مقابسات من الأدب الفكاهي
يحيى زيدو- خاص فينكس:
الفكاهة قديمة قدم الإنسان العاقل، و الضحكة ربيبة لحظات الألم. و ربما كانت الفكاهة أو النكتة في أحيان كثيرة هي الطريقة الأنجع للسخرية من الأوجاع، و التنفيس عن الهموم.
الفيلسوف الفرنسي "هنري برغسون" يعرِّف الإنسان بأنه "حيوان ضاحك"، لأن الضحك خاصية انسانية تميز الإنسان عن سائر المخلوقات. الإنسان يضحك بعقله لا بقلبه، وفق برغسون، و العقل الضاحك لا يضحك لوحده، بل لا بد من عقول أخرى تشاركه، و تجاذبه، و تتفاعل معه. لذا يمكن اعتبار الضحك حاجة نفسية و عقلية، و قيمة جمالية و أخلاقية و اجتماعية في آن معاً.
تحفل كتب التراث العربي بالكثير من الفكاهة و الضحك التي تم التعبير عنها شعراً و نثراً. و ربما لسنا في حاجة لاستعراضها لأن الكثير منها غدا معروفاً.
الأدب العربي الحديث لا يخلو من الفكاهة و السخرية، وربما كان عبد القادر المازني هو أكثر الأدباء العرب الساخرين شهرة، ثم تلاه عدد كبير من الكتاب و الشعراء الساخرين في مصر و خارجها مثل: محمد الماغوط و أحمد الجندي في سورية، و جورج جرداق و مارون عبود في لبنان، و محمود السعدني في مصر، و آخرون غيرهم .
الكاتب أو الشاعر الساخر يمكن أن يسخر من أي شيء، بل إنه قد يسخر حتى من شكله. ففي قصيدة بعنوان "في الوجاهة" يفخر الشاعر "عدنان قيطاز" بصلعته:
إنما الصلعة هذي رمز علمِ و نباهةْ فإذا الصلعة زالت، زال مفهوم الوجاهةْ
أما الشاعر "سعيد قندقحي" فيشكو ضخامة جسمه و كبر كرشه:
أشكو إلى الله من جسمٍ برمْتُ به و الله يعلم ما ألـقى و أحتمـلُ
فلي ضخامة فيلٍ لو نظرتَ لها لقيلَ: ذا عالمٌ في الأرض منتقلُ
و كم يضايقني كرشٌ بَدَوْتُ به في أعين الناس كالحُبلى بلا حبلُ
و قد تكون السخرية من حادثةِ أو واقعةِ، كما حصل مع الصديق الأديب مفيد عيسى أحمد في بداية التسعينيات. فقد كان لديه بنطلون جينز بهتت و أمَّحت ألوانه لكثرة الاستخدام، فقرر أن يصبغه، و هكذا فعل. و كان مفيد في تلك الفترة يتدرب في نادِ رياضي، فأخذ البنطلون المصبوغ معه إلى النادي كي يلبسه بعد التمرين. و بعد انتهاء التمرين بحث عن البنطلون فلم يجده لأن أحد اللصوص قام بسرقته، و كان هذا أمراُ مخيِّباً و محزناً بالنسبة له. و عندما سمع أصدقاؤه بالحادثة تداعوا، و اجتمعوا عنده ستة عشر شاعراً كتبوا قصائد "رثاء" في البنطلون الرثِّ المسروق، و منهم الشاعر و الإعلامي عماد الدين ابراهيم، الذي كتب قصيدة طويلة يقول في مطلعها:
سرقوا لك البنطلون يا لَيْتَهُمْ سرقوه قبل الصبغ و الإكواءِ
و يروي الشاعر عماد ابراهيم واقعةً حصلت له مع الأديب الراحل "مدحت عكاش" صاحب مجلة "الثقافة" الشهيرة. و من المعروف عن الراحل عكاش أناقته الفرنسية، و أدبه الجم، و رصانته بلهجته الشامية الأصيلة، وعشقه للشعر العمودي. قام عماد- و هو طالب جامعي- بزيارة الأستاذ عكاش في مكتبه مع صديقٍ له كان قد نشر أولى قصصه في المجلة، و دار خلال اللقاء حوار حول الشعر، و انتصر عماد لقصيدة النثر الحديثة، متأثراً بما قرأ في مقدمة ديوان "لن" للشاعر "أنسي الحاج" الذي كان يحمله معه، و بدأ يقرأ من الديوان حتى وصل إلى عبارة "أبي..سأفتض بكارتك"، و هنا جحظت عينا الأستاذ عكاش، و انتفض ثم نظر إلى عماد قائلاُ:" شو قلت سيد راسي؟ وين الشعر أو الأدب هون؟ واحد بدو يـ.. ك أبوه، نحنا شو دخلنا؟".
