمهندس والحقوقي والذين ذاع صيتهم في البلاد العربية.
تعرض الشيخ محمد المفلح ابو عبد المجيد- والحديث للأديب منصور محمود الزعبي ابو قتيبة - للضغوطات من أعداء الوطنية بسبب استقامة فكره وإيمانه بحب الوطن، فسجن في الستينيات من القرن الماضي بتدمر، و استطاع الهرب الى لبنان ومنه الى الكويت والاردن، حيث بقي لأكثر من عام عند أبناء عمومته الى ان حصل على عفو رئاسي سنة 1970 وعاد الى سوريا ليتابع مهامه، التي تتجلى بحب الوطن واصلاح ذات البين وخدمات الناس الى ان توفاه الله سنة 1988 عن عمر ناهز 88 عام، حيث ووري الثرى في مسقط رأسه في قرية اليادودة.
واليوم ما أحوجنا نحن أبناء الجنوب لمثل هؤلاء الرجال لردع جحافل الدخلاء على تراب الوطن والوقوف صفّاً واحداً بوجه كل دخيل، كي تكون بوابة الجنوب بوابة الوطن عصّية على كل الغزاة والمأجورين..