كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

فانتازيا السرد و التشويق في رواية ايتاليو كالفينو "لو أن مسافراً في ليلة شتاء"

دعد ديب- خاص فينكس:
مدهش في السرد؛ ساحر في التقاط العقدة الدرامية، مجدد في المعمار الروائي؛ هو ايتاليو كالفينو في روايته" لو أن مسافراً في ليلة شتاء" التي يتلاعب فيها بتقنية الحداثة الروائية إذا جاز لنا التعبير، الرواية التي تعتبر درة التاج بين أعماله الكثيرة والتي تشبه لعبة الروليت الروسية، اللعبة التي تتضمن لعبة أخرى والأخرى تتضمن لعبة أصغر فأصغر وهكذا، لكنه هنا يشتغل على لعبة السرد وفنيته، في حكاية تشتبك مع حكاية، إلى أن تبلغ عشر من الحكايات يتوقف فيها عند حد التشويق العالي لينتقل إلى الأخرى، ضمن فانتازيا سردية تقوم على إشراك القارئ بالحدث الروائي معتبرًا القاري شريكاً وصديقاً وصانعاً للحكاية عبر الدخول في عتبات مسرات القراءة التي لا تقاوم من جهة ونظريات القراءة المتداخلة، حيث هناك قارئ خارج النص وقارئ ضمني.
 عند كالفينو القارئ داخل النص يشارك في صنعه، من خلال الثقوب والفراغات التي تبقى مفتوحة في النص الأصلي، ليصار إلى القارئ مهمة خلق إمكانيات وتأويلات لملأها بما يتفق مع مخياله وذائقته من خلال ابتداع شكل جديد للفعل التشاركي بين الكاتب والقارئ، فللقارئ حضور كثيف وطاغ،  فالرواية تعكس احترامًا وتقديرًا لمتلقي العمل الذي يكون مرة أحد شخوصه ومرة قارئ للحدث الروائي، والمتابع للخط السردي من حكاية إلى أخرى يقتفي أثر حبكة ليغوص في الحكاية التي تليها إلى أن يكون هو الحكاية ذاتها، ومرة تالية يخاطب القارئ البعيد ويحاوره بتجاذبات داخل الروية وخارجها بآن واحد.
"لو أن مسافرا ذات شتاء" الرواية التي كان يمكن أن تكون مجموعة قصص قصيرة، لولا أنه توقف عند العقدة فيها وربطها بقارئ يتتبعها ويتشوق لمعرفة مآل الحكايا ليمنح لقارئه متعة الطريق لا متعة الوصول، وإفراغ الشحنة التي حملها منذ أن تورط بفعل القراءة، متعة البحث والتخيل ومحاولة تصور وضعيات مختلفة للنهايات التي بدأت وتشابكت أحداثها.
تبدأ الرواية بفخ عبر أسر القارئ في خيوط قبل أن يعي معانيها، لأنه في اللحظة التي تتكشف للقارئ انقشاع ضبابيتها يبدأ التشويق في التخافت فنراه ينتقل إلى حكاية أخرى عبر أخطاء في جمع الملازم الضامة لأوراق الرواية، بحيث يجعل صفحات أكثر من رواية تدخل في رواية أخرى، وهكذا كان على القارئ أن يلاحق النسخ الصادرة عن الطبعة ويدوخ بين الناشر والمترجم والكاتب ليدخل في قصة أخرى لها حبكتها وتشويقها، وهكذا فكل حكاية  تكون مدخلًا للأخرى بعشر من العناوين:
  • لو أن مسافرا ليلة شتاء: المسافر الذي يقوم بمهمة سرية لصالح مجموعة ما تتلخص بتسليم حقيبة لجهة مجهولة، ليصدم بأن العميل الذي ينتظره هو في أعلى الهرم السلطوي.
  • خارج مدينة مالبورك: استبدال إقامة فتى بآخر من آل مايكلوميد لخطر يتهدده وكيف يحتل آخر حياة شخص ما؛ مكانه؛ سريره؛ عشقه؛صوره؛ ضمن عملية ترقب لحبيبة الآخر وشكلها ليضيء على شكل نظام بوليسي يراقب الفرد.
  • الميل من شرم الهاوية: يكلف الفتى بتسجيل بيانات المرصد للأحوال الجوية المحاذي للسجن، ويرصد في ذات الوقت الفتاة الفنانة، الرسامة التي تزور السجناء ويؤرقها رسم كلابة حديدية مع حبل فيها، ويثير الشاب ريبة الجهات المعنية ببحثه عن هذه الأدوات ليفاجئ بعدها بسجين هارب يطلب مساعدته بالتخفي، كما هناك استحضار للغة السيميرية المنقرضة إشارة إلى أنه لا زمن ما للرواية.