الصديق الدكتور نوفل سلهب، إلى جانب تهذيبه الكبير و ثقافته الواسعة، معروف بهجائه الضاحك. فقد اشترى أحدهم بيجامة نوم قماشية ، لكنه صار يلبسها ليس للنوم فقط، بل للخروج أيضاً و كأنها طقم رسمي، فما كان من نوفل إلا أن دبَّج فيه قصيدةً ساخرة، يقول في مطلعها:
فتىً تحسبه بين الأنام تماما أطقماً قد تَقمَّش أم بيجاما؟
و يعبِّر نوفل عن فرحته بحصول صديقنا مفيد أحمد على موافقةٍ لشراء دراجةٍ نارية، فكتب مطولة قال فيها:
يمنح المذكور موتوراً قويا جميل الشكل وضاح المُحيَّا
سيحلم(أحمدٌ) منك بشوطٍ لهذا الأمر.. أعرفه دَنيِّا
ليجني من فعالك كل صيتٍ كتشفيط و فعلٍ عنتريَّا
و لا يكتمل حديث الفكاهة إلا بالحديث عن مدينة "حمص" والشخصية الحمصية المرحة التي تجيد التقاط المفارقة، و إطلاق النكتة حتى لو كانت على الشخص الذي يقولها بنفسه. و ربما كان مرور نهر العاصي في مدينتي حمص و حماة قد أسهم في أن تنبت على ضفتيه الكثير من الفكاهات اللطيفة، و المكايدات الودية الضاحكة بين أبناء المدينتين. فقال شاعر حموي:
طويلٌ و حمصيٌّ و من باب خالدِ ثلاث صفاتٍ ما اجتمعنَ بعاقلِ
لكن أطرف المكايدات كانت بين الشاعر "محمد الهلالي" من مدينة حماة، و الشاعر "مصطفى زين الدين" من مدينة حمص. "الهلالي" كان يكتب الأشعار الدينية و الحماسية و المدائح و المراثي و الأدوار الغنائية بلغةٍ رصينةٍ جادَّةٍ، أما "زين الدين" فقد كان يكتب الأشعار و القدود و الموشحات، و كان أكولاُ نهماً يحب المرح و الضحك، و قد قام بمعارضة الهلالي في قصائده، و قلبِ معانيها إلى طعام.
فقد كتب زين الدين قدَّاً (من مجزوء الرمل):
نَبَّهَ النُّدمانَ صاحِ إنَّ داعي الأُنسِ صاحْ
حيثُ من أيدي الملاحِ لاحَ نجمُ الكأسِ لاحْ
فلما سمع زين الدين بالأبيات، عارضها بالقول:
قدِّم الخرفان ناحي إنَّ داعي البطن ناحْ
حيثُ من لحمِ الأضاحي راحَ همُّ الجوعِ راحْ
و حين رحَّب الهلالي بقدوم أحد الوجهاء إلى حماة، بقوله (من الكامل):
وردت أماني البِشرِ بالأحبابِ فشَـدَتْ بـلابلُ ألسُنِ الترحـابِ
و أدارها الساقي على ندمانه كاسات أنسٍ أو كـؤوس شـرابِ
بجمال طلعةِ كوكبٍ بقدومه صبحُ السرورِ بما دجى الأوصابِ
شرفٌ حماة الشام فيه شُرِّفَتْ فرحـابها أضحـت أجـلُّ رحـابِ
فما كان من زين الدين إلا أن عارضه بقوله:
وردت صحون الرُّزِّ للأحباب و النارُ قد ضُرِمَتْ لِشَيِّ كبابِ
و أتى به الطباخُ في صحفٍ فَلَمْ أرَ مثلها يبري من الأوصابِ
لله خـاروفٌ أتى في دسـتـهِ يحكيه ذو القـرنين بالألقـابِ
سبحان من أعطاه بعد الهزل سمـ ناً حـيث لـِيَّته كقطعة باب
و قد أدَّت هذه المعارضات إلى غضب الهلالي، حتى تدخل بينهما من أصلح الأمر. فنظم بعدها قصيدةً ذات روي بواوين؛ إحداهما مفتوحة و الثانية ساكنة، و تحدَّى زين الدين أن يعارضها. يقول فيها (من الكامل):
عني لـَوَوا عـزاُ حَـوَوا مجـداً طَـوَوا
دارِ مَنْ تهوى و دَعْ في كلِّ دارْ
مُـدَّعٍ في الحبِّ جهلاً غير دارْ
فالهوى كأسٌ على العُشاقِ دارْ
فيه من فـازوا و فيه من هَـوَوا
و عندما سمعها زين الدين، لم تعسر عليه معارضتها، فقال:
لحماً شَوَوا بيضاً قَـلَـوا خـبزاُ طَـوًوا
و على السـمـن الـقـباوات استَـوَوا
مذ رآني شيخنا المغشيُّ جارْ
راح للمحشي و بالكوسا استجارْ
أيها القَـطر انعقـِدْ مذ أنت جارْ
في صــدورٍ للـكنـافـات احـتَـوَوا
و يمكن للقارئ أن يلاحظ أن القصيدة العمودية تحتمل الفكاهة أكثر من قصيدة النثر, فهل المشكلة تكمن في بنية القصيدة الحديثة أم في موهبة من يكتبها؟ أم أن الأمر يتعلق بطبيعة القضايا و الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية و السياسية التي يتأثر بها الشاعر المعاصر مقارنةً بالقضايا و الأوضاع التي نشأت القصيدة العمودية كاستجابةٍ إبداعيةٍ لها؟