لماذا ساد مصطلح قتل الأب في حركة الحداثة الأدبية؟
عماد الدين إبراهيم- خاص فينكس:
قرأت حواراً جميلاً مع الشاعر اللبناني الجنوبي جودت فخر الدين بمناسبة صدور مجموعته الجديدة (أكثر من عزلة، أبعد من رحلة) أجراه محمد ناصر الدين و نشرته صحيفة الأخبار اللبنانية – ملحق كلمات – السبت 13/3/2021 ورد فيه الفقرة التالية: "الصراع مع الأب قد ينتج الصداقة، بدلاً من أن يؤدي إلى قتل الأب بالمعنى الفرويدي. و هذا في رأيي هو الصراع المطلوب و البنّاء مع التراث، الذي قد يصح تشبيهه بالأب. و ربما هذا المفهوم للصراع هو الذي قصده الشاعر ت. س. إليوت، أحد روّاد الحداثة الشعرية في العالم، عندما قال بأن الشاعر المجدّد هو الذي يمتلك الإحساس التاريخي بتراثه".
لقد جعل سيجموند فرويد في دراسته ”دوستويفسكي و قتل الأب“ من اغتيال الأب موضوعة أساسية و متكررة في ثلاث روائع أدبية: أوديب ملكا لسوفوكليس، هاملت لشكسبير، والإخوة كرامازوف لدوستويفسكي؛ مضيفا أن ”الباعث على الفعل المنافسة الجنسية على المرأة" ثم ساد هذا المصطلح في أدبنا العربي الحديث و نقدنا للأعمال الأدبية، و أصبح السؤال عن "قتل الأب" على لسان كل صحفي و كاتب، و في كل حوار أو لقاء، و صار من لا يقوم بقتل الأب إبداعياً متخلفاً بعيداً عن الحداثة و المعاصرة، و قد أعجبني جواب الشاعر جودت فخر الدين و كيف حول العلاقة من قتل؟! إلى صداقة على المستويين الإبداعي و الرمزي، و هنا يحضر السؤال: لماذا قتل الأب؟ و ما الداعي لذلك؟ طالما نحن استمراراً له.
الأجدى هو البحث عن التميز و الاستقلالية و تكوين الشخصية المتفردة بسماتها الخاصة إبداعياً كما يجري في الحياة الاجتماعية، و قد شغلني سؤال: ما الأسباب التي أدَّت إلى انتشار هذه المقولة في أدبنا و نقدنا كالنار في الهشيم؟ و ما المراد منها؟ هل المراد أن يقتصر أثرها على صعيد الأدب؟ أم أن المراد أن تفعل فعلها في الحياة الاجتماعية و السلوك؟ نحن نعلم أن الأدب يؤثر في المجتمع كما يتأثر به، لا بل تصبح بعض الشخصيات الأدبية نماذج يُحتذى بها في السلوك الاجتماعي، و لا يخفى على الكثيرين ما فعلته شخصية فيرتر في "آلام فيرتر" لغوته في المجتمع الأوروبي، أو شخصية هيثكليف في رواية "مرتفعات ووذرينج" لإيميلي برونتي، حتى إن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق غوردون براون صرّح مرّة بأنه يشبه هثيكليف لكنْ في سن متقدمة و ناضجة، و أثر شخصية زوربا للكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكي في الأدب و المجتمع العربيين لا يخفى على أحد، أو أثر شخصية الطروسي في رواية (الشراع و العاصفة) للروائي السوري لحنا مينة، أو شخصية سي سيد في ثلاثية الروائي المصري نجيب محفوظ.
هذه أمثلة على تبادل التأثير بين الأدب و المجتمع، فهل كان المقصود من نشر و تعميم مقولة "قتل الأب" التأثير على بنية المجتمع العربي لتغييرها؟ و من المستفيد من تكريس و ترسيخ هذه الأشكال من الصراع؟ و نحن نعلم و التجارب تؤكد أن حالات الصراع تترك آثاراً مدمرة على المجتمعات، و تنعكس على كل المجالات، أظن أن ذلك قد حصل مع توالي العقود، و تعدُّد أشكال الصراعات التي عانت و ما تزال تعاني منها منطقتنا العربية، دعمتها المقولة النفسية – السيكولوجية "صراع الأجيال" و بالتأكيد فعلت فعلها في المجتمعات العربية، و هذا الموضوع بحاجة إلى دراسات عميقة و تحليلية و إحصائية أكبر من مقالة حتى يأخذ ما يستحق من بحث و أدلة و براهين.
الكاتب السوري إبراهيم صموئيل في مقالة له نشرها في موقع صحيفة (الرأي) الكويتية في 6 آب 2009 بعنوان: "كيف يمكن قتل الأب؟!" كتب قائلاً:
"في كل ما قرأت لم أتمكّن مرةً من فهم ما يردّده عددٌ من الكتّاب عن «قتل الأب» في الواقع لم أتوقّف عن السؤال: لماذا يُراد قتل الأب في الأدب،....... وهو مستحيل لأنه ما من ابن إلا و له أب بالضرورة، سواء في الحياة أو الأدب أو الفن أو المهن و الحرف المختلفة. ما من جيل إلا و هو وليد جيل سبقه. ما من كاتب حيّ ولدته امرأة لم يمسسها رجل. فكيف يمكن قتله، بالمعنى الذي يتم تداوله، و نحن جميعاً من آباءٍ دمهم فينا بكل تأكيد؟!".
و يتابع مضيفاً: "إن كان المراد هو أنَّ ثمة كتابةً لا على مثال، ولا على شبيه، ولا هي متأثرة بما سبق من جنسها الأدبي، و لا بما يحيط بها و يعاصرها، فهذه الكتابة هي تلفيقة ذهنية مركّبة تركيباً لا يمكن أن تظهر في الحياة عملياً، و لا يمكن لصاحبها أن يكون موجوداً واقعياً". و قد اعتبر مقولة قتل الأب "أكذوبة".
الحضارة الإنسانية هي في استمرار متصاعد في كل النواحي و المجلات و منها الأدب، و لا يمكن للبشرية في كل حقبة أن تحاول أو تدَّعي الانطلاق من الصفر، و إلا ستبقى تراوح مكانها، لا بد من الاستفادة من السابقين و التأثر بهم و البناء على تجاربهم لصياغة تجربتنا الفريدة و المتميزة، و التي تضيف جديداً يبني عليه اللاحقون.
أختم هذه المقالة بهذه الحادثة الطريفة التي جرت معي برفقة الصديق الأديب مفيد عيسى أحمد، في تسعينيات القرن الماضي، كنا في زيارة للأديب الراحل مدحت عكاش في مقر مجلته "الثقافة" في شارع الأرجنتين حيث الآن فندق الفورسيزن، و معروف عنه أنه من محبي الشعر العامودي، دار حديثنا حول الثقافة و الأدب و التجديد و غير ذلك من قضايا ثقافية، أذكر أنني قرأت مقطعاً من قصيدة لأنسي الحاج من مجموعته "لن" ورد فيه الجملة التالية: "يا أبي سأفضُّ بكارتك"، فقال الأستاذ مدحت عكاش بالعامية جملة لا مجال لذكرها، مختصراً بها كل أساليب البلاغة.