  • ينظر من أعلى في الظل المحتشد: حادثة التخلص من جثة بإلقائها من أعلى، عبر شخصيات مافيات المال والمضاربات، والتي تتوقف بمشهديه رؤية جزمتي القتيل في الكيس بين أيدي الجناة.
  • بلا خوف من ريح أو دوار: ثلاثة، شابان وفتاة يصيبها الدوار عبر سيل من البشر التي تتدافع عبر انقلابات عسكرية بين قوى ثورة وثورة مضادة، والفتاة التي تتحدث عن دوارها كأنها غواية تستعيد حذاقتها وقوتها في معادلة المرأة والرجل التي تقول بالتخلي عن فكرة رأسية العمود للخط المستقيم، للزهو الذكوري، واستبدالها بالتلوي الثعباني، ليفاجئ واحد من الشابين المرافقين بأن من يحمل حكم الإعدام له متربص في اقرب الناس إليه. 
  • في شبكة من خطوط لتتشابك: رنين هاتف يطارده أينما ذهب في إيقاع مستفز مع كل احتمالات في أن يكون المتصل في الجانب الآخر من الخط شخص في خطر، فيقوم بالرد على هاتف لايخصه، ولكنه فعلًا يجد في المعلومة التي ترده أنه ثمة طالبة تربطه بها علاقة ملتبسة في حالة خطر، ويتأكد من ذلك عندما يذهب للعنوان ليجدها مكبلة ومقيدة إلى كرسي.
  • في شبكة من خيوط لتتقاطع: كان يتفنن في التخفي وابتداع أشباه له في الشكل والحركة والقدوم والإياب واختراع حالات خطف وإعدام مزيفة له، ضمن محيط أعماله وشركاته تخوفًا من أخطار حقيقية من قبل أعداءه الكثر، والمفاجأة بمحاولة اختطاف حقيقية تتم من قبل زوجته، جامعة إياه مع عشيقته السرية في غرفة المرايا التي ابتدعها لتتكسر صورتهم إلى أجزاء عبر متاهة الجزء والكل.
  • على بساط من أوراق ينيرها القمر: حكاية الباحث الشاب الذي يقيم عند البروفيسور المسئول عن بحثه ويعجب بابنته، لكنه يقيم علاقة مع زوجته، ليدرك فيما بعد أنها الفخ لأجل استبقاءه تلميذًا عند الزوج.
  •  حول قبر فارغ: وصية أب لابنه عند الموت بأخذ حصانه والتوجه لمنطقة معينة ليتعرف إلى أمه التي يجهل وجودها، ولم يمهل الموت الأب للنطق باسمها، يذهب الابن إلى منطقة يختلط فيها دم الهنود مع دم البيض، عندما يستنتج من ذاكرة ماتبقى من الموجودين قصة صراع والده مع هيوميراس وتغلبه عليه في مشاجرة حول فتاة، حيث نصره كان بطعم الهزيمة للقبر الذي لا يقيم ساكنه فيه بل تحول إلى شبح يهيم ويعود ثانية ليصارع الابن من جديد.
  • أي حكاية قابعة هناك تنتظر نهايتها: شخص يلعب بمحاولة محي من لا يرضى  عنهم من الوجود من محاكم؛ لصحة؛ لرؤوساء هياكل اقتصادية من صناعة؛ من قنص؛ من صيد، ليبقى وجده مع حبيبته على مسطح من جليد، لكنه مع ذلك هناك ثمة احتمالات لكل جديد ولترتيبات جديدة للعيون التي تراقب وتحاصر كل شيء عند الخط الفاصل للشرخ الحاصل بالكرة الأرضية.
 في كل حكاية قصة وإشكالية تتداخل بأخرى، مما يحيلنا إلى استذكار ألف ليلة وليلة ولكن بأسلوب مغاير من حيث ارتباط المعقول باللامعقول والخيالي بالواقعي، وكل الحكايات لها وجهان؛ استمرارية الحياة وحتمية الموت.
 يختار الكاتب الحياة بلقاء قارئ وقارئة ضمن خيارات العيش الكثيرة، فهو بهذا اللااكتمال في مجمل حكاياه يومئ إلى صراعات عالم ناقص كذلك، لتصوير أهم التعبيرات عن هوية وكينونة الإنسان المعاصر المشتت والممزق وغير المكتمل. 
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني